أحد الضحايا في الأزمة التي تعيشها سوريا اليوم هو دور المرأة في المجتمع. ولا أقصد هنا النساء اللاتي قتلن أو شردن، ولا اللاتي فقدن أحبابهن وفلذات أكبادهن، على الرغم من حقيقة معاناتهن وأولويتها. فذاك الحديث ليس غائباً عن ألسنة الناس، ومنظر الأم التي تبكي ابنها هو الصورة المثالية لاستجرار العواطف. واستجرار العواطف هو ما يحاول الجميع القيام به، إلى حد إلغاء كل نقد أو فكر لا يعنى مباشرة بالتعبئة العاطفية للجماهير لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. لكن يتعلق الموضوع بالقضية المسكوت عنها، ألا وهي مكانة المرأة في منظومة القيم التي يروّج لها في حديث الناس اليوم. ماذا سيكون مستقبل سوريا حينما نلجأ إلى التأنيث مرادفاً للتحقير والذكورة عنواناً للشرف؟ ماذا سيكون حالنا حينما يصبح إيذاء النساء جريمة بحق النخوة والعرض، قبل أن يكون جريمة بحق الإنسانية، وحينما يكون الدفاع عن النساء هو دفاعاً عن الشرف لا دفاعاً عن البشر؟

كل الذكورية المتخمة بقيم العصور الوسطى تستعرَض أمامنا اليوم تحت عناوين من مثل: الفروسية والرجولة، وحماية الحريم، وغيرها من المقولات الخطابية التي ترجعنا إلى أسوأ ما في تاريخنا من الرموز الذكورية التي لا تزال تتحكم في لاوعينا. فتجربتنا في الدفاع عن حقوق النساء لا تزال في بداياتها وهي لم تتكرس نهائياً.
في السنوات الماضية أرجعتنا المسلسلات التلفزيونية المتشبهة بالتاريخ، سنوات إلى الوراء، في ما يخص حقوق المرأة. لكن هلّا نسأل أنفسنا ما هي العلاقة بين الثقافة التي تفتخر بشخصيات زعيم الحارة من طرف، وقمع المرأة وإخفائها عن الحيّز العام من الطرف الآخر. فقمع النساء هو إحدى صفات الرجولة، والرجولة لا تعرف إلا بالعنف.
لا يخاطب العنف الذكوري العقل، بل العواطف. والخلاف السياسي اليوم يناقش بدوره على مستوى العواطف؛ لأنّ أسهل طريق لتعبئة المؤيدين هو استجرار عواطفهم. فلا يحتاج ذلك لأكثر من التنقيب في اللاوعي الجمعي للبحث عن مكوناته التي تدغدغ مشاعر الرجولة والشرف وتلعب على أوتار الإحساس بالذنب والعار. ولا يتطلب الأمر حفراً معرفياً عميقاً، فالذكورية متأصلة متجذرة وحينما نلبسها لباس الدين تكتسب قدسية متجددة.
سينظر المشاركون في الحراك السياسي على طرفي الخلاف، وخاصة النساء منهم، على أنّ هذا الكلام ينطبق فقط على الجهة الثانية، أي الخصم. فكل من الطرفين يعرض موقف خصمه بحق المرأة كدليل دامغ على تخلف الطرف الآخر، وسيستخدم حقيقة وجود بعض المشاركة النسائية في صفوفه هو على أنّه بريء من الإساءة إلى النساء. وذلك بحد ذاته ضرب من التعميم المولد للمشكلة. فالحقيقة هي أنّ النساء مغيبات عن الخطاب العام إلا بوصفهن ضحايا الطرف الآخر.
لقد عانت حقوق المرأة طويلاً من كونها حقوق درجة ثانية في تاريخ منطقتنا. ففي فترة النضال ضد الاستعمار عُدَّت قضية المرأة نوعاً من البطر أمام أولوية الاستقلال. وفي النضال من أجل العدالة الاجتماعية عدَّت قضية المرأة ثانوية أمام أولوية الاشتراكية. واليوم نناقش قضية الديموقراطية وتأخذ قضية حقوق المرأة المقعد الخلفي مرة أخرى. فقضية المرأة من شأنها أن تفرق صفوف المعارضة المشكَّلة من تكتلات متنوعة من تيارات دينية محافظة وتيارات علمانية لها رؤى متناقضة في تلك المسألة. فإذا طرحت حقوق المرأة على الطاولة، فمن شأن ذلك أن يضعف الجبهة المطالبة بالديموقراطية، وكأنّ حقوق المرأة لا تدخل من باب الديموقراطية. وليست التكتلات الموالية بأفضل حالاً. فطرح قضية المرأة وحقوقها اليوم ضمن باقة الإصلاحات صراحة وبلا خجل، لن يمثّل نقطة مشتركة لتعبئة الجماهير.
ماذا يجب أن يتضمن الدستور السوري الجديد لضمان حقوق المرأة كاملة كمواطن في سوريا؟ عندما نعرض مواد الدستور التي تحتاج إلى تغيير، فإنّ المادة الثالثة والمادة الثامنة هما المادتان الإشكاليتان اللتان يحتدم النقاش حولهما اليوم. لماذا لا نناقش صراحة أيضاً المادة الخامسة والأربعين التي تعطي للدولة الدور الأبوي في إزالة القيود التي تمنع تطور المرأة، ولا تنص صراحة على حقوق النساء؟ ما هي التشريعات أو الاستثمارات التنموية أو التعديلات في المناهج الدراسية أو التغييرات في السياسة الإعلامية التي يجب أن يطالها الاصلاح لكي نتجاوز القيود التي لا تزال تحد من تطور المرأة حتى بعد ثمانية وثلاثين سنة من وعد الدستور القائم بإزالتها؟
لن ينفع المرأة في سوريا الوصول إلى تعددية سياسية وتداول للسلطات والقوانين لا تحميها من سلطة زوجها أو أبيها أو أخيها الذي يمارس ما يعدّه حقه كرجل من حجبها عن الحيّز العام ومنعها من الحصول على التعليم، بل وحتى في قتلها، إذا انخدش شرفه. ولن ينفع سوريا أن يتمتع أفراد الطوائف الدينية بكل الحقوق المدنية عدا النساء، لأنّنا نستحي أن نعالج قوانين الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة. إذا أردنا أن ننظر إلى الثورة على أنّها تقدم مستمر نحو الأمام وإلى عملية إصلاح على أنّها مسيرة لا تتوقف لا على أنّها مجرد تغيير نظام سياسي، فإنّ الثورة لا تكتمل إلا إذا حصلت المرأة على كامل حقوقها، سواء كان ذلك ضمن الإيديولوجيا الرسمية التي بنت هويتها على كونها إيديولوجيا الثورة والإصلاح، أو في خطاب المعارضة التي لا ترى الثورة إلا في تغيير النظام.
نحن لا نريد خطاباً سياسياً يؤلب الناس باللعب على مشاعر النخوة والرجولة، ويؤججهم خوفاً على عفة الحرائر. ولا نريد دور المرأة أن يكون النحيب ونزع غطاء الرأس لتعيير الرجال. بل نريد موقفاً سياسياً يوضح رؤية كل من يدعي الدفاع عن المرأة. نريد خطاباً سياسياً يناقش القضايا ويحدد موقفه صراحة بلا مراوغة من كل قضية. وقتها فقط يمكن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. أما أن يتهم بعضنا البعض ونكفّر ونخوِّن وننتفخ كالديوك من دون أن يكون لدينا حلول حقيقية لضمان الحقوق، فلن يوصلنا إلى ذلك إلى الديموقراطية. الحرية والكرامة لا تكونان بإرضاء الرجال وقيمهم الذكورية على حساب حقوق النساء. الديموقراطية تبدأ عندما نثبت في خطابنا وفي عملنا أنّنا نحترم جميع الحقوق وندافع عنها.

* كاتب سوري