ليس من السهولة إخضاع العبارات العابرة للميديا في المنتجات الثقافية والإعلامية العربية، الى إعادة تفكير أو تمحيص بحثاً عن معنى محدد لها، أو بالأحرى معنى موجود وفاعل لها يمكن اعتماده في بناء المنتجات الثقافية أو التفكيرية. فالكثير من هذه العبارات يبدو خاوياً من معناه العملي والفعلي، أو على الأقل من معناه الذي حدّدت العبارة لغوياً للإشارة اليه في قفزة ترجماتية لغوية مواربة تزخر بالكثير من أدلة الاكتمال المعرفي والسبق العلمي، تشبه تماماً القفزة من السفر على ظهور الحيوانات الى السفر بالطائرات، مع توحيد النظرة اليهما بواسطة اللغة بوصفهما (الحيوانات والطائرة)


وسائل نقل أو مواصلات، من دون لحظ للمعنى الحياتي الذي أدى ونتج أيضاً عن اختلاف الوسيلتين. من هنا يمكننا الملاحظة وعلى التوازي أيضاً، كلمات وعبارات ذات معان تقنية محددة لم يتم استيعابها معرفياً بمعنى ممارستها وتفعيلها بما تحمل من مضامين مختلفة عن مضامين الألفاظ اللغوية المتداولة بالبداهة أو بالتكرار الشفاهي حتى ولو كان مكتوباً، ما يشكل وجود حكائي متخيّل لألفاظ مثل الوطن والمجتمع والدولة، لم يؤخذ بها فعلياً. هذه الكلمات أو العبارت تدل على مفهوم معين ومحدد يترافق مع وجود مقابلاتها على ارض الواقع، من هنا تغدو عبارة مثل «التحولات السوسيولوجية المذهلة» أو «المناعة الداخلية للمجتمع» (وغيرها) عبارات ذات قيمة انشائية لا مرتسم لها في الواقع، آخذة مساراً فوق تاريخي، لتعتمد مطبوعة أو مقروءة أو مسموعة، في إطار التفاؤل الثوري أو الإصلاحي، وربما الأكاديمي أيضاً.
عن أي سوسيولوجية يمكننا التحدث؟ ناهيك عن متغيراتها، ولم يتأسس السوسايتي بعد؟ السوسايتي، السوسايتي الذي تمت ترجمته الى «مجتمع» ذي المصالح والغايات الموحدة، والتي تلم شمله وبالإرادة البشرية ثقافة حقوقية موحدة معلنة ومتفق عليها. وهنا تبدو المتغيرات (في العبارة أعلاه) عبارة عن فوضى توازي الوجود الافتراضي «للمجتمع»، بحيث لا يمكن رصد ايجابيتها من سلبيتها نظراً لغموض المصالح أولاً. فالمؤثرات موجودة على أية جمهرة بشرية موجودة في اقليم ما، بغض النظر إذا كانت مجتمعاً أم لا، ولكن مآلاتها لا تبدو قابلة للضبط باتجاه تحقيق المصالح بواسطة دولة، وانما تبدو كخطر على السلطات الثقافية والسياسية فتقوم «بترشيدها» أو قمعها بواسطة المنجزات المعاصرة، في ديالوغ سريالي بين الجمل والطائرة كوسيلتي مواصلات تعترف اللغة بتساويهما من حيث التوصيف لا الجوهر.

الفضاء المفتوح
والمنتجات الثقافية توجد بالقوة القاسرة للمال والتخويف «الرقابي»
لا يمكننا لحظ أو التفكير في لحظ متغيرات سوسيولوجية أو مناعات داخلية (على سبيل المثال) من دون ثقافة حقوقية معلنة وممارسة، تضيء المصالح التي تجمع الناس حول غاية تحقيق هذه المصالح. لذلك كان من غير الممكن رصد تأثيرات الفضائيات العربية من إخبارية ودرامية ومنوعات، ولا رصد تأثيرات الإنترنت والاتصالات الحديثة، ومواقع التواصل «الاجتماعي» أيضاً، ما أدى وبالبداهة إلى عدم تقدير المتغيرات الاجتماعية حتى ولو تمت تسميتها سوسيولوجية. فالسوسايتي نفسها غير موجودة إلا بمقاربة لغوية أطلقت عليها بالاشتقاق اللغوي صفة «مجتمع». وعليه ليس لأحد أن يرصد جازماً تأثيرات قناة كالجزيرة أو درامات كمسلسل باب الحارة، أو موقعاً كالفيسبوك. هذا إذا أغفلنا المنتجات الثقافية الأخرى من صحافة ومسرح وسينما وأدب ومهرجاناتها وجوائزها ومشاهيرها، حين تنتفي المصلحة بالرصد ناهيك عن المصلحة في معرفة الاستفادة من المتغيرات.
من هنا نبدو كمن يتعرض إلى خديعة معرفية يتم تسويقها بالقسر، وبشكل متدحرج لا يمكن وقفه. فالفضاء المفتوح، والمنشورات والمنتجات الثقافية كلها (تقريباً كي لا نقع في التعميم) توجد بالقوة القاسرة للمال والتخويف «الرقابي»، من خلال مرتكزات مفهومية مترجمة ومكرسة كالهوية والخصوصية والتقاليد والخ من هذه «الخلطبيطة» المعرفية، والتي تحتاج كلها الى إعادة نظر وترتيب يعيدها الى معانيها الأصلية، كمنتجات مستوردة من مفاهيم عصر الأنوار الذي أنتج مفاهيم الوطن والمجتمع والدولة، والذي نعتمد مسميات منتجاته المعرفية من دون ممارسة مضامينها ومعانيها العملية بطريقة تكاملية يفترضها العقل.
اليوم نرفل نحن سكان هذا الشرق الحزين بكل منتجات «التحولات السوسيولوجية المذهلة» التي كتبت ونشرت وعبرت الميديا بكل تفاؤلها، من دون أن نمتلك أية فرصة واقعية لرصدها وتشخيصها وتقييمها. فليس ثمة مصلحة واضحة ومعلنة ومنطقية واحدة تجمع أية جمهرة بشرية عربية قطرية كانت أم قومية، إذ ظهرت واهية المقاربات الترجماتية للكلمات والعبارات بشكل عملي وممارس ويكلف دماء وحيوات بشرية هي الأقدس في الثقافة «السوسيولوجية»! عند هذا يبدو الفوات المعرفي كفوات مصيري فاقع يطرق باب الفناء من دون إمكانية مرصودة لتحقيق ما هو أصلي ومجرب من المفاهيم المؤسسة للمجتمع أو السوسايتي (حسب الذين لم يستطيعوا ابتلاع الترجمة الشفوية) ولا أدري إذا ما كان التفاؤل الاستراتيجي ينفع في هذا المقام الكارثي المسمى تحولات سوسيولوجية... مذهلة.
* سيناريست سوري