... و«بالجنوب»
حفظ المقالة

بهاء شاهرة رؤوف
السبت 12 تشرين اول 2024
الخط
لو سألتني كفلسطينيّ عن علاقتي ببيروت قد يكون في ثنايا القلب الكثير من المشاعر. فبيروت، ليست مدينة عادية توصف في كلمات قليلة، أو حتى كلمات عابرة. بيروت بالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين مدينة الأمل والألم اللذين يجتمعان في مكان. متناقضان يظهران التجربة الإنسانية فيها بشكل واضح لا مواربة فيه. مكان عرفناه بدمنا. وفارقناه بدمنا، وسنعرفه دائماً بدمنا الذي كان ولا يزال يسيل في شوارعها. مدينة لها حضارتها الممتدّة منذ زمن لم نعهده إلى زمن عهدناه. والتي لا تزال تسطّر اليوم زمناً فيه من الأغنيات ما فيه. نعرفها وتعرفنا، ننشدها وتنشدنا. بيروت قلعتنا الصامدة. التي طالما كانت عنوان النضال المستمر. والتي ستكون بداية الانتصار على الوحش في هذا العالم. علاقة لا تشوبها شائبة، كعلاقة الأنبياء بالآلهة الذين لم يروهم عيناً بعين في حياتهم. بيروت التي تعطينا النبوّة في هذا الوقت.
«بيروت اختبار الله»
طالما كانت بيروت هكذا «اختبار الله» كما قال محمود درويش في «مديح الظل العالي»، تاريخياً ولا تزال. ونحن الفلسطينيين نشعر بها كأنها مدينتنا التي ننتمي إليها وتنتمي إلينا. أرضنا الخصبة التي لا نستطيع أن نودّعها حتّى لو خرجنا منها. خصبة بمعان كثيرة، والنضال المستمر أحد هذه المعاني. وعلى الرغم من هذا لا نستطيع المرور على هذه المعاني من دون أن نمر على معنى الحياة التي تعطينا إياه بيروت، فهي مدينة تعلّمنا الحقيقة في هذه الحياة، أن نعيشها ولا نكون في حالة احتضار طويلة. أو في حالة ضعف. هكذا تعلّمنا بيروت تاريخياً كفلسطينيين.
وكي أكون منصفاً، نحن لسنا أفضل من كان على أرضها في يوم من الأيام، ولكن هذا التاريخ المشترك الذي كنّا فيه تحت ذات المقصلة في يوم من الأيام -حتى الآن- يجعلنا أكثر من يعرف تقدير بيروت. تاريخنا المشترك وتجربتنا الإنسانية بكل مكنوناتها يضعاننا أمام التاريخ لنقول الكلمة ذاتها، ونعطي المعنى ذاته، في مفهومنا عن الحرية التي تتوق إليها النفس الإنسانيّة على مدار التاريخ الإنساني الطويل والمستمر. هكذا نرى بيروت نحن الفلسطينيين. وهكذا رأيتها في عيون الرفاق الذين كانوا فيها وزاروها بعد طول سنين. كنا نرى لمعان عيونهم نحن الرفاق الصغار ونحسدهم في داخلنا. عرفنا بيروت بهذا الشكل، وتجذّرت هذه الصورة كلما رأينا أحد المقاتلين التاريخيين، ممن كانوا فيها. صورة ليس لها مثيل في وجداننا الفلسطيني مثل أي مكان آخر في هذا العالم.
من فلسطين وجنوبها إلى لبنان وجنوبه
تعوّدنا نحن أهل جنوب فلسطين في قطاع غزّة، وفي جنوب القطاع، أن نتكلّم بصيغة الجمع في عاميتنا البيضاء حتى لو كنّا فرادى. فأقول «إحنا» بدل قول «أنا» هذا حين نتكلم عن أنفسنا في شيء. ومنذ بدء الحرب على غزّة ونزوح سكان شمال غزّة إلى جنوبه ونحن نتكلّم عن الجنوب كأنّه شيء خاص بنا. وعندما اشتدت الحرب، وكانت جبهة الإسناد في جنوب لبنان، وبدأت العمليات في التصاعد، وأخبار الجنوب تأتي بشكل عاجل، لم يكن هناك أي تردّد في تسمية جنوب لبنان بـ«جنوبنا» بيننا نحن الرفاق الذين نتابع الأخبار لحظة بلحظة. وعندما يختلط الأمر علينا بين جنوب القطاع وجنوب لبنان نشير للأخير بـ«جنوبنا» فيفهم الجميع أنّنا نتكلم عن جنوب لبنان. هذا ليس تيهاً في الاتجاهات، أو تيهاً في وصف الأماكن. بل هو انعكاس لما نشعر به نحن الجنوبيين تجاه بعضنا. هكذا نحن، أنانيون في جنوبنا، نعرفه من الدم الممتد من الجنوب إلى الجنوب ونخصّه لنا. لن يكون هناك أي فرق بيني أنا الذي أقطن في دير البلح في قطاع غزّة وذلك اللبناني الذي يقطن في مارون الرأس. نفس المصير المشترك على مدى التاريخ، هكذا نرى أنفسنا في الجنوب الفلسطيني وفي جنوبنا اللبناني.
هذه ليست دعوى لأن يحتكَر الزمان والمكان فينا بالجنوب، على الرغم من الانحياز الواضح لنا كجنوبيين في هذا المقال. في النهاية، يؤلمنا ما يحدث في جنوبنا اللبناني اليوم، وحتى إنّ البعض يشعر بأنّ الملام في ما يحدث لجنوبنا اللبناني جنوبنا الفلسطيني أي غزّة. وهذا الشعور الطبيعي لمن عاش سنة كاملة تحت هذه الإبادة المستمرّة من وحش مستعمر يأكل الأرواح ويصفّق له العالم بكل وقاحة. وعلى الرغم من هذا لا يسعني سوى تذكّر كلمات مريد البرغوثي في قصيدة «منتصف الليل» والتي يقول فيها: «نحن الذين نخاف من الغد وننتظره لا نرقد على وسادة اليأس، نقاتل بالحلم، بالأغنية، بالصمود» وأزيد عليه و«بالجنوب».
* كاتب فلسطيني
«بيروت اختبار الله»
طالما كانت بيروت هكذا «اختبار الله» كما قال محمود درويش في «مديح الظل العالي»، تاريخياً ولا تزال. ونحن الفلسطينيين نشعر بها كأنها مدينتنا التي ننتمي إليها وتنتمي إلينا. أرضنا الخصبة التي لا نستطيع أن نودّعها حتّى لو خرجنا منها. خصبة بمعان كثيرة، والنضال المستمر أحد هذه المعاني. وعلى الرغم من هذا لا نستطيع المرور على هذه المعاني من دون أن نمر على معنى الحياة التي تعطينا إياه بيروت، فهي مدينة تعلّمنا الحقيقة في هذه الحياة، أن نعيشها ولا نكون في حالة احتضار طويلة. أو في حالة ضعف. هكذا تعلّمنا بيروت تاريخياً كفلسطينيين.
وكي أكون منصفاً، نحن لسنا أفضل من كان على أرضها في يوم من الأيام، ولكن هذا التاريخ المشترك الذي كنّا فيه تحت ذات المقصلة في يوم من الأيام -حتى الآن- يجعلنا أكثر من يعرف تقدير بيروت. تاريخنا المشترك وتجربتنا الإنسانية بكل مكنوناتها يضعاننا أمام التاريخ لنقول الكلمة ذاتها، ونعطي المعنى ذاته، في مفهومنا عن الحرية التي تتوق إليها النفس الإنسانيّة على مدار التاريخ الإنساني الطويل والمستمر. هكذا نرى بيروت نحن الفلسطينيين. وهكذا رأيتها في عيون الرفاق الذين كانوا فيها وزاروها بعد طول سنين. كنا نرى لمعان عيونهم نحن الرفاق الصغار ونحسدهم في داخلنا. عرفنا بيروت بهذا الشكل، وتجذّرت هذه الصورة كلما رأينا أحد المقاتلين التاريخيين، ممن كانوا فيها. صورة ليس لها مثيل في وجداننا الفلسطيني مثل أي مكان آخر في هذا العالم.
من فلسطين وجنوبها إلى لبنان وجنوبه
تعوّدنا نحن أهل جنوب فلسطين في قطاع غزّة، وفي جنوب القطاع، أن نتكلّم بصيغة الجمع في عاميتنا البيضاء حتى لو كنّا فرادى. فأقول «إحنا» بدل قول «أنا» هذا حين نتكلم عن أنفسنا في شيء. ومنذ بدء الحرب على غزّة ونزوح سكان شمال غزّة إلى جنوبه ونحن نتكلّم عن الجنوب كأنّه شيء خاص بنا. وعندما اشتدت الحرب، وكانت جبهة الإسناد في جنوب لبنان، وبدأت العمليات في التصاعد، وأخبار الجنوب تأتي بشكل عاجل، لم يكن هناك أي تردّد في تسمية جنوب لبنان بـ«جنوبنا» بيننا نحن الرفاق الذين نتابع الأخبار لحظة بلحظة. وعندما يختلط الأمر علينا بين جنوب القطاع وجنوب لبنان نشير للأخير بـ«جنوبنا» فيفهم الجميع أنّنا نتكلم عن جنوب لبنان. هذا ليس تيهاً في الاتجاهات، أو تيهاً في وصف الأماكن. بل هو انعكاس لما نشعر به نحن الجنوبيين تجاه بعضنا. هكذا نحن، أنانيون في جنوبنا، نعرفه من الدم الممتد من الجنوب إلى الجنوب ونخصّه لنا. لن يكون هناك أي فرق بيني أنا الذي أقطن في دير البلح في قطاع غزّة وذلك اللبناني الذي يقطن في مارون الرأس. نفس المصير المشترك على مدى التاريخ، هكذا نرى أنفسنا في الجنوب الفلسطيني وفي جنوبنا اللبناني.
هذه ليست دعوى لأن يحتكَر الزمان والمكان فينا بالجنوب، على الرغم من الانحياز الواضح لنا كجنوبيين في هذا المقال. في النهاية، يؤلمنا ما يحدث في جنوبنا اللبناني اليوم، وحتى إنّ البعض يشعر بأنّ الملام في ما يحدث لجنوبنا اللبناني جنوبنا الفلسطيني أي غزّة. وهذا الشعور الطبيعي لمن عاش سنة كاملة تحت هذه الإبادة المستمرّة من وحش مستعمر يأكل الأرواح ويصفّق له العالم بكل وقاحة. وعلى الرغم من هذا لا يسعني سوى تذكّر كلمات مريد البرغوثي في قصيدة «منتصف الليل» والتي يقول فيها: «نحن الذين نخاف من الغد وننتظره لا نرقد على وسادة اليأس، نقاتل بالحلم، بالأغنية، بالصمود» وأزيد عليه و«بالجنوب».
* كاتب فلسطيني
