الغرب المتقدم صناعياً وتكنولوجياً، يبهر أنظار رجال عصر النهضة العربية، ولا يزال يبهرنا الآن في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الراهنة. هذا بوجه عام، وسواء أرادوا الحديث وحده أو الحديث مع القديم، سواء أرادوا العلم الأوروبي خالصاً أو أرادوه مع «التراث». قلما عادوا إلى ما قبل أوروبا القرن التاسع عشر، قلما تساءلوا عن أساسيات هذا التقدم. ركضوا إلى «النتائج». هذه النتائج ليست فلسفة. الفلسفة، الميتافيزياء، اللاهوت... الخ هذا من الماضي الذي خلفته أوروبا وراءها.


واليوم كما بالأمس، الفلسفة مطرودة من الفكر والوعي عند أنصار «الدين والعلم» وعند أنصار «المعرفة العلمية» سواء بسواء. الفكر العربي، سواء في نسخته الماركسية الذي حمل مشروعاً آخر غير المشروع البرجوازي، أو الفكر القومي، أو الفكر الإسلامي، حين يحذف «المفهوم» فإنه يتعامل مع الكلمات كأنها أشياء... والذي تم حذفه هو الفكر. إن حذف الفكر لعملية المعرفة التي هي معرفة الواقع، يعني حذف الفكر العارف الناظر، أي حذف الطريق، الطريقة، الوساطة.
من أسوأ التقاليد التي كرستها الحركات السياسية العربية على اختلاف مرجعياتها الفكرية هي انتهاج الخطاب الشعبوي الذي يهيمن عليه الطابع الإيديولوجي، والذي تكمن وظيفته في التسويغ والتبرير وطمس واقع الفروقات والاختلافات واللجوء إلى التوفيق والتلفيق، والذي يفتقر إلى العقلانية ويقلل من أهمية المسألة الفكرية ويحط من شأنها. كما لا ينطلق من حقيقة أن الفكر العقلاني هو الذي يصنع التغيير الجذري وبالتالي يصنع التاريخ، ذلك أنه ليس ثمة من تاريخ ممكن من دون حركة الفكر.
ويظل التنازع بين المسألة السياسية الضاغطة بحجم وجودها، وثقلها في الخطاب السياسوي الشعبوي وبين الفكر العربي المعاصر قائماً، لأن السياسة في طبيعتها الأصلية، وهي تبحث عن التغيير، تخدم المصلحة طبقية كانت أم حزبية، بصرف النظر عن المشروع السياسي المنضوية في سيرورته. قد لا تستمد معاييرها من الحقيقة الموضوعية، في حين أن الفكر باستخدامه العقل العلمي والفلسفي هو الذي ينتج التصورات الصحيحة والرؤى العلمية عن حقائق التاريخ الاجتماعية وعلاقاتها.


ليس هناك عقل عربي أو إسلامي أو أوروبي وعقل أميركي وآخر روسي


فهيمنة المسألة السياسية على الفكر العربي بادعائها أنها تحتكر الحقيقة العلمية للتاريخ الاجتماعي، وباستمالتها الفكر، واستخدامه وأحياناً في جعله رهن الاعتقال، وتدجينه وحتى التنكيل به، واختلال العلاقة بين الإيديولوجي والسياسي، يدفع الحوار السياسي بين القوى السياسية ذات التوجه العلماني والحركات الإسلامية على تنوعها إلى سجال إيديولوجي، تسود فيه الرؤية الحصرية. وهي تمثل صياغة جديدة للواحدية والنظرة الاقصائية التي تحل نفسها محل الكل الاجتماعي، وتطرد الآخر من عالمها، ولا تنظر إلى الاختلاف والتعدّد إلا على أنه كفر.
وهذه الرؤية الواحدية والحصرية السائدة في صفوف الحركة السياسية العربية على اختلاف مشاربها الفكرية، ومناهجها وبرامجها، تجعل الفكر العربي متناقضاً ولا يسوده الانسجام والوحدة في بناء النظرية والمعرفية، لأن موضوعاته وإشكالياته أتت في ظروف تاريخية، أو تحت وطأة الضغوطات السياسية والإيديولوجية، ويظل عاجزاً عن تحقيق توافق أولّي مبدئي على القضايا الأساسية للأمة، ولا سيما منها العلاقة بين الديمقراطية والإسلام.
إن الضمانة الجدية للتوافق وديمومته بين الديمقراطية والإسلام هو انتهاج خط الواقعية والعقلانية، في الإجابة على أسئلة ومعضلات الواقع. فالعقلانية تقوم على أساس النقد، نقد الذات ونقد الموضوع الذي هو أيضاً ذات وحياة. وهو ما يسميه المفكر الراحل الياس مرقص «جهاد النفس وجهاد المعرفة».
فالنقد هو أبرز خصائص العقل، والعقل واحد، عند الكل، وهو كوني بطبيعته، وليس بخاصية قوميات ضيقة أو تقسيمات الجغراسياسية التي تقسم العالم إلى مناطق نفوذ وهيمنة.
ليس العقل منهجاً قائماً على الحساب والمنطق وأداة تفكير فقط، ينمو إلى عقلانية إلى تعامل بين مقتضيات الذهن المنطقية والمعطيات الاختبارية الصادرة عن عالم الظواهر. والعقل نظري وعملي، فالعقل النظري أساس العلم والحكمة، يحمل في ذاته الإيمان بالمعرفة، والشك فيها في علاقة متبادلة بينهما، لا يثبت ولا ينفي إلى ما لا نهاية، وهو باحث جيد من أجل الحقيقة ومنتج لمنظومات متماسكة من الأفكار والنظريات والأسس المعرفية للعمل البشري والإنتاج الاجتماعي، وساعي من أجل وحدة الفكر والواقع وإعادة بناء صورته في الذهن في ضوء التقدم العلمي الحاصل.
والعقل العملي أساس الاجتماع والحياة السياسية، هو عقل مفتوح يجسد نمطاً من التعامل الوحيد بين العقلاني واللاعقلاني، ويكون بذلك ضرورياً ضرورة مطلقة بالنسبة إلينا للتعامل مع الواقع، بما أنه تجسيد للعقلانية الحقيقية باعتبارها مسعى من اجل مطابقة مفهوم الفرد الاجتماعي ومفهوم المواطن بوصفه عضواً في المجتمع المدني وعضواً في الدولة بالتلازم الضروري. ولهذا تصبح العقلانية ركيزة أساسية للديمقراطية، وبالتالي ركيزة أساسية لمجتمع القانون والحقوق، كما تصبح السياسة بكونها الشأن العام المشترك بين جميع الأفراد في مجتمع الأفراد، في مجتمع معين ودولة معينة، علم الممارسة المعقولة. وهي تهم العمل الكوني الذي وإن كان من خلال أصله العيني عماداً فردياً أو جماعياً، لا يهدف إلى الفرد والجماعة بل يهدف إلى الوصول إلى الجنس البشري.
لذلك كله، فإن العقلانية باعتبارها أخص منجزات الروح البشرية لا سيما حين تنطلق من مفهوم الإنسان وفكرة التاريخ والتقدم، هي كونية بطبيعتها لأنها قائمة على كونية العقل وإنسانية الفكر. فليس هناك عقل عربي أو إسلامي أو أوروبي وعقل أميركي وعقل هندي وآخر روسي، مثلما ليست العقلانية من منجزات الغرب ومكتسباته فقط، حتى إن تجذرت في الغرب المسيحي وذهبت إلى أبعد ما تكون وأعمق ما تكون.
إن كلمة «عربي» في «تحديث الفكر العربي» يجب ألا تتضخم، أن لا تتحول إلى إله – صنم. «الفكر العربي» الذي نحن بصدده ليس «عربياً» إلا بمعنى محدد ومحدود. الفكر الليبرالي، الفكر القومي، الفكر الماركسي، والفكر الإسلامي الحديث والإسلامي الأخير، هذا كله فكر بشري وعالمي. إنه ينتمي للإنسان ككلي مجرد وكعالم أمم. الفكر الليبرالي والقومي والماركسي، أوروبي المصدر، وكذلك جزئياً الإسلامي الحديث بل والإسلامي كله هو، في جوهره ذاته، عربي وغير عربي.
العقلانية في الفكر والسياسة مفهومة فهماً جدلياً سليماً هي تلك التي تنطلق من وحدة المجتمع الديالكتيكية التناقضية ومن وحدة الأمة العربية باعتبارها كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم ومن الشأن العام والمصلحة القومية المشتركة التي تتقاطع فيها المصالح الخاصة والفردية، وتجد فيها ميدان تحققها الواقعي. فالعام هو الذي يحدد الخاص والفردي، والكل هو الذي يحدد الأجزاء وليس العكس وبالتالي فإن السياسات الفئوية، طبقية كانت أم حزبية، أم عشائرية أم مذهبية التي تحل الخاص محل العام هي سياسات لا عقلانية وإذ تقوم هذه السياسات على المنفعة الخاصة الجزئية، الفئوية، فإنها لا تلغي المصلحة العامة الوطنية/ القومية فقط، بل تلغي ذاتها أيضاً. وهذا أساس لا عقلانيتها، والسياسات اللاعقلانية هذه هي بالضرورة سياسات استبدادية، وأنساق مولدة للعنف. فمن ليس في فكره وفي روحه، المطلق يحول نسبية إلى مطلق وذلك هو الاستبداد.
العقلانية في الوضع العربي الراهن صفة السياسة الديمقراطية المؤمنة حقاً بالمشروع الديمقراطي النهضوي التي تضع حدّاً للإيديولوجيا وتقيم حداً على الشعارات والشعاراتية في الحوار بين الأطياف السياسية من أجل إعادة بناء وعي جديد مطابق لبناء دولة القانون، وتحقيق وفاق تاريخي حقيقي بين الحركة الإسلامية والقوى العلمانية على أهداف استراتيجية محددة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، حيث أن بناء هذا الوعي الجديد وهذا الاتفاق التاريخي لا يكونان بالتسويات الإيديولوجية ولا برفض الإيديولوجيات ذاتها والاستسلام لتأثيراتها موضوعياً، بل ينطلقان من العقلانية والمنطق في سبيل تقديم الحلول والأجوبة لإشكالية ثنائية العلمانية والإسلام وتساؤلها وإخراجها من المحنة التي شكلها استمرار المعارضة بينهما.
إن الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، ولا نبالغ إذا قلنا أكثريتها، إنما تقف من مبدأ العلمانية والتعددية، سواء في الرؤى الفكرية أو السياسية، موقف الرفض العدائي أو الريبة الشديدة أو الشك في شرعيتها، أو في ضرورتها وجدواها. في حين أن أمام الإسلاميين والعروبيين واللاهوتيين والعلمانيين مسؤوليتان أولهما، معرفة الواقع بإبعاده العالمية أو الكونية والتاريخية والعقلانية بشكل مطابق وصحيح، حيث أن معرفة هذا الواقع يقتضي منهجاً عقلانياً، لفهم الصراعات والتناقضات التي تولد حركة تطوره، والقوى التي تؤثر فيه، لا سيما أن العالم اليوم يتوحد بوتائر سريعة.
فلم يعد ثمة مشكلات أو قضايا أساسية محلية خالصة خارج سياق العولمة الرأسمالية الجديدة، أو الهيمنة الإمبريالية الأميركية.
والثانية، نقد العقل السياسي العربي ليشمل ظاهرة الإسلام السياسي المعاصر، والخطاب الإيديولوجي الإسلاموي المتطرف التكفيري من جهة، والفكري المرن النقدي المنفتح من جهة أخرى الذي ما زال يرفض تجسيد القطيعة المعرفية والمنهجية التي تأتي في سياق العملية التاريخية، وكنتيجة حتمية للتطور التاريخي العام في المجتمع العربي، باعتبارها هي وحدها التي تؤهلها (هذه العملية) لبناء مشروع ثقافي إسلامي تنويري يصير تكويناً وليس تكراراً. علماً بأن هذه القطيعة متى حصلت تمثل تاريخ التحولات الجذرية في نظرة العقل الإسلامي نفسه إلى المعرفة، وطرق إدراكه للواقع العربي والاشتباك مع معضلاته الأساسية، وتعبيره المعرفي والسياسي عن تأويلاته لهذا الواقع.
وهكذا يصبح الإسلام والعلمانية فاعلية فكرية اجتماعية كفاحية من أجل التحرر المعرفي الحقيقي للتراث من الميراث الذي أضحى يشكل عقبة معرفية في الخطاب الإيديولوجي للحركات الإسلامية المعاصرة، يرميان من خلال هذا الجهد الإنساني إلى الاندماج بالعالم الواقعي، ونشر ما يعتقد الإسلاميون والعلمانيون أنه التنوير الحقيقي في الفضاء الاجتماعي على قدم المساواة، حيث أن التنوير لم يكن حكراً على التجربة التاريخية الغربية المحددة بعصر صعود البرجوازية والرأسمالية منذ القرن السادس عشر، بل إن الحضارة العربية الإسلامية امتلكت تراثاً تنويرياً مع ابن رشد في القرون الوسطى، سبق التنوير الغربي في العصر الحديث.
* كاتب تونسي