ماذا يمكن أن يكتب المرء حول الحرب الأهلية السورية بعد ان تحوّلت الى مأساة كاملة الأوصاف دمّرت سوريا بالكامل وشرّدت شعبها واذلّته؟ المحزن حقاً أن هذه الحرب التي كان يمكن تفاديها وتفادي خراب سوريا جرّاءها لو كانت مصلحة سوريا هي ما يهمّ أيّ طرفٍ من أطرافها، كانت الخيار الأول لفريقيها على حد سواء. فمن جهة النظام جرى التصفيق للثورات العربية عندما اندلعت في تونس ومصر إلى جانب التبجّح أمام الصحافة الغربية إن مثل هذه الثورات لا يمكن أن يحدث في سوريا لأن موقف الحكم فيها من الصراع العربي الاسرائيلي يمثّل موقف شعبها من هذا الصراع.


ثم جرى بعد ذلك مباشرةً التعامل مع التظاهرات السلميّة التي اندلعت بعد ان انكسر حاجز الخوف في سوريا إثر الثورات العربية الآنفة الذكر، ومنذ اليوم الأول لهذه التظاهرات، بالمقدار «المعتاد» من الوحشية للأنظمة المتعاقبة على مدى العقود الستة الماضية في سوريا وكأن شيئاً لم يكن وكأن الذين اتخذوا القرار باللجوء الى هذا المستوى من الوحشية لم يسمعوا بتلك الثورات ولا بالذين ثاروا. وعندما لم يتمكن النظام من وأد هذه التظاهرات في مهدها رأى ان الحل الأمثل بالنسبة اليه هو باللجوء الى الدبابات والى المزيد من الوحشية والإعلان أنّ ما يحدث في سوريا هو «مؤامرة» منذ اليوم الأول لتظاهرات درعا.


موسكو اليوم المدركةُ لمحدودية خياراتها ستلجأ غالباً إلى اجتراح خيار جديد


واستمات النظام في سبيل عسكرة الثورة بجميع الوسائل المتاحة بما فيها إخلاء السجون من الجماعات الإسلاميّة بمختلف تلاوينها. فقد اعتبر النظام ان أسهل الطرق لمواجهة الثورة، التي كانت سلمية آنذاك، هو استدراج ما اعتبره «الفريق الآخر» الذي ثار بوجهه الى مواجهته عسكرياً، حيث يمكنه ان يقضي عليه لأنه الطرف الأقوى. لكن الحسابات البدائية هذه، والتي لم تأبه لخطر تقسيم سوريا على أساسٍ طائفي، لم تأخذ بالحسبان أيّ من احتمالات التدخل الغربي والإسرائلي وكأن سوريا من كوكبٍ آخر وليست جزءاً من منطقتنا العربية.
وقد بُنيت كلّ هذه الحسابات على ما يبدو على حقائق المنطقة التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل الربيع العربي، فلم تأخذ الموقف التركي بأيّ جدّية رغم الهجوم الدبلوماسي الكاسح والضغوط الهائلة التي مارسها الأتراك في بداية الأزمة، ولا أعطت أيّ وزن للموقف الخليجي رغم التدخلات الخليجيّة الواضحة في جميع البلدان التي اندلعت فيها الثورات قبل أن تندلع في سوريا، ورغم أيضاً الحساب المفتوح بين سوريا والسعودية حول اغتيال الحريري.
امّا من ناحية المعارضة فلم تتأخر مختلف أطياف الإسلام السياسي من الاخوان المسلمين الى أقصى السلفيين في ركوب موجة التظاهرات والركض سريعاً باتجاه التسلح والحرب الأهلية الشاملة. وابتدأ «تفقيس المكنات» السريع للجيوش والألوية والكتائب والعصائب والجبهات حتى أصبحت أسماء وأنواع وأحجام الميليشيات المعارضة عصيّة تماماً على المتابعة أو الفهم. ولم يأبه أيّ من طرفي الحرب الأهليّة المقيتة لا للخراب الهائل الذي حلّ بسوريا جرّاءها ولا لمئات آلاف القتلى والجرحى ولا لملايين المشرّدين من الشعب السوري. وسرعان ما ظهرت الى العلن الدوافع الطائفية عند طرفي الحرب الأهلية التي تحولت من «ثورة من اجل الحرية والديمقراطية» الى حرب «ضد النصيرية» من جهة، والى «دفاع عن الأقليات» من جهة أخرى.
ودغدغت الأحلام مخيّلات مختلف أطياف المعارضة المسلّحة في التدخّل العسكري الغربي – والأميركي تحديداً – في سوريا على غرار تدخّل الناتو في ليبيا، آملين أن يعوّض العامل الإسرائيلي هنا غياب العامل النفطي الذي أثبت جاذبيّته هناك. لكن بشار الأسد أثبت شطارته، وأثبت أن الولد سرّ أبيه فعلاً، وكان أسرع من البرق في سحب العامل الإسرائيلي من المعادلة بواسطة تسليمه لترسانته الكيماوية بكاملها، بعد أن أتحفنا طبعاً بكلّ الأسباب الموجبة وأعلمنا بأنّ هذه الترسانة كانت حملاً ثقيلاً لم تكن سوريا تعرف كيف تتخلّص منه، وبأنّ ما فهمناه في السابق حول استعمال هذه الترسانة في التوازن النسبي مقابل السلاح النووي الإسرائيلي كان سوء فهم فقط.
والمؤسف فعلاً انه ليس هنالك في الأفق المنظور أي فرصة لإيقاف المأساة السورية المستمرّة. فهذه الحرب ارتبطت بالمواجهة الغربية الروسية التي بدأت في سوريا وانتقلت الآن إلى أوكرانيا، وهي مواجهة ما زالت في بداياتها وهي مرشّحة لأن تطول ولا يمكن لأيّ طرف فيها السّماح للطرف الآخر بانتصارٍ واضحٍ وسريعٍ فيها من خلال حربٍ كالحرب السّورية. ولذلك فإن انتهاء هذه الحرب مرتبط بتسوية تنهي هذه المواجهة، ويعلم الله كم من الوقت يمكن ان يأخذ الغرب وروسيا للتوصل الى تسوية كهذه. وقد تحوّل طرفا النزاع الأهلي السوري الى بيادق صغيرة في هذه المواجهة الدولية التي تحاول روسيا بواسطتها إعلان عودتها الى ساحة التنافس الدولي. ولا يلغي هذه الحقيقة تبجّح الأسد حول «مساهمة سوريا» في هذه العودة وكأنه قد كُتب علينا أن يُعلن سقوط الاتحاد السوفياتي من خلال تدمير العراق وأن تُعلن عودة روسيا من خلال تدمير سوريا.
والمصيبة الكبرى المتأتية من الحرب الأهلية السورية هي ليست بما سبق فقط بل بتحوّلها الى ساحة الحرب الرئيسية في المواجهة السنية ـ الشيعية الدائرة في طول المنطقة وعرضها. وقد ساهم في هذا التحوّل التدخّل الخليجي الفاقع في مذهبيّته، وساهم فيه أيضاً تدخّل تركيا في هذه الحرب والتي لم تستطع للأسف حكومة العدالة والتنمية فيها النظر إلى العالم العربي منذ بدء ثورات الربيع فيه إلاّ من خلال خرم إبرة الإخوان المسلمين. ومن ناحية أخرى ساهم تورّط حزب الله أيضاً مساهمة كبيرة في هذا التحوّل للحرب السورية للأسف الشديد.
ولا تغيّر في الأمر شيئاً مسألة اضطرار الحزب للتدخّل في سوريا لمنع انتقالها إلى المعسكر المعادي له في المنطقة وبالتالي لحماية المقاومة من الموت اختناقاً جرّاء انتقال كهذا. فطبائع الأمور لا تغيّرها النيات الحسنة. وحقيقة الأمر هنا هي أنّ الحزب أغرق نفسه بتورطه في هذه الحرب وبدفاعه عسكرياً عن النظام السوري بصيغته الاستبداديّة الحالية في وحول المواجهة المذهبية المقيتة الدائرة في المنطقة والتي عملت أميركا وإسرائيل طويلاً على تغذيتها. وقد اضطرّ الحزب لتبرير تدخّله في الحرب السوريّة أمام جمهوره الضيّق – وهو لم يهتم كثيراً لتبرير هذا التدخل إلاّ أمام هذا الجمهور الضيق – في بداية الأمر إلى استعمال حججٍ مذهبيّة خالصة مثل حماية مناطق وجود الأقليّة الشيعيّة والمقامات الدينيّة التابعة لها في سوريا، من دون أي اكتراث لمدى تأثير تلك اللغة على تحوّل صورته أمام الرأي العام العربي من قوّة مقاومة وردع وتوازن نسبي بوجه إسرائيل إلى قوة شيعية تدافع عن الشيعة ومقاماتهم في سوريا.
وقد أصبح مملاً تكرار التنبيه الى مدى فداحة تأثير الخطاب الخاطىء للحزب على صورته كمقاومة رادعة وقوة توازن نسبي بوجه إسرائيل أمام الرأي العام العربي. فقد هشّم الحزب هذه الصورة بيديه بعد أن عجزت أميركا وإسرائيل عن تهشيمها رغم استماتتهما في سبيل ذلك منذ أن بدأ الحزب بمقاومته. وحتى أمام جمهوره الضيق، فقد اضطر الحزب في تبريره انخراطه في الحرب السورية إلى استعمال مصطلحات مثل «الحرب الاستباقية على الإرهاب» في تذكير مزعج لما تستعمله اميركا واسرائيل في تبريراتهما لعدوانهما المستمر على المنطقة العربية.
والمقلق أكثر في الموضوع هو ما يتراءى من بداية تأثير اشتراك حزب الله في الحرب السورية على ميزان الردع الحقيقي بين الحزب واسرائيل. وقد عبّر عن هذا التأثير شكل الرد الموضعي جداً الذي قام به الحزب على الغارة الاسرائيلية الاخيرة على موقع الحزب في جنتا. ونرجو الا تكون قد ولّت الايام التي كان السيد حسن نصر الله يتوعد فيها اسرائيل بالردود الرادعة على أي ضربة اسرائيلية على المقاومة في لبنان. وإذا كان ما نخشاه صحيحاً في هذا المجال – وأرجو ألاّ يكون صحيحاً على الإطلاق – فإن إسرائيل لن تترك الحزب وشأنه من الآن وصاعداً، بل ستحاول أن تبدأ بالتعامل معه، كما دأبت على التعامل مع النظام السوري منذ ان بدأت بتوجيه الضربات الاستراتيجية له مع تدمير مفاعل دير الزور، حتى تنتهي إلى تحجيم الحزب وتحويله بالفعل – وليس تحويل صورته في أذهان الرأي العام فقط – من قوة ردع وتوازن نسبي بوجها الى قوة مذهبية تنحصر فعاليتها في إبقاء نوع من التوازن المذهبي في المنطقة ليس إلاّ.
مؤدّى هذا الكلام هو أن الأخطار التي يمكن أن تنتج من تورّط حزب الله في الحرب الاهلية السورية على وضع الحزب بوجه إسرائيل، وبالتالي على الصراع العربي ـ الاسرائيلي برمته، هي أكبر بكثير مما يتيح للحزب الاستمرار في الوضع الحالي على المدى الطويل. ان خروج حزب الله من ورطته في سوريا، وعدم تحوّله من قوة مقاومة وتوازن نسبي بوجه اسرائيل الى قوة ردع مذهبية في المنطقة، يتطلّب من الحزب اكثر بكثير من تحقيق الانتصارات العسكرية في الحرب السورية، خصوصاً ان الانتصار النهائي السريع في الحرب ومن ثم غسل اليدين والعودة الى لبنان لن يكون ممكناً. «فالطرف الآخر» في سوريا ليس عدواً مطلقاً كما هي الحال مع اسرائيل، بل هو في النهاية جزء من الشعب السوري. وحتى أولئك الذين اصبحوا وقوداً لدى من يتدخلون في الحرب السورية فالحل النهائي معهم يكون باستعادتهم عبر حل سياسي ديمقراطي حقيقي في سوريا.
ان الواجب القومي والأخلاقي يحتم على حزب الله، بعد أن حوّل فعلياً مجرى الحرب الاهلية هناك وضمن عدم اسقاط النظام بالقوة وبالتالي عدم قفز سوريا الى المعسكر المعادي له، ان يعمل بالتعاون مع جميع القوى الديمقراطية في سوريا على فرض حلّ سياسي ديمقراطي على طرفي النزاع. فمن حق الشعب السوري الذي وقف الى جانب المقاومة في جميع المحطات الكبرى في المواجهة مع اسرائيل، من حق هذا الشعب على حزب الله ان يقرن المواقف المعلنة للسيد حسن نصر الله حول الحل السياسي في سوريا بالفعل وأن لا يساهم في محاولة إعادة الاستبداد الى سوريا. فالنظام السوري بصيغته الاستبدادية الحالية يتصرّف وكأنه قد ضمن النصر العسكري النهائي في الحرب. وقد نظّم أخيراً انتخاباته بعد أن عاد الى سيرته القديمة في صناعة تظاهرات «تجديد التبعية» لبشار الاسد في المدن التي يسيطر عليها وكأن شيئاً لم يحدث في سوريا. وما زال هذا النظام لا يتعامل مع قوى المعارضة المدنية مثل «هيئة التنسيق» التي اثبتت قولاً وفعلاً إنها تطالب بالديمقراطية لسوريا وتقف ضد الحرب الاهلية وجميع اشكال التدخل الغربي في سوريا، الاّ بواسطة القمع والسجون.
ومن واجب حزب الله بعد ان تحوّل الى ضامن لبقاء النظام السوري أن يحول من دون مغامرة هذا النظام بمحاولة العودة بسوريا الى استبداد ما قبل الحرب الاهلية، خصوصاً أن هذه العودة مستحيلة بجميع الأحوال، وأن محاولة كهذه لن تؤدّي إلاّ إلى التقسيم النهائي لسوريا على أساسٍ طائفي. ومن المؤكد ان هناك قوى من داخل النظام وخارجه لا تنتظر من حزب الله أقل من المساهمة في ارساء حلّ سياسي ديمقراطي في سوريا بعد أن ضمن الحزب عدم قفز سوريا إلى الضّفة المعادية في المنطقة. فقد صرح بذلك فاروق الشرع قبل أن ينكفئ الى منزله من جهة، وأجرى هيثم مناع أكثر من لقاء مع السيد حسن نصر الله من جهة ثانية.
إنّ المساهمة الحقيقية في اجتراح حل سياسي ديمقراطي لسوريا بالتعاون مع جميع قواها الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لخروج حزب الله من ورطته السورية والابقاء على صورته المشرقة كمقاومة انتصرت على اسرائيل وما زالت تقف كقوة توازن نسبي بوجهها. نتمنى ان يكون الحزب على وعي كاف بأن الانتصار العسكري في سوريا لا يكفي.
* كاتب لبناني