«الامبريالية الأميركية… قد أرسلت منذ فترةٍ قريبة قواتها المسلحة لغزو واحتلال لبنان. لقد أقامت الولايات المتحدة مئات القواعد العسكرية في بلدانٍ كثيرة حول العالم. ولكنّ الأرض الصينية في تايوان، ولبنان، وكل القواعد الأميركية على أراضٍ غريبة هي في الواقع حبالٌ كثيرة تلتفّ حول عنق الامبريالية الأميركية. هذه الأنشوطات قد نسجها الأميركيون بأنفسهم، وليس أي أحدٍ آخر، وهم قد عقدوها حول أعناقهم، وسلّموا طرف الحبل الى الشعب الصيني، والشعوب العربية، وكل الشعوب في العالم التي تحب السلام وتمانع العدوان. كلّما أطال المعتدون الأميركيون المكوث في هذه الأماكن، كلما ضاق الحبل حول خناقهم»

ماو تسي تونغ، في خطابٍ أمام المؤتمر الأعلى للدولة، 8 أيلول 1958

ما هو الرابط الذي يجمع بين هذه المشاهد: اجتماعات تجرى في مكاتب ومطاعم بواشنطن؛ ولدٌ سودانيّ دون السادسة عشر من دارفور الفقيرة، يُجنَّد للقتال في بلدٍ لا يعرفه، ولا يقلّ فقراً عن موطنه، مقابل عشرة آلاف دولار؛ ميليشيات أفغانية تتبع للمخابرات الأميركية، يتكلّم عناصرها بالانكليزية خلال المداهمات، وهم من يمثّل القوة الضاربة - لا الجيش ولا الشرطة - في عدة ولايات أفغانية حساسة؛ عشرات «الجيوش الخاصة» التي تنبت بين اليمن وليبيا وسورية؛ و، أخيراً، إعلانٌ ظهر فجأةً في مجلة أميركية، على صفحةٍ كاملة، يحمل اسم وشعار «بلاكووتر»، ويقتصر على ثلاث كلمات - بالانكليزية - «نحن قادمون»؟
فلنبدأ من «الانسحاب» الاميركي من سورية. بعيد إعلان نية سحب القوات الأميركية من سورية، وخفضها بشكلٍ كبيرٍ في أفغانستان، نشر الباحث الأميركي اليساري ستيفن غوانز (الذي أثق بآرائه في أكثر من مجال، وبخاصة تحليلاته عن شبه الجزيرة الكورية) نصّاً يحاجج، باختصار، بأنّ «ترامب لن يخرج من سوريا أو أفغانستان». فكرة غوانز هي أنّ لا قرارات ترامب، ولا خلافه مع ماتيس، تشير الى تغييرٍ جذريّ في الأهداف الاميركية في الشرق الأوسط، بل الى «اعتماد وسائل جديدة» لتحقيق الأهداف ذاتها. الكتّاب الذين يحللون السياسة الدولية ومنطق الامبراطورية من زاوية «بنيوية»، مثل غوانز وماركسيين آخرين، يكرّرون أن السياسات الامبراطورية وشكل الرأسمالية في العالم هي ليست أمورا إرادوية بالكامل، ولذا فهم محصّنون أكثر من غيرهم من وهم أن رئيساً اميركياً يمكن، في لحظة صفاء، أن يختار «الانعزال» أو «الاقتحام» ويغيّر مسار اميركا وأهدافها بقرارٍ شخصي. هذا المنهج، بالمناسبة، هو الذي جعل سمير أمين يحذّر، باكراً جدّاً، من أنّ الغرب سيصطدم بالصين في نهاية الطريق، مهما قال الإعلام والرؤساء والقمم الدولية، وأنّ في الغرب بالفعل تيّارات تحتيّة تمهّد منذ التسعينيات - بالخطاب وبالسياسات - لهذا اليوم المحتوم.
يزعم غوانز أنّ ترامب ينوي تنفيذ الاستراتيجية الأميركية القديمة في بلادنا، ولكن بالاعتماد على مزيجٍ من قوات الحلفاء وفرق المرتزقة و«الجيوش الخاصة». بدلاً من وضع الجنود الأميركيين في الواجهة، على الاماراتيين والسعوديين والمصريين وغيرهم تشكيل قوات لـ«حفظ النظام» في الاقليم (على طريقة وحدات «الاوكسيليا» التي كان الرّومان يجندونها من بين الشعوب «الحليفة»، وكانت تلعب دوراً أساسياً في حراسة الامبراطورية ومرافقة جيوشهم في المعارك). بدلاً من أن يموت الجنود الأميركيون في وديان أفغانستان، ويضطرّ ترامب الى اجتراح خطابات عاطفية لتأبينهم، يمكن - عبر «بلاكووتر» وأمثالها - توظيف آلاف المرتزقة الذين يرتضون المجيء والقتال والموت مقابل راتب (والكلفة تدفعها الدول الحليفة). يقول غوانز انّه يوجد أصلاً، من بين 47 الف جندي أجنبي في أفغانستان، 26 الف «جندي خاص». أي أنّه من اليسير تعويض سحب سبعة آلاف أميركي، كما يريد ترامب، عبر توظيف الآلاف من المرتزقة و«المتعاقدين». هذه ليست حجّة واهية، أقلّه من وجهة نظر ترامب. بريطانيا لم تهزم نابليون عبر رمي جنودها في الميادين، بل حاصرته بتحالفاتها الأوروبية، وهزمته بدماء الرّوس والنمساويين والاسبان. وبريطانيا الامبراطورية، في ما بعد، حاربت بالهنود وأبناء المستعمرات. فلماذا تضحّي اميركا بأبنائها وتصرف من خزينة الامبراطورية؟ لماذا تجعل من قواعدها ومعسكراتها أهدافاً ومصدر استنزاف، كما قال ماو في الخمسينيات؟ فليلفّ الحلفاء الحبل حول أعناقهم ايضاً؛ هذه هي «عقيدة ترامب».

عالم «بلاكووتر»
من بعد نشر النصّ أعلاه مباشرة، توالت التقارير التي تصدّق على مقولة غوانز، وتشير الى العالم الجديد الذي نتّجه اليه. «ميليتاري تايمز» تشير الى إعلانٍ مدفوع، باسم شركة «بلاكووتر» (التي لم تعد موجودة، وتغير اسم الشركة الأصلية ومالكوها عدّة مرّات) نُشر في مجلّة تعنى بالأسلحة. تقول «ميليتاري تايمز» إنّ خروج ماتيس وقرارات ترامب حول سورية وأفغانستان تشير الى «عودة بلاكووتر»، كفكرة وكمفهوم، وليس الشركة القديمة فحسب. يبدو أن المؤسس الأصلي لـ«بلاكووتر»، اريك برنس، لديه علاقات داخل ادارة ترامب، وهو يدعو منذ زمنٍ الى «تخصيص الحروب»، واستبدال الجنود الأميركيين في أفغانستان وغيرها بـ«متعاقدين» مرتزقة. بحسب المجلة الأميركية، كان الخصم الأساسي لهذه النظرية داخل الادارة في واشنطن هو الجنرال ماتيس، الذي استقبل إريك برنس رحيلَه بنشر الإعلان. في الوقت ذاته، تخبر «نيويورك تايمز» عن عملية تجنيد السودانيين للقتال في اليمن، الذين يبدو أن أكثرهم من دارفور، ويشكّل الأولاد نسبة معتبرة منهم، ويزجّهم السعوديون في المواقع التي لا يريدون التواجد فيها: على الحدود وخطوط التماس، وفي الهجمات الخطيرة (هنا نمط «التعاقد بالباطن» على أكثر من مرحلة: تسلّم اميركا اليمن للإمارات والسعودية، فتتعاقد هذه الحكومات بدورها مع ميليشيات محلية وشركات وحكومات أجنبية فقيرة لكي ترسل جنودها إلى الميدان). ويصف غيث عبد الأحد في «غارديان»، بعدها بأيام، الفوضى التي خلقتها الامارات في جنوب اليمن الذي تحتلّه، وعشرات الجيوش الخاصة التي تمّ إنشاؤها في طول البلد وعرضه، الى جانب «الجيش الرسمي»، ومئات آلاف الجنود الذين هم على دفاتر الرواتب. حتّى تكتمل الدائرة، ومن حربٍ منسيّةٍ أخرى، تقريرٌ مطوّل في «نيويورك تايمز» عن ميليشيات أفغانية، نظّمتها وموّلتها وكالة الاستخبارات الاميركية، وهي تعمل خارج سقف القانون وترتكب - كمثيلاتها في اليمن - الفظائع في حقّ المدنيين (حتّى تفهم حجم المسألة، يقول التقرير إن عدد مقاتلي هذه الوحدات - التي لا تخضع لأوامر الجيش أو الحكومة الأفغانية - يبلغ ما بين 3 آلاف و7 آلاف في ولاية خوست الحدودية وحدها. وتنقل الصحيفة عن شيوخٍ من ولاية ننغَرهار أن أفراد هذه الوحدة قد قتلوا مئة مدنيٍّ لديهم في الشهر الماضي وحده - والوحدة بكاملها لا يزيد عديدها عن الألف في تلك الولاية).
هذا السيناريو ليس مستحيلاً. من جهةٍ، كانت الجيوش في اوروبا، لقرون، مكوّنة أساساً من المرتزقة ومحترفي الحرب (وبعض الشعوب، كالسويسريين، تخصصت في هذا المجال وبأدوارٍ معيّنة في ساح القتال - فكان حملة الرماح السويسريون هم تشكيلات المشاة الأفضل في مواجهة الخيالة، مثلاً). وكان الملك أو الامبراطور يكتريهم لمدة معينة خلال حملاته، أو يعقد معهم عقوداً «طويلة الأمد». كان هذا قبل أن تظهر الدولة الوطنية الحديثة، ويصبح لها «أنياب» وتبدأ بتجنيد مواطنيها في جيوشٍ جرارة. ولكن هؤلاء المواطنين ليسوا مستعدّين للقتال في أيّ مكانٍ ولأيّ سبب، فقد يصبح من الضروري العودة الى نمط الـ«أوكسيليا» والارتزاق - وبخاصّةٍ في ساحات بعيدةٍ «هامشيّة»، لا تستحقّ بأن تكبّل الجيش الأميركي فيها وتلهيه عن الخصوم الكبار. ولمن يعتقد أن حرباً مثل حرب أفغانستان كانت سهلة أو محتملة للأميركيين، لأنّه لم يسمع كثيراً بأخبارها، فما عليه الا أن يراجع بعض أحداثها، مثل عمليّة «الأجنحة الحمراء» عام 2005: كان الأميركيون لا يزالون «جريئين» وقتها في اقحام جنودهم في العمليات، وعديد القوات الغربية في البلد يزيد عن المئة ألف (فاق الـ200 ألف عام 2010). أرسل الأميركيون فرقةً صغيرة من القوات الخاصة لاغتيال قائدٍ محلي في «طالبان». كُشفت الفرقة فور تسللها ووقعت في كمين قاتل، فسقط ثلاثة من أفرادها قتلى وجُرح الرابع. أرسل الأميركيون على الفور قوّة دعمٍ على متن حوّامة، فأسقطها الأفغان بقاذف «آر بي جي» بسيط وقتلوا 16 جندياً كانوا على متنها. هذه كانت يوميات حرب أفغانستان حين كانت في أوجها، و«طالبان» اليوم قد تكون أكثر قوة مما كانت عليه وقتها.

الوجه الآخر
الفكرة الناظمة هنا هي أنّ أميركا لا تواجهك باسلوبٍ واحد، ولا هي في حاجة الى ذلك. إن فشل الخيار العسكري هناك خيار الاحتواء والحصار، أو خيار الاستمالة والدبلوماسية والاقتصاد، أو اللعب على تناقضات الدّاخل. لدى الامبريالية أدوات كثيرة وهي لن تستنكف عن استخدامها. وهذه المسارات تظلّ متزامنة، وإن تصدّر واحدٌ في مرحلةٍ على الآخر. سوف تجد الجذور لكامل «عقيدة ترامب» هذه، من فكرة توكيل الحلفاء، الى الاعتماد على المرتزقة، الى دعم الحروب من بعيد وبالطيران، في ادارة اوباما، وقبله عند بوش. الرئيس الأميركي ليس أمامه عددٌ غير محدود من الاحتمالات، بل خياراته تتغير وتضيق بحسب السياق التاريخي: تتسبّب حرب فييتنام بصدمة فيصبح التدخل العسكري المباشر صعباً، وندخل حقبة التدخلات «غير المباشرة». تدفع مرحلةٌ من القوة والثقة باميركا، بين عام 1990 و2003، الى العودة مجدداً الى الغزو المباشر. ثمّ تعلّمها تجربة العراق وأفغانستان كلفة الاحتلال والتورّط، وهكذا دواليك.
الخلاصة مزدوجة وهي، أوّلاً، أنّ التاريخ لا يتحرّك لوحده، واميركا لم تهزم نفسها بنفسها. بل إنّ هذه السياسات الجديدة ليست الّا لأنّ واشنطن لاقت ناراً لاهبة في أكثر من ميدان، وفهمت أنّ هناك شعوباً لا يمكن إخضاعها أو شراؤها، وهي قادرة على المقاومة وإيجاع عدوّها. ثانياً، إن كان هناك من «مختبر» لهذه السياسة الأميركية المرتقبة، فما هو الّا اليمن. دعمٌ غربيّ وأسطول جوّي كاسح وجيوشُ دولٍ عديدة، وإنفاقٌ بلا حساب وطبقات متعددة من الميليشيات والجيوش المحلية، والمرتزقة والسلفيين والقوات الخاصة - أعدادهم بمئات الآلاف. وما كانت النتيجة؟
قبل أسبوعين، وبعد ساعات من اتفاق الحديدة، كان الجيش اليمني و»أنصار الله» يهاجمون مواقع الموالين للسعودية والامارات في جبهةٍ حساسة قرب مأرب، حيث اقتحموا أجزاء من صرواح ومعسكرا رئيسيا للقوات الغازية، وهددوا بالاقتراب من مدينة مأرب نفسها (وهذه الجبهات هي القاعدة التي كان يفترض أن ينطلق منها الزحف باتجاه صنعاء). خذوا هنيهةً لتتذكروا ماذا كان يقال حين ابتدأ الغزو، والتوقعات حول موعد سقوط صنعاء، والاحتفالات التي عمّت الكثير من الأوساط العربيّة. بالفعل، من كان يتوقّع أن تصمد حركة محلّيّة وجيش صغير، في بلدٍ محاصر، أمام حربٍ من هذا النّوع، ولسنوات (لم أكن أتوقّع أن تطول الحرب لهذه المدّة، وإن كنت متيقّناً من أن هؤلاء لن يصلوا الى صنعاء، من دون دخول فرقٍ كاملة من الجيش الأميركي في المعركة، ولو بعد ألف سنة).
اليمن يُظهر لك الفارق بين من يحارب دفاعاً عن وجوده ومن يقاتل من أجل الرّاتب، بين من يصارع عن قناعةٍ ومن يحارب لقضيةٍ ليست له أو، باختصار، الفارق بين المناضل والمرتزق. اليمن، مثلما هو مثالٌ على فشلهم، هو ايضاً أمثولة توضح لماذا انت تحتاج دوماً الى حركةٍِ شعبية مسلّحة في بلاد الجنوب. هم سيتفوقون عليك بمراحل في الموارد والحلفاء والجيوش الكلاسيكيّة (والـ«اوكسيليا» المتنوعة التي ترافقها أو تقوم مقامها)؛ ومن دون أن تستند على «رأسمال» في المجتمع وفي النّاس، وفي شعبٍ مستعدٍّ للقتال والتضحية عن قناعة، فأنت ستُهزم حتماً ولن تقدر على حربهم. هذا من الأسباب الكثيرة التي تجعل حرب اليمن حربنا جميعاً، سواء كنّا على هذا الجانب أو ذاك. ولهذا ايضاً فإن من يستطيع القراءة في بلادنا يفهم أنّ اليمن ليس مجرّد ميدان معركة، بل هم أهلنا وقضيتهم قضيتنا، نرى فيهم ماضينا ومستقبلنا (ولو كنت انساناً أفضل، وكان لدي ما أنفع به اليمنيين، لكنت اليوم في اليمن). ما عرفناه في اليمن، وهذا يمكن تعميمه على إقليمنا، هو أنّ من تعلّم هزيمة أميركا واسرائيل لن يُهزم أمام جنود الأجرة. الحرب مستمرّة، ولكن الأكيد هو أنّه - مهما حصل - لن تحكمنا دولة مثل الامارات، ولن يهزمنا المرتزقة.