عن الانحطاط الأخير في أولمبياد باريس
حفظ المقالة

ملاذ اليوسف
الخميس 1 آب 2024
الخط
«كانت صورة الجنس الجماعي ترافق شانتال منذ زمن طويل، في أحلامها المبهمة، في خيالها وحتى في محادثاتها مع جان مارك الذي قال لها ذات يوم (يوم بعيد جداً): أودّ أن أكون معك حقاً فيها ولكن بشرط: أن يتحوّل كل المشتركين في لحظة الاستمتاع إلى حيوانات» - ميلان كونديرا، رواية الهوية
«ما أجمل مراسم الدفن أمام الموت» - تينسي ويليامز، عربة اسمها الرغبة
في مسرحية «عربة اسمها الرغبة»، للكاتب الأميركي تينسي ويليامز، تؤول الأمور ببطلة المسرحية «دوبوا بلانش» لتنتهي بها في مشفى الأمراض العقلية، حيث إن كثيراً من العوامل والمواقف النفسية المتراكمة أدّت إلى هذا الجنون. دوبوا بلانش، والاسم فرنسي الأصل ويعني في ما يعنيه الطبيعة الأم النقية (العذراء)، كانت حياة دوبوا تناقض معنى اسمها تماماً، فالمسرحية، كما تعرض لنا حياتها، تبدأ من بعد نزولها من عربة الرغبة (الرغبة الحسية لا العقلية)، أي من بعد حياة بهيمية خالصة كانت تقودها الرغبات الجنسية المفعمة بالإثارة والتي تهدف إلى تحقيق أكبر كمٍّ من الإشباع الحسي. ومن بعد معرفتها بمثلية زوجها الشاعر «آلان» وأنه كان يخونها مع صديقه، لا بل غير قادر على إنجاب طفل (مشروع جديد)، حيث انتحر من بعد معرفته باكتشافها لحقيقته، وهذا كله على عكس ما يحصل مع أختها ستيلا الحبلى بمولود أميركي جديد من زوجها «ستانلي» (الحديدي)، حيث كان مصير مدام بلانش في ظل تراكم هذه الظروف هو أن تفقد عقلها.
في المسرحية نُصرة لمؤسسة العائلة ممثلة بشخصية «ستانلي» المفعم بالحياة الأميركية والعائد مكلّلاً بالانتصار في الحرب العالمية الثانية والملتزم بالعادات والتقاليد العائلية، وفيها إعلان موت لتلك الحياة البهيمية التي كانت تعيشها دوبوا بلانش. دوبوا بلانش البورجوازية الفرنسية الأصل في زمن انحطاطها وجنونها وأفولها، حيث جاءت إلي بيت أختها بعد عبورها بطابور جثثٍ طويل، وهي ترعى مراسم الدفن، جثة تلو أخرى. فقد كلفتها مراسم الدفن الباهظة خسارة بيت العائلة أيضاً. لقد خسرت منزل العائلة وباعته (بيل ريف) لتدفن العائلة. لقد ماتت مؤسسة «العائلة» حقاً. فباتت بلا منزل يؤويها، إلا منزل أختها. ونلاحظ أن تلك البورجوازية الفرنسية الأصل، معلمة اللغة الإنكليزية اللبقة واللطيفة والتي لا يخلو أي فعل أو قول لها من الحس البورجوازي الكلاسيكي، نلاحظ أن كل ما فيها مزيفٌ تماماً، وكل ما عليها أيضاً. فلا الفراء الذي ترتديه ولا المجوهرات، ولا شيء أصيل في ما تقول أو تفعل، فطالما كذبت بشأن عمرها. إنها البورجوازية الفرنسية الأصل في زمن شيخوختها وأفولها، وفي أوج زيفها الخارجي وانهيارها الداخلي، مستعدة لبيع نفسها لمن يعيد لها أيام شبابها ولو بـ»كلمة» حبّ أو غزل، أيام شبابها الضائعة في تلبية الرغبات الحسية.
بعيداً عن تينسي ويليامز قريباً من ميلان كونديرا التشيكي – الفرنسي، يحدثنا كونديرا في رواية «الهوية» عن «شانتال»، تلك المرأة التي أرادت البحث عن هويتها ومعنى وجودها. القاسم المشترك بين «شانتال» و»دوبوا» هو أن كلتيهما فرنسيتان وقد وصلتا إلى مرحلة أفول شمس شبابهما ولم يبق لهما سوى الشيخوخة والموت. «لم يعد الرجال يلتفتون إليّ» تقول «شانتال». إلا أنّ «شانتال» على عكس «دوبوا» ينتهي بها الأمر في حفلة جنس جماعي في بيت قد أوصدت أبوابه للأبد. حيث لم يبق لها، من شدة الإغراق بما هو حسي، ومن شدة الانحطاط نحو ما هو بيولوجي، سوى الفقرة الأخيرة من الحفلة ألا وهي تحوّل العراة المشاركين إلى حيوانات.
وصلاً برواية كونديرا وكمحاولة شرح لجوهرها، يكتب الباحث نايف سلوم معلّقاً في كتابه «الأبعاد الستّة – قراءة رواية الهوية بالمقتطف» على أحد المقاطع: «لقد تحوّلت طاقة البورجوازية المنتجة من طاقة بناء فاتنة إلى طاقة مدمّرة فاسدة على أرضية انحطاط الطبقة العالمي. فمنذ ثورة 1848 في فرنسا لم يعد لدى البورجوازية أي مشروع للتحرر الإنساني، وبات التقدم التقني هداماً ومميتا... وهكذا تحوّل وجه البورجوازي من وجه فتّان ونشيط إلى وجه داعر وفاسد».
تذكرت هذين العملين الأدبيين خلال مشاهدتي لافتتاح أولمبياد باريس 2024، وأثناء تلك المحاكاة المنحطّة للوحة دافنشي «العشاء الأخير» والتي يتقدمها ما قيل إنه محاكاة للإله ديونيسيوس. تلك المحاكاة، وبما ترمز إليه، مفعمة بالانحطاط، الانحطاط نحو ما هو بيولوجي. شعرت بأن الشخصيات المحاكية للوحة دافنشي وبحضور ديونيسيوس لا ينقصها إلا الفقرة الأخيرة من هذه الحفلة ألا وهي التحوّل إلى حيوانات وعندها يكتمل العشاء الأخير للطبقة البورجوازية الفاسدة والمفسدة للكون ولابن هذا الكون (الإنسان). فلم تعد إحدى أولويات البورجوازية تحرير الإنسان؛ تحريره من شروط الذل والجوع التي يعيشها في بلدان الأطراف وضواحي مدن بلدان المراكز. ولم تعد قادرة على تحريره من شروط العمل القاسية ومن شروط البطالة بنوعيها، بل بات الأهم تصدير هذه الصرعة (المثلية الجنسية) باعتبارها قضية الإنسانية الأولى.
تخيّلوا أن يسوع ابن فلسطين التي تدور فيها حالياً أبشع مجازر التطهير العرقي يظهر بهذا الشكل في العاصمة التي انطلقت منها قضية حرية الإنسان! حقاً مثلما قالت «بلانش»: ما أجمل مراسم افتتاح الأولمبياد في باريس أمام إعلان موت البورجوازية العفنة.
قضية المثلية الجنسية ليست من أولويات قضايا الإنسان العالمي (الأممي) اليوم. وما حشرها في أنوفنا إلا محاولات لخلق انقسامات ثانوية طولية مضافة على الانقسامات الموجودة سلفاً. أي أن الانقسام الطولي يفتّت العرضي مثلما تقسم الطائفية الطبقات الاجتماعية نفسها على أساس الطائفة، وبالتالي يعمل هذا الانقسام على تفتيت الطبقة العاملة. وفي الوقت ذاته تأتي هذه الانقسامات الثانوية المفتعلة، كالمثلية الجنسية والجندرية، لتصبح انقساماً طولياً وطوائف جديدة مضافة.
أخيراً وللتوضيح: أنا لا أنكر حقوق المثليين جنسياً ولا أنكر أهمية حقوق المرأة وحقّها في المساواة مع الرجل، لكن هذا لا يعني أن أقدّمها على القضية الأهم والأولى والأسمى التي تتضمن كل تلك الحقوق: «تحرر الإنسان» - كما سمّاها ماركس في كرّاس «حول المسألة اليهودية».
* كاتب سوري مقيم في ووهان الصينية
«ما أجمل مراسم الدفن أمام الموت» - تينسي ويليامز، عربة اسمها الرغبة
في مسرحية «عربة اسمها الرغبة»، للكاتب الأميركي تينسي ويليامز، تؤول الأمور ببطلة المسرحية «دوبوا بلانش» لتنتهي بها في مشفى الأمراض العقلية، حيث إن كثيراً من العوامل والمواقف النفسية المتراكمة أدّت إلى هذا الجنون. دوبوا بلانش، والاسم فرنسي الأصل ويعني في ما يعنيه الطبيعة الأم النقية (العذراء)، كانت حياة دوبوا تناقض معنى اسمها تماماً، فالمسرحية، كما تعرض لنا حياتها، تبدأ من بعد نزولها من عربة الرغبة (الرغبة الحسية لا العقلية)، أي من بعد حياة بهيمية خالصة كانت تقودها الرغبات الجنسية المفعمة بالإثارة والتي تهدف إلى تحقيق أكبر كمٍّ من الإشباع الحسي. ومن بعد معرفتها بمثلية زوجها الشاعر «آلان» وأنه كان يخونها مع صديقه، لا بل غير قادر على إنجاب طفل (مشروع جديد)، حيث انتحر من بعد معرفته باكتشافها لحقيقته، وهذا كله على عكس ما يحصل مع أختها ستيلا الحبلى بمولود أميركي جديد من زوجها «ستانلي» (الحديدي)، حيث كان مصير مدام بلانش في ظل تراكم هذه الظروف هو أن تفقد عقلها.
في المسرحية نُصرة لمؤسسة العائلة ممثلة بشخصية «ستانلي» المفعم بالحياة الأميركية والعائد مكلّلاً بالانتصار في الحرب العالمية الثانية والملتزم بالعادات والتقاليد العائلية، وفيها إعلان موت لتلك الحياة البهيمية التي كانت تعيشها دوبوا بلانش. دوبوا بلانش البورجوازية الفرنسية الأصل في زمن انحطاطها وجنونها وأفولها، حيث جاءت إلي بيت أختها بعد عبورها بطابور جثثٍ طويل، وهي ترعى مراسم الدفن، جثة تلو أخرى. فقد كلفتها مراسم الدفن الباهظة خسارة بيت العائلة أيضاً. لقد خسرت منزل العائلة وباعته (بيل ريف) لتدفن العائلة. لقد ماتت مؤسسة «العائلة» حقاً. فباتت بلا منزل يؤويها، إلا منزل أختها. ونلاحظ أن تلك البورجوازية الفرنسية الأصل، معلمة اللغة الإنكليزية اللبقة واللطيفة والتي لا يخلو أي فعل أو قول لها من الحس البورجوازي الكلاسيكي، نلاحظ أن كل ما فيها مزيفٌ تماماً، وكل ما عليها أيضاً. فلا الفراء الذي ترتديه ولا المجوهرات، ولا شيء أصيل في ما تقول أو تفعل، فطالما كذبت بشأن عمرها. إنها البورجوازية الفرنسية الأصل في زمن شيخوختها وأفولها، وفي أوج زيفها الخارجي وانهيارها الداخلي، مستعدة لبيع نفسها لمن يعيد لها أيام شبابها ولو بـ»كلمة» حبّ أو غزل، أيام شبابها الضائعة في تلبية الرغبات الحسية.
بعيداً عن تينسي ويليامز قريباً من ميلان كونديرا التشيكي – الفرنسي، يحدثنا كونديرا في رواية «الهوية» عن «شانتال»، تلك المرأة التي أرادت البحث عن هويتها ومعنى وجودها. القاسم المشترك بين «شانتال» و»دوبوا» هو أن كلتيهما فرنسيتان وقد وصلتا إلى مرحلة أفول شمس شبابهما ولم يبق لهما سوى الشيخوخة والموت. «لم يعد الرجال يلتفتون إليّ» تقول «شانتال». إلا أنّ «شانتال» على عكس «دوبوا» ينتهي بها الأمر في حفلة جنس جماعي في بيت قد أوصدت أبوابه للأبد. حيث لم يبق لها، من شدة الإغراق بما هو حسي، ومن شدة الانحطاط نحو ما هو بيولوجي، سوى الفقرة الأخيرة من الحفلة ألا وهي تحوّل العراة المشاركين إلى حيوانات.
وصلاً برواية كونديرا وكمحاولة شرح لجوهرها، يكتب الباحث نايف سلوم معلّقاً في كتابه «الأبعاد الستّة – قراءة رواية الهوية بالمقتطف» على أحد المقاطع: «لقد تحوّلت طاقة البورجوازية المنتجة من طاقة بناء فاتنة إلى طاقة مدمّرة فاسدة على أرضية انحطاط الطبقة العالمي. فمنذ ثورة 1848 في فرنسا لم يعد لدى البورجوازية أي مشروع للتحرر الإنساني، وبات التقدم التقني هداماً ومميتا... وهكذا تحوّل وجه البورجوازي من وجه فتّان ونشيط إلى وجه داعر وفاسد».
تذكرت هذين العملين الأدبيين خلال مشاهدتي لافتتاح أولمبياد باريس 2024، وأثناء تلك المحاكاة المنحطّة للوحة دافنشي «العشاء الأخير» والتي يتقدمها ما قيل إنه محاكاة للإله ديونيسيوس. تلك المحاكاة، وبما ترمز إليه، مفعمة بالانحطاط، الانحطاط نحو ما هو بيولوجي. شعرت بأن الشخصيات المحاكية للوحة دافنشي وبحضور ديونيسيوس لا ينقصها إلا الفقرة الأخيرة من هذه الحفلة ألا وهي التحوّل إلى حيوانات وعندها يكتمل العشاء الأخير للطبقة البورجوازية الفاسدة والمفسدة للكون ولابن هذا الكون (الإنسان). فلم تعد إحدى أولويات البورجوازية تحرير الإنسان؛ تحريره من شروط الذل والجوع التي يعيشها في بلدان الأطراف وضواحي مدن بلدان المراكز. ولم تعد قادرة على تحريره من شروط العمل القاسية ومن شروط البطالة بنوعيها، بل بات الأهم تصدير هذه الصرعة (المثلية الجنسية) باعتبارها قضية الإنسانية الأولى.
تخيّلوا أن يسوع ابن فلسطين التي تدور فيها حالياً أبشع مجازر التطهير العرقي يظهر بهذا الشكل في العاصمة التي انطلقت منها قضية حرية الإنسان! حقاً مثلما قالت «بلانش»: ما أجمل مراسم افتتاح الأولمبياد في باريس أمام إعلان موت البورجوازية العفنة.
قضية المثلية الجنسية ليست من أولويات قضايا الإنسان العالمي (الأممي) اليوم. وما حشرها في أنوفنا إلا محاولات لخلق انقسامات ثانوية طولية مضافة على الانقسامات الموجودة سلفاً. أي أن الانقسام الطولي يفتّت العرضي مثلما تقسم الطائفية الطبقات الاجتماعية نفسها على أساس الطائفة، وبالتالي يعمل هذا الانقسام على تفتيت الطبقة العاملة. وفي الوقت ذاته تأتي هذه الانقسامات الثانوية المفتعلة، كالمثلية الجنسية والجندرية، لتصبح انقساماً طولياً وطوائف جديدة مضافة.
أخيراً وللتوضيح: أنا لا أنكر حقوق المثليين جنسياً ولا أنكر أهمية حقوق المرأة وحقّها في المساواة مع الرجل، لكن هذا لا يعني أن أقدّمها على القضية الأهم والأولى والأسمى التي تتضمن كل تلك الحقوق: «تحرر الإنسان» - كما سمّاها ماركس في كرّاس «حول المسألة اليهودية».
* كاتب سوري مقيم في ووهان الصينية
