بعد سقوط بغداد في 9 نيسان 2003 بأيدي الاحتلال الأميركي بثلاثة أشهر، عمد الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر الى إنشاء «مجلس الحكم». كان من الواضح من تركيبته، والقوى الممثلة فيه، أن الثنائية الشيعية ـــ الكردية هي الأقوى، وأن السنّة العرب الذين حكموا بغداد، منذ أبو جعفر المنصور حتى سقوط صدام حسين، أصبحوا في وضع التهميش والإقصاء.


كانت هذه الثنائية حصيلة اتفاق أميركي ـــ إيراني كان هو المظلة للغزو والاحتلال الأميركيين للعراق. وقد برزت ملامح هذه الثنائية في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الشهر الأخير من عام 2002، الذي رعاه المبعوث الأميركي زالمان خليل زاده، وهي الآتية _ أي هذه الثنائية _ بعد أربعة أشهر من زيارة وفد المعارضة العراقية لواشنطن، والذي ضم قوى موالية لطهران كان من أبرزها «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم.
تخلخل التحالف الأميركي ـــ الإيراني في آب 2005 مع استئناف طهران برنامج تخصيب اليورانيوم، بعدما شعرت بأن مكاسبها في العراق تتيح لها حرية حركة في التمدد الإقليمي وفي الموضوع النووي، الذي تم تجميد التخصيب فيه وفق بروتوكول موقع في 21 تشرين الأول 2003 مع ثالوث أوروبي، ضم وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإنكلترا. في نيسان 2006، استشعر السيد عبد العزيز الحكيم خطر التصادم الأميركي ـــ الإيراني على «العراق الجديد»، لذلك دعا إلى تفاهمات جديدة بين واشنطن وطهران. في شهر أيار 2006 عندما تولى نوري المالكي منصب رئيس الوزراء العراقي، كانت هذه الثنائية الأميركية ـــ الإيرانية مستمرة من خلال تركيبة حكومته، ولكن كان واضحاً أنها تميل أكثر لصالح طهران، لا الى واشنطن بالقياس إلى حكومة إياد علاوي عام 2004، التي سلمها بريمر «السلطة» بعد عام من عمر «مجلس الحكم». كان هذا الميل طبيعياً ما دامت القوى الفعلية على الأرض في الوسط والجنوب، ووفق نتائج انتخابات 15 كانون الأول 2005 البرلمانية، أي «حزب الدعوة» و«المجلس الأعلى» و«الصدريون»، موالية لإيران أو رأت مصلحتها، مثل مقتدى الصدر، في موالاة طهران، فيما الأكراد ظلوا في موالاة واشنطن، ولو أنّ الطالباني أصبح يميل أكثر نحو طهران في مرحلة ما بعد عام 2006 بالقياس إلى البرزاني. كان إدراك واشنطن للصورة الجديدة في العراق، بمرحلة الانشقاق الإيراني ـــ الأميركي، هو الدافع وراء ترحيبها بظاهرة «الصحوات» التي أفرزها الوسط السني العربي كميليشيات مسلحة أنتجتها قوى العشائر أو قوى منشقة عن فصائل المقاومة العراقية، وبظاهرة «القائمة العراقية» التي فازت بالعدد الأكبر من المقاعد في برلمان آذار2010، والتي حظيت بمظلة سعودية _ تركية _ سورية قبل أن تنفضّ دمشق عن هذا التحالف عبر دعم الولاية الثانية للمالكي من دون علاوي في 25 تشرين الثاني 2010، عندما عبّرت هاتان الظاهرتان، العسكرية والسياسية، عن إرادة مجتمعية كبيرة لدى الوسط السني العربي في المشاركة في تثليث العملية السياسية العراقية نحو تجاوز الثنائية الشيعية ـــ الكردية. أغلق المالكي بولايته الثانية الأبواب أمام مشاركة فاعلة من السنّة العرب في الحكم في بغداد، وبدأ، معتمداً على الدعم الإيراني، حتى في ضرب الثنائية الشيعية ـــ الكردية نحو انفراد في السلطة، وقام في فترة 2013 ــ 2014 بتهميش القوى الشيعية الأخرى عند آل الحكيم والصدريين.


في الأنبار كان الفتيل
فيما كان الانفجار في الموصل يوم الثلاثاء 10حزيران 2014
وعبر تشجيع مما جرى في «الربيع العربي»، وبحكم التداعيات العراقية لما يجري في سوريا على غرب العراق، بدأت في كانون الأول 2012 حركة من الاعتصامات السلمية في مدن عديدة بالوسط السني العربي ضد الإقصاء والتهميش. لم يحمل السلاح وكانت المطالب معتدلة وأغلبها مطلبي. رد المالكي بعد أربعة أشهر باقتحام عنيف أدى إلى قتلى في مخيم اعتصام بلدة الحويجة قرب كركوك. طوال ثمانية أشهر بعد الحويجة، جرت محاولات للوصول الى تسوية سياسية مع المالكي من قبل ممثلي المعتصمين، وليتم الاصطدام بتعنت رئيس الوزراء العراقي. في الشهر الأول من عام 2014، لجأ المعتصمون في الرمادي والفلوجة إلى السلاح، مع دعم قوي من الوسط الاجتماعي، ووضح بأن من حمل السلاح هم أولاً قوى العشائر والبعثيون وتنظيمات المقاومة العراقية القديمة ضد الأميركيين («الجيش الإسلامي»، «كتائب ثورة العشرين»، «جيش المجاهدين») و«داعش»، بعدما قويت هذه التنظيمات من جديد في فترة 2013 ــ 2014 وهي التي عانت جميعاً من انفضاض الوسط السني العربي عنها في فترة 2007 ــ 2012. كان اللافت للنظر خلال خمسة أشهر من المجابهات العسكرية عدم قدرة الجيش العراقي الجديد، الذي بناه الأميركيون وكان جسمه الرئيسي من الجنوب أي مناطقياً ـــ فئوياً كما كان جيش صدام حسين من الأنبار ومن الموصل، على تحقيق أي إنجاز ضد المسلحين في الرمادي والفلوجة. كان المالكي في محافظة الأنبار، هناك، وحيداً من دون الصدر والحكيم، مع نأي كردي عن رئيس الوزراء العراقي.
في الأنبار كان الفتيل، فيما كان الانفجار في الموصل يوم الثلاثاء 10حزيران 2014: لم يكن انفجاراً عسكرياً موضعياً بل انفجاراً لبنية عسكرية _ أمنية _ سياسية _ اجتماعية أدت إلى انهيار عراق بول بريمر. تحدث الرئيس الأميركي يوم 13 حزيران عن «أن الحرب الأهلية السورية تنطلق من فوق الحدود العراقيةthe Syrian civil war is spilling over the Iraq border»، ربما في محاولة لتفادي مسؤولية واشنطن عن بناء بنته في بغداد ثم انفجر في الموصل بعد أحد عشر عاماً، ولو أن تداعيات عراقية لما جرى في سوريا هي التي حفزت العرب السنة على الانتفاض السلمي ثم العنيف على رئيس الوزراء العراقي. يلفت النظر التفات المالكي وطهران نحو واشنطن في مرحلة «ما بعد الموصل»، وتمنع أوباما وتدلله في وقت تجرى فيه محادثات تحويل الاتفاق المؤقت حول «النووي الإيراني» إلى دائم، وفي مرحلة أصبحت فيها طهران تريد ربط «المواضيع الإقليمية» بـ«النووي»، بعدما كانت رافضة لذلك في اتفاق 24 تشرين الثاني2013، الذي أعلن في اليوم التالي له تحديد موعد «جنيف 2» السوري. على الأرجح، أن الانفجار الموصلي ليس لصالح إيران أمام واشنطن، التي يمكن أن تستفيد منه في تعزيز أوراقها أمام الإيرانيين. وربما كانت هناك أطراف إقليمية _ عراقية محلية وراء احداث هذا الانفجار داخل عراق انبنى بجهد مشترك أميركي _ ايراني في لحظة المفاوضات الأميركية ـــ الإيرانية التي تريد منها طهران مقايضة «النووي» باعتراف أميركي بإيران كـ«دولة اقليمية عظمى»، على حد تعبير الجنرال رحيم صفوي القائد السابق لـ«الحرس الثوري» والمستشار العسكري الحالي للسيد خامنئي، بعدما فشلت اسرائيل في أن تكون كذلك بالنسبة لواشنطن أو اكتشفت الأخيرة عدم صلاحيتها لذلك، وبعدما فشل أردوغان في أن يكون كذلك لصالح الأميركيين في فترة 2007 ــ 2013. يلفت النظر الأهمية المركزية التي للعراق في رؤية واشنطن لعموم المنطقة، والتي تفوق أهمية سوريا ومصر على ما يظهر من رد الفعل الأميركي على ما جرى في 10 حزيران 2014، ولو أنّ ملاحظة أوباما تدل على خطورة استمرار الأزمة السورية على عموم المنطقة، والتي بدأت تداعياتها في العراق بعدما كانت متوقعة بلبنان. عراقياً، كان لافتاً تكاتف الطائفة الشيعية، من السيستاني إلى عمار الحكيم ومقتدى الصدر، ضد الموصل في 10 حزيران 2014، واستغلال الأكراد لانهيار سلطة المالكي، كما استغلوا انهيار صدام حسين، ويستغلون الآن الأزمة السورية في سبيل تحقيق طموحاتهم الفئوية الخاصة المعلنة وغير المعلنة.
* كاتب سوري