يبخس جلّ دارسي «الاستشراق»، الكولونيالية حقّها، كمنظومة تفكيرية اعتدائية ناتجة من الإنتاج الذي يوفر القوة والحيوية للاستحواذ، لا بل والتنافس حوله وعليه أيضاً. فيذهبون في ذلك إلى ما قبل الإنتاج وغزارته، الناتج من التنظيم المعرفي للأداء البشري المنظّم في مجتمعات، وذلك من أجل تشكيل معادل غيبي (عواطفي في أحسن الأحوال) يسبق الحيوية الكولونيالية بقيمها المتسلطة على الشعوب، في محاولة لتبخيس الاستشراق (بشتمه وتأثيمه) تمهيداً لإقامة الحدّ عليه، وهذا بالضبط ما اكتشفه الاستشراق وهاهم (جلّ) المهتمين بالاستشراق يردّون إليه بضاعته.


بين سؤالي الحقّ والباطل، والخطأ والصواب، انداحت الردود على الاستشراق من كل حدبٍ وصوب، مؤثمة من نظر إلى صوابية التقارير الاستشراقية أو من قرأها بعين ديكارتية ووصم كل من حاول ممارسة هذه القراءة بالاستغراب، وأصبح المستغرب عميلاً للمستشرق المتحيّز جينياً لفضائه الحضاريّ لا بل امتداداً له، فالمسألة تتعدى لديهم إعمال العقل، إلى ما في النوايا المبيتة لنا منذ أقدم العصور، حيث بدا هذا التحيّز كإثمٍ يرتكبه المستشرق هو وحضارته، من دون أن يحقّ للمستشرق أن يكون منتمياً إلى حضارةٍ أو مجتمع يسعى إلى استكشاف المناطق المرشحة للفعل الكولنيالي. وعلى كل من ينظر في صوابية ما في هذا الجهد البشري ومرفقاته أن يلتحق به خائناً أو مغرّراً به كأهبل، وكل هذا منذ أن تحيّز الغرب، ولكن متى تحيّز الغرب؟ وهل تحيّز معنا نحن فقط، أم مع غيرنا أيضاً؟
في هذا السياق تحديداً تبدو أفروضة (شرق ـ غرب) مفبركة وواهمة، وهو ما يريده منا الاستشراق الكولنيالي أن نستمر به تصديقاً لدراساته وتقاريره عنا، وهذا ما نقوم به عملياً،

الكولنيالية لا تعرف البراءة، ولا الهوى أيضاً، ولكنها لا تستطيع أن تستشرق

لأن افتراض فهم جديد لسيرورتنا الحضارية وصولاً إلى واقعها، بناءً على هذا الاختصام وهذا التناظر يحيلنا على مربعٍ عنصريٍّ غيبي بعيد من التنافس الإنتاجي الإبداعي ليتم حل المسائل بالعنف (التكذيب، الشتيمة، الاتهام، والحكم)، وذلك عبر دمج الاستشراق مع الحداثة ومنتجاتها حيث لا بدّ من رفض الحداثة معرفياً وثقافياً حتى تتم إبادة الاستشراق، حيث يحقّ لنا التوهّم بردّ الحروب الاستعمارية طالما رددنا وفندنا وأفحمنا أطروحات الاستشراق.
في هذا الفهم المحلي والمستلف، يبدو تعريف الاستشراق تبسيطياً لأقصى حدّ، فهو «فهم الغرب للشرق، من دون أن يكون للشرق حقّ أو حرية التعريف بنفسه عن نفسه كما هي في الواقع»! ربما تقودنا هذه التبسيطية إلى أسئلةٍ مضحكةٍ، خصوصاً بعد إحالة كل هذه المشكلة على شغف الغرب بالشرق (يا للهول)، مثل أن يسأل مهندس معماري أرضاً: ماذا أبني عليك وهو الذي جاء ليدرسها ليقسرها كي يبني عليها ما يريد! إنه تعريف يتكئ تماماً على اتهام عدائي، إذ لا فرصة لرؤيته على أساس تنافسي صراعي، إنه وهم اتهام عبر تحديد غاية استنسابية تستلف العداء للاستشراق «المأفون»، ولأفروضة شرق/ غرب (تجاهل هولاكو وتيمورلنك جزءاً من هذه الأفروضة)، والذهاب إلى العدائي وتجاهل التنافسي، يلغي تلك الميزة الإنسانية الخالصة التي تلزم التفكير بالمنفعة، حيث تبدو هذه الطريقة بالتفكير بالاستشراق فتنوية بامتياز تنحو إلى الانتقام والثأر لا أكثر ولا أقل، متجاهلة أن الإنتاج التنافسي هو من يستطيع الحدّ وحتى الانتقام من الكولنيالية الخبيثة. وهنا ومن هنا تبدو الهوية واحدة من حاملات هذا العصاب، وهنا يظهر دور الإنتاج الحاسم في صنع الهوية الفاعلة وإعلانها، وهو ما يعاكس ما يقوم به المهتمون بالاستشراق، فهم يستنبتون هويّة سائلة لا تنفع لا في تنافس ولا عداء، وعلى أساسها يطالبون بتعديل مفاعيل الاستشراق، حتى يصبح الغرب (الذي هو ليس غرباً إلا بوجود الشرق بحسب فهمهم) منصفاً ومخلصاً لـ«تعاليم» الحداثة المُغوية.
الكولنيالية لا تعرف البراءة، ولا الهوى أيضاً، ولكنها لا تستطيع أن تستشرق، إلا عبر رؤيتها وثقافتها، وليس لنا إلى ذلك سبيلاً، إلّا أن نستورد أطفالاً من الغرب، نربيهم بين ظهرانينا، كي يكتبو بإنصاف عندما يكبرون ويصبحون مستشرقين، وعلينا نحن أن نطلب منهم أن لا يرسلوا جيوشاً وجحافل، فهذا ليس من الديموقاطية بشيء، نعم قد تصل التبسيطية المرعبة في دراسات كهذه إلى هذا الحد من التهافت، إذ كيف للمستشرق أن يقدّم تقريره من دون اعتماد حقائق مثبتة بالنسبة له تفيد في تفعيل الكولونيالية، التي لا تحب ولا تكره، بل تخطط لتحقيق مصالحها. وهنا لا بد لنا من استذكار لورنس الذي عشق هذا المشرق وأهله، ولكنه كان ينفّذ بإخلاص وصدق الإرادة الكولونيالية التي قادتنا إلى هذه الأيام، ليس من ناحية الواقع المزري فقط، بل وأيضاً من ناحية التفكير، فالمفكرون بهذا الشأن لمّا يزالون يمارسون «فلاش باك»، وهم يعمّمون سؤال جورج بوش «لماذا يكرهوننا؟» على التاريخ والجغرافيا... واللغة!
إن ابتسار الحداثة من قبل «دارسي» الاستشراق، على قيم كولونيالية لهو صحيحٌ تماماً ومخيبٌ أيضاً، ولكن السؤال المحيّر، هل اقتصر الاستشراق على المناطق الناطقة بالعربية؟ أم شمل كلّ العالم في أصقاعه كافة؟ وهل هو حيوية تنافسية أم هو أحقاد عدائية؟ وهل ما توصل إليه الاستشراق (إن كان على باطل) صحيح؟ خصوصاً مع هذا المنظر الواقعيّ الخلاب للشعوب الناطقة بالعربية.
* سيناريست سوري