إيران مطمئنّة إلى موقف شركائها | «كرنفال» العقوبات: ترامب لم ييأس من الصفقة

مع إعلان واشنطن، أمس، بدء تنفيذ العقوبات الجديدة ضدّ طهران، التي ردّت عليها الأخيرة برفع مستوى التحدّي، والتأكيد أن شركاءها التجاريين لا يعيرون العقوبات الأميركية أيّ اعتبار، في إشارة بيّنة إلى بكين، بدت واضحةً مساعي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الاستثمار الإعلامي في ما سُمّيت «الحزمة الأشدّ في التاريخ». إلا أن الرهان الحقيقي لترامب للخروج من المستنقع الإيراني، ظهر مجدّداً منعقداً على محاولة إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، وهي المهمّة التي أوكلها إلى الوسيط الرئيس، قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، الذي وصل إلى طهران، أمس، وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه به الرئيس الأميركي.
وتزامناً مع وصول منير إلى طهران على رأس وفد رسمي يضمّ وزير الداخلية، محسن نقوي، الذي اضطلع بدوره بجزء من الوساطة، زعم ترامب، في تصريح، أن «إيران تنهار بشكل كامل»، محوّلاً مناسبة فرض العقوبات الجديدة إلى ما يشبه الكرنفال. وفي سياق إعلانه تلك العقوبات، أشار وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، بدوره، إلى أن «ترامب يجري اتصالات مع زعماء عالميين لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران»، موضحاً أنه «ستكون أمام الدول مهلة لإغلاق الأنشطة التي حدّدتها وزارة الخزانة، ومنها إغلاق فروع البنوك الإيرانية في الخارج»، مهدّداً «بأن أيّ جهة تسهّل عمليات غسل الأموال لصالح إيران، ستُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار الأميركي. ولا أحد بمنأى عن العقوبات الأميركية». إلا أن بيسنت حاول في الوقت نفسه تقديم إغراءات للدول للسير بالإجراءات الأميركية؛ إذ قال إن «من يقفون معنا سيجنون ثمار شراكتنا، ومن يربطون مصيرهم بالنظام الإيراني عليهم توقّع العزلة معه».
ولفت الوزير الأميركي، أيضاً، إلى «أننا حدّدنا بدقة كلّ نقطة اتصال، وكلّ طرف مسهّل، وكلّ شبكة استخدمتها إيران لتهريب النفط، والالتفاف على العقوبات. وستشهدون عقوبات على مؤسسة مالية كبرى، بحلول نهاية هذا الأسبوع بسبب إيران». وأوضح أن «العقوبات تستهدف 5 شرايين حيوية تستغلّها إيران في دول أخرى، هي الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، وقطاع الطيران، والشحن البحري»، مضيفاً «أننا نشنّ هذا الهجوم الاقتصادي ضدّ إيران، بالروح التي تمّ بها إنزال النورماندي في الحرب العالمية الثانية».
وفي ردّه على الإعلان الأميركي، أكد مستشار المرشد الإيراني، محمد مخبر، أن 47 عاماً من «الاستراتيجية العدائية» التي شملت العقوبات، والحرب، ومحاولات تقسيم إيران، فشلت في تحقيق أهدافها. وأشار إلى أن «هذه الاستراتيجية تواجه اليوم تماسكنا وقدرتنا على الردع في مضيق هرمز». واعتبر أن «الفشل الاستراتيجي يمثّل تحذيراً قاطعاً من الاستمرار في الحسابات الخاطئة»، جازماً أن الردّ الإيراني «سيكون أكثر حزماً من أيّ وقت مضى».
واشنطن طلبت من منير استخدام نفوذ إسلام آباد لإعادة طهران إلى طاولة التفاوض
بدوره، أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن «شركاءنا التجاريين أكدوا لنا أنهم لا يعيرون أيّ اعتبار للتصريحات الأميركية»، معتبراً أن «واشنطن ليست في وضع اقتصادي يسمح لها بفرض مزيد من القيود على علاقاتها مع الدول الأخرى». وبدا أن قاليباف يلمّح بكلامه، خصوصاً، إلى الصين التي تستورد غالبية النفط الإيراني. وبالفعل، قالت وزارة الخارجية الصينية، في موقف بدا لافتاً في توقيته، إن بكين تراقب التهديدات الأميركية بفرض عقوبات على طهران، و«ستفعل ما هو ضروري لحماية حقوقها ومصالحها».
وكانت حذّرت إيران الدول المعنيّة من التعاون مع الجهود الأميركية، منبّهةً على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، إلى أن المشاركة في ذلك «ستكون لها بالتأكيد عواقبها». وبدورها، هدّدت «هيئة إدارة مضيق هرمز» الإيرانية بأن السفن «المنتهكة» لقواعدها بشأن العبور من المضيق، قد تتعرّض للغرامة أو الاحتجاز أو المصادرة.
في هذا الوقت، بدأت زيارة الجنرال منير إلى طهران، والتي بدا معها، رغم اللهجة الأميركية المرتفعة، أن واشنطن لا تعوّل كثيراً على العقوبات في تغيير موقف إيران. واجتمع الزائر الباكستاني بقاليباف، الذي قال إنه بحث مع ضيفه «مواصلة جهود إسلام آباد لتعزيز السلام والأمن في المنطقة، وحالات عدم وفاء أميركا بتعهّداتها وفق مذكرة التفاهم». وأضاف: «أخبرتُ قائد الجيش الباكستاني أن أميركا هي التي حالت دون إرساء الاستقرار في المنطقة». وبعد لقاء منير بالرئيس، مسعود بزشكيان، قالت الرئاسة الإيرانية في بيان إن قائد الجيش الباكستاني أكد «ضرورة دراسة العملية الدبلوماسية بدقة لتحقيق الأهداف المشتركة والتوصل إلى اتفاق شامل»، فيما اعتبر الرئيس الإيراني أن «على الولايات المتحدة تصحيح لهجتها ونهجها في التعامل معنا بدلاً من الإملاءات والإكراه».
ونسبت وكالة «رويترز» إلى مصدر باكستاني أن الولايات المتحدة طلبت من منير استخدام نفوذ بلاده لإعادة إيران إلى طاولة التفاوض. وقالت 3 مصادر باكستانية، للوكالة، إن الجنرال الباكستاني تحدّث مع ترامب، الأسبوع الماضي، قبل أيام من زيارته إلى طهران، إلا أن نبأ المكالمة لم يُعلن في حينه.
إلى ذلك، وفي تطوّر لا يصبّ في مصلحة واشنطن، بدأت الأزمة النفطية الناجمة عن الحرب ضدّ طهران، تضغط على العالم بشكل أكبر؛ إذ عبّر مدير «وكالة الطاقة الدولية»، فاتح بيرول، عن القلق إزاء وضع الغاز في أوروبا هذا الشتاء، مشيراً إلى انخفاض المخزونات، واضطراب إمدادات الشرق الأوسط، وانتهاء إمدادات الغاز الطبيعي المسال الروسي. وقال بيرول، في تصريح، إن الوكالة لا تناقش حالياً سحب دفعة ثانية من احتياطيات النفط الاستراتيجية، مضيفاً أنها تتابع الأسواق عن كثب، وأن 80% من الاحتياطيات الاستراتيجية لا تزال موجودة بعد سحب 400 مليون برميل في آذار الماضي.

