الحديث عن مكافحة الفساد يدور في حلقة مفرغة لا يعبِّر عنها أكثر من مكافحة حسن فضل الله للفساد: فهو باتَ ــ وعن حقّ ــ مادة للتندّر على الإنترنت لما حلّ برفعه لواء مكافحة الفساد بالنيابة عن حزب الله. فالنائب وعد بملاحقة ملف الإنترنت غير الشرعي إلى نهايته وردّدَ أن العدوّ قد يكون قد تسرّب عبر هذا الإنترنت (أي أنّ للموضوع جانب فساد وجانباً من خطر للأمن القومي للبلاد). لكن فضل الله رفع يدَه وقال ــ بعدما كان هدّد بأنّ أسماء كبيرة قد تسقط ــ إن الأمر بات (أو نام) بعهدة القضاء، وأن لا لومَ عليه لأن القضاء مُلام في عدم التحرّك. أي أنّه يكافح الفساد ثم يترك الأمر في عهدة القضاء. مع علمه أنّ القضاء لن يتحرّك. طبعاً، لوم القضاء من قِبل فضل الله ناقص لأنه يتمنّع عن لوم الحليف الشيعي الآخر، هو ضالع في ملفّات فساد.

إن مشروع التغيير الثوري يجب أنّ يبدأ بإبداء عدم الثقة بالقضاء. وبعض المشاريع الإصلاحيّة لحركات وتيّارات في التحرك الاحتجاجي تعوّل على «لجنة قضائيّة» هنا أو على «المجلس الدستوري» هناك لتولّي مهمات مكافحة الفساد في المرحلة الانتقاليّة. لكن هؤلاء القضاة، كلّهم، مدينون ومدينات بمناصبهم لزعماء سياسيّين. هم نتاج الطبقة الحاكمة الفاسدة، ويجب إخضاع كلّ هؤلاء للمساءلة والعقاب: ما هي الخدمات القضائيّة (غير القانونيّة) التي كان على هؤلاء تأديتها مقابل دعم الزعماء لهم وتغطيتهم؟ والمجلس الدستوري فقد أهليّته في أكثر من مفصل، خصوصاً أنّه في تعامله مع انتخابات طرابلس الأخيرة، والتزوير والرشى اللذين صاحباها، أثبتَ خضوعه للسلطة السياسيّة وطواعيته في ليّ ذراع القانون. هؤلاء يجب أيضاً وضعهم تحت الإقامة الجبريّة بانتظار محاكمتهم.

(رسم زينب ترمس)

يمكن في المرحلة الانتقاليّة إنشاء هيئة قضائيّة جديدة، يُنتقى أعضاؤها من خلال مباريات يُشرف عليها أساتذة قانون في لبنان وفي دول عربيّة. كما أنّ الهيئة القضائيّة العليا التي تشكّل المحكمة الخاصّة بمحاكمة الفاسدين يمكن أن يتمثّل فيها قضاة من دول عربيّة ليس لها تاريخ من التدخّلات المباشرة في الأزمة اللبنانيّة (تونس أو المغرب أو موريتانيا مثلاً). وفي مرحلة لاحقة، يمكن استبدال تعيين القضاة من قبل الزعماء بانتخاب مباشر من الشعب أو عبر مباريات تكون الأسماء والطوائف فيها مستترة. إن ترك القضاء على ما هو عليه من فساد كفيلٌ بأن ينقذ الطبقة الحاكمة من العقاب.
أما ملف «استعادة المال المنهوب»، فالحديث عنه لا يتعدّى الشعارات. أين هي هذه الأموال الذي تريد الحركة الاحتجاجيّة أن تستردّها؟ هل هي في مخبأ سرّي أو تحت شجرة سنديان؟ وهل للقضاء اللبناني القدرة على العثور عليها؟ طبعاً، لا. هناك حاجة إلى مكاتب تحقيق ماليّة دوليّة. هنا درس مفيد من قضية محمد رشيد («خالد سلام»). أخبرني مستشار صديق لياسر عرفات بالقضيّة. بعد وفاة عرفات، اكتشف قادة (سماسرة) منظّمة التحرير الفلسطينيّة أنّ ملايين من الدولارات اختفت من حسابات منظمة التحرير حول العالم، وكانت الشبهات تلاحق محمد رشيد (حاز ثقة عرفات قبل أن يسرقه). قام صديق عرفات بالاتّصال بمكتب محاماة شهير في لندن، والمكتب استعان بمحقّقين ماليّين (مهمة هؤلاء هو رصد حركة أموال لشركة معيّنة أو لشخص معيّن) وتوصّل إلى استنتاج أن هناك قضيّة قويّة يمكن أن تُقام ضد محمد رشيد بتهم اختلاس أموال المنظمة. لكن لسبب ما، فإن عصابة السرقة والفساد في رام الله قرّرت عدم المضي في رفع الدعوى في المحاكم البريطانيّة. ليس لدينا في لبنان مكاتب تحقيق ماليّ تستطيع أن ترصد حسابات جنبلاط أو برّي أو جعجع أو الحريري أو غيرهم. هذه تحتاج إلى قدرات ومهارات مكاتب دوليّة، على أن تقوم الدولة في المرحلة الانتقاليّة بتقديم طلبات لمراجعة حسابات هؤلاء في أكثر من دولة (ليست سويسرا وحدها هي التي تحوي ثروات الفاسدين، فجزر الكاميان هي ملاذ مفضّل بسبب انخفاض الضرائب وصعوبة الملاحقة الماليّة). وحتى الطلبات الأميركيّة لمراقبة حسابات سويسريّة تحتاج إلى أدلّة قانونيّة قبل أن تسمح الحكومة السويسريّة بكشفها. ولهذا، إن من أولويّات الحركة في لبنان وضع خطة مفصّلة للتعامل مع الفاسدين، والسجن هو المكان الوحيد الذي يمكن استجواب الطبقة الحاكمة فيه، لأن شروط التفاوض تكون في غير صالح الأثرياء.
والمرحلة الانتقاليّة ــ لو كانت ثوريّة بحقّ ــ لا تفرض إعلانات فرديّة عن «رفع السريّة المصرفيّة»، بل تقديم كشوفات ماليّة شهريّة علنيّة، ممهورة من مصارف لبنانية وأجنبيّة، عن حركات الأموال في حسابات كلّ مسؤول في الدولة. وهذا الشرط بحدّ ذاته سيقصي الفاسدين عن مواقع المسؤوليّة، وعندها سيصبح مآل السياسة كما في «جمهوريّة» أفلاطون: أن يتنافس الناس كي لا يتبوّأوا المناصب لا أن يتنافسوا ويتحاربوا وينفقوا الملايين من أجل تبوّء المناصب التي تعود عليهم بالمزيد من الثروات.
ولا يمكن لمكافحة الفساد أن تعفي المؤسّسات الدينيّة (لا تزال الكنيسة أكبر مالكة أراضٍ في لبنان، وفي ظروف تاريخيّة غير ديموقراطيّة). ويمكن إخضاع حسابات كل المؤسسات الدينيّة (بعد تحريرها من أيّ تمويل أو تسهيل ماليّ من الدولة اللبنانيّة لتدعيم فصل الحيّز الديني عن السياسي) لمحاسبة دقيقة ومنع موارد ماليّة لها من خارج لبنان. ومحاكمة الفساد في المؤسّسات الدينيّة لا يمكن أن تتجاهل الاعتداء على الأطفال في الكنيسة أو في غيرها من أماكن العبادة، خصوصاً أنّ طريقة تعامل البطريركيّة المارونيّة مع قضيّة الأب منصور لبكي، بعد إدانته من قِبل الفاتيكان وفضحه من الكنيسة وصحافتها في فرنسا، كانت متساهلة ومتستّرة، ومنعت العقوبة عنه: الاستجمام في برمانا ليس عقوبة، والأب لبكي عاد مؤخراً كي يقيم الشعائر الدينيّة.
ثالثاً، الطائفيّة. ليس هناك مشاريع جديّة لمكافحة الطائفيّة في لبنان. الحركة الوطنيّة لم تطرح العلمانيّة بل اكتفت بـ «إصلاح» الطائفيّة لمنح المسلمين المزيد من الحظوة في النظام الطائفي، وهذا ما حدث في الطائف، وهذا ما أخاف ميشال عون يومها ومنعه من المضي فيه. الأحزاب العلمانيّة، مثل الحزب الشيوعي والحزب القومي ــ بالإضافة إلى أحزاب اليسار الثوري ــ لم تطرح مشاريع محدّدة للقضاء على الطائفيّة. لدينا مثال دولة رواندا التي عانت في ١٩٩٤ من حرب مدمّرة ومجازر من قِبل متطرّفي الهوتو ضد التوتسي و«معتدلي» الهوتو. هذه الحرب كانت، أيضاً، من إرث المستعمر الذي خلق تقسيمات أتاحت له السيطرة. وبعد تجربة الحرب التي أودت بحياة ٨٠٠,٠٠٠ نسمة، قرّرت الحكومة انتهاج سياسة جديدة للقضاء على هذه الانقسامات المجتمعيّة. هي حرّمت وجرّمت التقسيم بين الشعب، وألغت الإشارات إلى التوتسي والهوتو في الكتب والبرامج وبطاقات الهويّة الوطنيّة. أيّ إشارة إلى هذه التقسيمات لها عقوبة. وأقامت الحكومة مخيّمات إعداد لمقاتلين تربّوا على الوعي الانقسامي (حكومة بروندي المجاورة، التزمت بالنموذج اللبناني في توزيع الحصص والمراكز بين الفريقيْن كما أنها اعتمدت المداورة في المناصب، وهذه لم تُجرَّب في لبنان بعد). يمكن طرح مشروع إلغاء الإشارات الطائفيّة في بطاقات الهويّة اللبنانيّة والكتب المدرسيّة والوثائق الرسميّة بالكامل، كما أنّه يمكن إعداد مخيّمات تأهيل للمصابين بلوثة الطائفيّة. ومنع التوصيف الطائفي يمكن أن يترافق مع منع الأسماء التي تحمل منحى طائفيّاً أو دينيّاً (الحكومة الفرنسيّة باتت تبادر باستمرار إلى ابتداع طرق لتثبيت العلمانيّة في المراكز والمدارس الحكوميّة، لكن هذه هي علمانيّة انتقائيّة متعصّبة تستهدف المسلمين والمسلمات). وتجريم الإشارات والرموز الطائفيّة تفعل فعلها بعد سنوات وتغيّر من الثقافة السياسيّة. (ودولة رواندا هي الدولة الأولى في العالم، بالمناسبة، في نسبة النساء في المجلس النيابي لأنها فرضت كوتا ٥٠٪ للنساء، أي أنّ الحكومة تحمل المساواة على محمل الجد على أكثر من صعيد).
يمكن في المرحلة الانتقاليّة إنشاء هيئة قضائيّة جديدة، يُنتقى أعضاؤها من خلال مباريات يشرف عليها أساتذة قانون في لبنان وفي دول عربيّة


ومحاربة الطائفيّة تتطلّب فرض قانون أحوال شخصيّة مدني، على أن يُتاح لمن يشاء قبول قوانين أحوال شخصيّة دينيّة على أن تلتزم بالمساواة بين الجنسيْن والأعراق والجنسيّات. والسلطات الدينيّة ستحارب إلغاء الطائفيّة لأنها مستفيدة منه بصورة مباشرة (نقداً وعدّاً) وبصورة غير مباشرة، لأن النظام الطائفي يعطيها الحظوة والهيبة والحصانة (القانونيّة) التي لا تستحقّها. إن محاربة الطائفية لا تكتمل من دون محاربة الفساد الديني الواردة أعلاه. ويُمنع في الفترة الانتقاليّة، أو الطويلة المدى، تطبيق كوتا طائفيّة بذرائع مختلفة. لكن تطبيق كوتا طبقيّة (أي ما يسمّونه بـ «التمييز الإيجابي» في فرنسا) لصالح الفقراء يسهم في توسيع نطاق الخلفيّة الطبقيّة للنخبة التي سيُعاد تشكيلها للحكم. الحفاظ على النظام الطائفي يعيد إلى السلطة زعماء الطوائف لأنهم أفضل من غيرهم من أبناء الطوائف في التحريض والتعبئة الطائفيّة. هل تكمن مهارة جنبلاط في قرائته لمجلّة «نيويوركر» أم في شدّ عصب الطائفة بمناسبة أو بدون مناسبة؟ لكنّ محاربة الطائفيّة مرتبطة بمحاربة رأس المال (كما كتب الرفيق علي القادري في مقالة أخيرة)، وهذا مرتبط بدوره بسياسة خارجيّة مستقلّة. والطائفيّة في لبنان لا تخدم فقط المشروع السعودي، بل الغربي برمّته، وإلّا لم تكن لتستثمر فيه على نحو قرنيْن من الزمن.
رابعاً، الاقتصاد. لستُ خبيراً اقتصاديّاً لكن هاكم وهاكنّ بعض العناوين لتغيير اقتصادي جذريّ. لا يزال اقتراح عامر محسن هو الأفضل بالنسبة إلى عدم سداد الدين. وعدم سداد الدين يرتدّ على المصارف ويزعج المؤسسات والدول الغربيّة. لكن ذلك يجب أن يترافق مع خطّة تأميم اقتصادي للمصارف والمرافق الكبرى. سيُقال إن دول الغرب ستعلن لبنان دولة فاشلة، وأن ذلك سيؤدّي إلى تطبيق عقوبات على لبنان. لكن هناك عقوبات على لبنان تطال أكبر حزب لبناني على الإطلاق، وهذا الأمر يمرّ عاديّاً في الحياة السياسيّة، لا بل إن المراسلين والمراسلات في لبنان عندما يقابلون مسؤولاً أميركيّاً يسارعون إلى سؤاله إذا كانت هناك حزمة جديدة من العقوبات ضد لبنان، كمن يسأل عن حال الطقس في الأسبوع المقبل. والعقوبات على لبنان تؤثّر على الحركة الماليّة فيه، وتتيح لأميركا بفرمان أن تغلق مصرفاً لبنانيّاً عريقاً (أو أن تأمر المطيع، رياض سلامة، بإغلاق مصرف لبناني بأمر من اللوبي الإسرائيلي). وتحويل لبنان إلى دولة فاشلة قد يكون الفرصة الأولى لتحقيق سيادة سياسيّة حقيقيّة للبنان، بعد تحقيق السيادة إزاء إسرائيل للمرّة الأولى في تاريخ لبنان في عام ٢٠٠٠. الطبقة السياسيّة ستولول وتنتحب على مصير «سيدر» وستذكّر بحزمتَي «باريس ١» و«٢» وما تلاهما (وعود المساعدات الغربيّة أو الخليجيّة تكون دائماً أكبر مما يصل إلينا وبكثير). لكن المساعدات الغربيّة ليست إلّا دعماً للطبقة الفاسدة والمال يُعاد تدويره إلى الغرب، إما في مشاريع يستفيد منها الغرب أو في سرقات تعود إلى المصارف الغربيّة.
والاستقلال عن الغرب اقتصاديّاً، يتيح للبنان التحرّر الاقتصادي. إنّ معاداة الغرب لمصر بعد الثورة (الحقيقيّة بعد ١٩٥٢) هي التي حفّزت على تحقيق اقتصاد وطني وتصنيع وإصلاح زراعي. وكان رفض مصر لإملاءات المساعدات الأميركيّة من أفضل سمات الزمن الناصري، لأن أميركا (حسب ما يظهر جليّاً في ما نُشر من وثائق أميركيّة) كانت تظن أنّ حاجة مصر إلى القمح ستعطي أميركا القدرة على فرض سياسات على عبد الناصر. وعندما بادر السفير الأميركي في عهد كينيدي إلى مصارحة عبد الناصر بحقيقة النوايا الأميركيّة (القمح مقابل الإملاءات)، كانت ردة فعل عبد الناصر قويّة إلى درجة أنّ الأوامر من واشنطن سارعت إلى تنبيه السفير حول خطورة تكرار المحاولة. ولبنان لا يستطيع أن يبني شبكة مواصلات عامّة وصناعات وتشريع لزراعة الحشيشة التي يمكن أن تعود على لبنان بالخير الوفير، بالإضافة للموارد النفطيّة (بعد أن تتوّلى المقاومة ملفّها كبديل حيوي عن الوساطات الأميركيّة التي قبل بها كلّ فاسدي السلطة من دون استثناء) بوجود الرعاية الغربيّة. البنك الدولي وصندوق النقد يقاومان أيّ إنفاق حكومي لصالح الطبقات الشعبيّة، وضدّ مصالح الشركات الغربيّة.

ترك القضاء على ما هو عليه من فساد كفيل بأن ينقذ الطبقة الحاكمة من العقاب


ليس هناك من اتّحاد سوفياتي لتعويض لبنان عن انسحاب الغرب، لكن الخيار الصيني لم يجرؤ لبنان على سبر غوره، لخوف الطبقة الحاكمة من السفارة الأميركيّة. وقروض الصين تكون ميسّرة أكثر من قروض أميركا للدول النامية. والاستقلال عن الغرب هو الفرصة الوحيدة لإنشاء صناعات محليّة. وقد كان للبنان صناعات لكن فتح الاستيراد غير المشروط وغير المقيّد قضى عليها. أنا من جيل كان يفضّل المشروبات الغازيّة من شركة «جلّول» اللبنانيّة، وما زلت أذكر بالكثير من الحنين نكهة «التمر الهندي» لمشروب «جلّول». لن تجد «بيبسي» أو «كولا» بهذه النهكة. لكن مشروبات «جلّول» اختفت من الأسواق كما احتضرت العديد من الشركات المحليّة. وكان وكيل «بيبسي» في لبنان هو النائب توفيق عسّاف (مموّل لحملات كمال جنبلاط الانتخابيّة ـــ كان جنبلاط متصالحاً مع رأس المال المحلي والعربي، مثل خليفته). ولبنان يستورد كلّ أنواع الشوكولا في العالم فيما له شركة عريقة في صناعة الشوكولا وهي لا تحظى بالعناية التي توفرها دول الغرب لصناعاتها (طبعاً، دعم الصناعات الوطنيّة يجب أن يترافق مع تأميم هذا الصناعات لتوفير شروط عمل لائقة للعمّال وللبيئة، ولتوزيع الأرباح بصورة عادلة ـــ ومعمل «غندور» له تاريخ من الاستغلال العمّالي. في أميركا، هناك ظاهرة «مخازن كوستكو»، وهي مخازن كبرى تبيع كلّ حاجيات المنازل لكن بأحجام عملاقة: لا تستطيع أن تشتري هناك علبة «كلينكس»، لكن تستطيع أن تشتري حزمة بـ ٢٠ صندوقاً وبأسعار مخفّضة لأن حجم المبيع مرتفع إلى درجة أنّ المالك يستطيع أن يخفّض نسبة الأرباح التي تُعوّض في حجم المبيع (طبعاً، تستفيد الطبقة الوسطى لا العاملة من هذه المخازن لأنّ العائلة تدفع مبلغاً أكبر لشراء كميّة كبيرة من حاجيات المنزل). و«كوستكو» تجري إحصاء بالمنتوجات الأكثر مبيعاً، من شركات مختلفة، وتقوم هي بتقليدها وتصنيعها مما يزيد من أرباحها. ولبنان يستطيع أن يضع قائمة بالمستوردات الأكثر مبيعاً، لتوفير بدائل صناعيّة محليّة لإنتاجها وبأسعار أرخص بكثير من منتوجات الاستيراد. لكن لبنان يحارب التصنيع المحلّي لأن وكلاء شركات الغرب (الحصريّين) يخسرون لو أنّ التصنيع عمَّ ولو أن الدولة قامت باتّخاذ إجراءات حمائية تقوم بها أميركا، وهي الواعظة الأولى في العالم عن فضائل التجارة الحرّة. وقد أقفل آل الحريري مصنعاً في عكّار لشركة «المستقبل» (لمالكها فؤاد مخزومي) لأنهم خافوا أن تزيد شعبيّتها جراء توظيف عدد كبير من العمّال.
والتصدّي للتغيير الثوري في الاقتصاد يجب أن يفرض ضرائب باهظة على الميراث (بقيمة ٩٠٪ أو أكثر) لإزالة طبقة كبار الأثرياء. كما أنّه يمكن ضرب المباهاة بالثروة ــ التي تسم سلوك الأثرياء من الساسة ومن أصحاب محطات الإعلام ـــ عبر فرض ضرائب باهظة للسيجار المستورد والطائرات الخاصّة واليخوت والأبنية الفخمة. نستطيع أن نقلّد نمط الاقتصاد الاسكندنافي بعد الحرب العالميّة الثانيّة، الذي قلّلَ من طبقة كبار الأثرياء، لكنه عمّم البحبوحة وقلّل من الفوارق الطبقيّة (كما أعطى دوراً أكبر للعمّال في صيغة التكافليّة).
خامساً، السياسة الخارجيّة. لا يمكن تحقيق ثورة في لبنان عبر عزل السياسة الداخليّة عن الخارجيّة. لم تكن الطبقة الفاسدة في لبنان من دون رعاية وحماية أجنبيّة: من النظام السوري حيناً والسعودي حيناً آخر. لكن الغرب هو الراعي الأوّل للطبقات الحاكمة في الدول الاستعماريّة. لا يمكن للبناني أن يستمرّ في استضافة سفارات تقوم بمؤامرات في وضح النهار (مرَّ عرضاً هذا الأسبوع تقرير في جريدة «الشرق الأوسط» عن نصائح من سفير أوروبي باستعمال العنف من قبل السلطة). يمكن فرض اتفاقيّة فيينا على السفارات حتى ينحصر عمل واتّصالات السفارة بقناة وحيدة في وزارة الخارجيّة مع محاضر دقيقة ومسجّلة. سفراء دول الغرب يجولون على كل الوزراء والمسؤولين في مختلف أجهزة الدولة ومن دون حسيب ولا رقيب، ومن دون حضور مندوب عن وزارة الخارجيّة. هذا غير مألوف. لو أراد سفير دولة غربيّة أن يقابل وزير الاتّصالات، يكون ترتيب ذلك عبر وزارة الخارجيّة وليس مباشرة: كنا نرى في ويكليكس كيف أنّ وزير الاتصالات، مروان حمادة (عنوان من عناوين فساد السلطة على مرّ عقود) يقدّم «بريفنغ» (تقرير شفهي) للسفير الأميركي عن معلومات سريّة لوزارته. هل لتصل إلى إسرائيل مباشرة؟ ويجب وضع مراقبة صارمة على حركة أموال السفارات الغربيّة وحركة اتّصالاتها. هل هاتف السفارة اللبنانيّة في واشنطن غير خاضع للمراقبة مثلاً؟
هذه ليست إلّا مقترحات تخدم لبلورة مشروع تغيير ثوري، لو أراد اللبنانيّون واللبنانيّات ذلك. لكن محطات الأثرياء الثلاث في لبنان تُفرط في استعمال مصطلحات الثورة لأنها لا تريدها. وعندما يصرّ إعلام النظام القطري والسعودي على إطلاق ثورة في لبنان على الحركة الاحتجاجيّة، فإنّ مراد هؤلاء هو قطع الطريق على الثورة وتضليل الشعب بهدف الحدّ من جموحه الثوري الذي ــ لو نما وكبرَ ـــ سيطيح بالنظام اللبناني وبشبكة أنظمة الطغاة التي تظلّله. لقد قُرعت طناجر في لبنان هذا الأسبوع. هذه وصفة من جين شارب، وقد سرّت كثيرين وكثيرات. لكن جين شارب لم يكن يريد ثورات، والطناجر لا تدكّ جدران الـ «باستيل»، ولو قرعت الشعوب الطناجر والصحون والملاعق. لمن تُقرع الطناجر؟

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])