
القاهرة | بدأت مصر، منذ أسابيع، سلسلة تحرّكات دبلوماسية وأمنية، يبدو أنها تندرج في سياق مسار أوسع لإعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية. وهو مسارٌ تقول مصادر مصرية، في حديثها إلى «الأخبار»، إنه يفرض نفسه كاستحقاق إلزامي بعد الهزات العنيفة التي ضربت المنطقة على خلفية الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران، والتي رأت عواصم خليجية أن القاهرة أظهرت انحيازاً في خلالها إلى مصلحة طهران. وكانت العلاقات المصرية مع بعض عواصم الخليج مرّت بمحطّات من التباعد الصامت والتباين الجذري في الرؤى تجاه أزمات الإقليم، فضلاً عن الكباش المكتوم المرتبط بترتيب الأولويات الاقتصادية والاستثمارية، لكنها لم تصل إلى حدّ القطيعة الكاملة، إذ ظلّت قنوات الاتصال، حتى في خلال الأزمة الأخيرة المرتبطة بإيران، قائمة، وهو ما وفّر، بحسب المصادر، «أرضية لإعادة بناء الثقة بمجرّد تغيّر الظروف الإقليمية والدولية». ومع توقيع مذكّرة التفاهم بين واشنطن وطهران، والتي تبدو اليوم على حافة الانهيار، تحرّكت الدبلوماسية المصرية «بهدوء، وبعيداً عن الأضواء والرسائل العلنية، بهدف تنشيط الاتصالات السياسية مع الشركاء الخليجيين».
وطبقاً للمصادر نفسها، فإن «هذا التكتيك حقّق نجاحاً ملموساً في بعض الساحات، لكنه اصطدم بالجدار الكويتي»؛ إذ لا تزال الكويت تعيش حالة من «الامتعاض» من الموقف المصري. في المقابل، تَبرز أبو ظبي باعتبارها «أحد أهمّ النماذج التي تعكس التطوّر الايجابي لذلك المسار»؛ فالزخم الملحوظ في اللقاءات الرسمية والزيارات المتبادلة بين مصر والإمارات «لا يقتصر على البعد الاقتصادي، المتمثّل في استئناف الحديث عن مشروعات استثمارية ضخمة، بل يمتدّ إلى تفاهم سياسي أعمق بشأن طبيعة المرحلة الإقليمية الحالية وإدارتها»، على حدّ تعبير المصادر. أيضاً، يبدو أن العلاقات مع الرياض دخلت مرحلة أكثر استقراراً مقارنةً بالفترة السابقة؛ إذ تشير المصادر إلى رفع التجميد عن ملفات استثمارية كانت تباطأت نتيجة الظروف التي رافقت فترة الحرب، إلى جانب استمرار المباحثات الخاصة بصفقات استحواذ واستثمارات جديدة داخل السوق المصرية.
مناورات عسكرية مُرتقبة على الأراضي المصرية بمشاركة قوات خليجية
غير أن هذا الانفراج، وإن بدا متسارعاً، لا يعني تصفير الأزمات أو زوال العقد العالقة كافة، وخصوصاً مع الكويت. فالصورة العامة تشير إلى أن العلاقات المصرية - الخليجية أصبحت «أكثر اتزاناً»، وأن مساحة التوافق السياسي «باتت أوسع ممّا كانت عليه قبل سنوات قليلة، لكن تحت رعاية معادلات القوة الجديدة». وفي ظلّ ارتياح القاهرة إلى هذه الانفراجة، فهي كثّفت اتصالاتها، خلال اليومَين الماضيين، لإعادة تثبيت ركائز التهدئة بين واشنطن وطهران، وذلك انطلاقاً من إدراكها أن «أيّ انفجار جديد سيعيد خلط الأوراق، ويرتدّ سلباً على أمن الخليج وعلاقته مع مصر، وبالتالي يعطّل مسار التقارب في وجهات النظر بين مصر وإيران». وفي هذا الصدد، يكشف مسؤول دبلوماسي مصري، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «المباحثات الأخيرة تجاوزت الملفات الثنائية لتناقش الفرص الاستثمارية المشتركة بين دول الخليج وإيران نفسها»، معتبراً أن «شراكات من هذا النوع، في ظلّ الانفتاح المتوقّع بعد التهدئة، تمثّل الضمانة الفعلية لمنع تجدّد الحروب الإقليمية». ويضيف المصدر أن «أبو ظبي تبدو الأكثر حماسة وانفتاحاً على ذلك التوجّه»، لافتاً إلى أن هناك «تحرّكات قريبة ستشهدها الساحة عبر رجال الأعمال وشركات القطاع الخاص في البلدَين».
بدوره، يشير دبلوماسي مصري آخر، في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن القاهرة «استغلّت التوجّه الأميركي نحو التهدئة لتجاوز الكثير من نقاط الخلاف مع عواصم الخليج»، معتبراً أن التصريحات التصعيدية الصادرة عن الإدارة الأميركية بين الحين والآخر - والتي تحوّلت في خلال الأيام الماضية إلى تبادل نيران في مضيق هرمز - ليست سوى «ضغوط تفاوضية»، ولا سيما أن «قادة الخليج وصلوا إلى قناعة راسخة بأن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني من شأنها أن تؤدي إلى اضطرابات أوسع في المنطقة، وهي قناعة لم تكن واضحة لديهم في بَدء المعركة». أمّا في ما يخص التواجد العسكري المصري في الخليج، فيقول مصدر عسكري مصري، لـ«الأخبار»، إن القاهرة «باتت تتحفّظ على الحديث حول هذا الأمر بشكل شبه كامل، وذلك تجنّباً لإثارة حساسيات طهران من جهة، وتأكيداً لكون أيّ تواجد عسكري مصري خارج البلاد لا يهدف إلى المشاركة في أيّ أعمال عدائية، بل يقتصر على الأبعاد التدريبية والدفاعية». ويكشف المصدر عن «مناورات عسكرية مُرتقبة على الأراضي المصرية بمشاركة قوات خليجية»، معتبراً أن «مشاركة القوات المصرية في غرف العمليات وساحات التدريب المشتركة، تمنحها خبرات ميدانية ضرورية».

