يمكن اعتبار المرحلة الممتدة منذ 1992 حتى اليوم، حقبة حريرية على نحو عام. لم يغيّر من هذه الحقيقة اضطرار الرئيس المغدور رفيق الحريري إلى الابتعاد عن القصر الحكومي لبعض الوقت. ولم يغيّر في ذلك، جوهرياً، أيضاً دور الإدارة السورية للبلاد بين 1992 و2005، ودور الإدارة الأميركية في السنوات الثلاث التي أعقبت الخروج السوري. لم يغيّر في ذلك كذلك انتخاب العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية، وهو الخصم السياسي للرئيس الراحل رفيق الحريري، ولا التمديد للعماد لحود ثلاث سنوات إضافية لتصبح ولايته، كما سلفه الرئيس الراحل الياس الهراوي، تسع سنوات، كان القسم الممدّد منها مضطرباً ومتوتراً وحافلاً بالصراعات والتحوّلات.

بأشكال وصيغ متعدّدة، وبوسائل وأدوات وإمكانات متنوّعة وفعّالة، وبكفاءة لا جدال فيها، وبوعود متكرّرة، تمكّن الرئيس رفيق الحريري، من الإمساك بمحاور أساسية في الإدارة اللبنانية. وكان هذا الإمساك يتعزّز بفضل دعم الفريق السوري المسؤول عن «الملف» اللبناني، بمقدار ما كان يتغذّى تباعاً من إشاعة مناخ من الاستقطاب المذهبي المثابر. وقد جرى لهذا الغرض إضفاء هالة وصلاحيات استثنائية على موقع رئاسة الحكومة. فرئيس الحكومة بات يمارس، على نحو مطّرد، دور المختصر لمؤسسة مجلس الوزراء التي كان القرار التنفيذي قد تحوّل إليها مجتمعة، بعدما كان مناطاً برئيس الجمهورية في مرحلة ما قبل اتفاق الطائف.
ولقد مارست أريحية الرئيس رفيق الحريري، وقدراته الممتازة في حقل العلاقات العامة، إلى تصميمه ودأبه، دوراً مميّزاً وفعّالاً، في توزيع الحصص والهدايا والعطاءات، دون أن يسهو عن باله لحظة واحدة، الاحتفاظ بمفاتيح الإدارة اللبنانية، وخصوصاً، في حقول المال والاتصالات والأمن الداخلي والعدل والإعلام والإنماء والإعمار والإغاثة... كذلك مارست الآلة الإعلامية الضخمة، دوراً مؤثراً في تصوير أنّ الإمساك بالإدارة إنما هو حلقة محورية في مشروع الإعمار، وفي مشروع بناء الدولة العصرية القادرة والموحّدة والحديثة.
ترسّخ كلّ ذلك، على نحو خاص، في السنوات التسع التي استغرقها عهد الرئيس الياس الهراوي، لكنّه استمرّ أيضاً في معظم فترات عهد الرئيس إميل لحود، رغم الاعتراض والتنافر، وذلك بفضل دعم فريق سوري ولبناني، ظلّ هو الآخر، شديد التأثير في توجيه الدفة اللبنانية وفق ما يقرّره ربانها الأبرز، الرئيس الراحل رفيق الحريري. وبديهي أنّ الهيمنة قد تعزّزت في عهد الرئيس الحريري الابن، وباتت بسبب ممارسات عدد من مساعديه، سافرة ومباشرة ومستفزّة.
لسنا بحاجة إلى إعطاء شواهد وأمثلة، وهي أكثر من الهم على القلب، لكنّنا نحيل على ما شهدته وزارتا الداخلية والاتصالات، في مرحلة تصريف الأعمال، في الأسابيع القليلة الماضية. فرغم أنّ الوزيرين اللذين يديران هاتين الوزارتين ليسا من فريق الرئيس سعد الحريري، فقد برز بطريقة فجة وشرسة، واقع السيطرة الحريرية على دوائر وأجهزة هاتين الوزارتين، وواقع الاستماتة في تفعيل هذه السيطرة وإدامتها، حتى بعدما سقطت حكومة «الوحدة الوطنية» وأصبح رئيسها في مرحلة تصريف الأعمال بانتظار تأليف الحكومة الجديدة برئاسة شخص آخر هو الرئيس نجيب ميقاتي.
لا شكّ أنّ الوزير شربل نحاس وزير غير عادي. لا شكّ أيضاً أنّه حاول أن يمسك بشؤون وزارته، كما ينبغي لأيّ وزير مسؤول أن يفعل، لكنّ ردّ فعل المدير العام لـ«أوجيرو» وفريقه الإداري داخل الوزارة، والسياسي خارجها، قد كشف إرادة التفرّد في إدارة هذا المرفق رغم أنف الوزير وصلاحياته. وما حصل في امتداد ذلك، من المدير العام للأمن الداخلي، لا يقلّ دلالة وخطورة عما حصل في وزارة الاتصالات. فلقد تحدّى اللواء أشرف ريفي وزير الداخلية ورئيس الجمهورية، مصرّاً على حماية الخلل في وزارة الاتصالات، ومؤكداً أنّ مرجعيته سياسية لا إدارية، وأنّه الباقي والثابت، والآخرون إلى زوال بعد يوم أو شهر أو سنة... هذا ما شهدناه وشهده اللبنانيون في وزارتين لا يديرهما فريق الحريري. فكيف بالوزارات التي يديرونها؟ لنأخذ وزارة التربية مثلاً: لقد تحوّلت هذه الوزارة مع الوزير والزميل السابق حسن منيمنة، إلى مزرعة بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى. فمن التدخل في انتخابات رابطة أساتذة التعليم الثانوي لبناء واقع ضد الخصوم من الناشطين في العمل النقابي (ومعظمهم زملاء أو رفاق سابقون لمنيمنة)، إلى إغراق الوزارة بالمستشارين والأزلام، إلى إبعاد ذوي الكفاءة، إلى الاستئثار شبه التام بالمواقع الإدارية والتربوية، ودائماً على أساس مذهبي مقيت، يسير تماماً في عكس وظيفة التعليم الرسمي الذي يتباهى منيمنة بأنّه كان ينتسب إليه.
على امتداد عقدين من الزمن، أدار الحريري الأب والابن ومعهما فريق واسع من الوزراء والمدراء والموظفين والمساعدين كلّ الوزارات، حتى تلك التي لم يُعهد أمر إدارتها إلى فريق الحريري. أداروها فعلياً وعملياً، معزّزين سيطرة فئوية ومذهبية، باتت مصدر شكوى من الحلفاء، كما من الخصوم. ولقد تصرّفوا تباعاً، على أساس أنّ هذه الإدارة الحريرية مستمرّة وراسخة ودائمة، حتى لو تغيّر الوزراء، أو جاء إلى سدّة الرئاسة الثالثة شخص من خارج فريق الحريري أو حتى من خصومه. ولقد أغرى فريق الحريري بالإصرار على هذه الذهنية وتلك الممارسة، تقاعس الآخرين عن فرض إيقاع آخر. ذلك إضافةً إلى جملة عوامل أخرى مساعدة، بعضها خارجي عربي أو غربي، وبعضها داخلي قائم في نظام المحاصصة أو في الضعف أمام إغراء المكاسب أو المنافع المادية والفئوية.
اليوم يتمثّل التحدّي أمام الحكومة الجديدة في إلغاء واقع الهيمنة المذكورة هذا. أوّلاً، بسبب مطالبة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بتحمّل مسؤولياتها كاملة، ولأنّها حكومة مناوئة لفريق الحريري. وثانياً، لأنّ هذه الهيمنة غالباً، ما كانت تجري على حساب القوانين المرعية الإجراء، وخلافاً لمقتضيات الفعالية والجدارة والسيرة الحسنة.
لسنا من البلاهة بحيث نأمل أنّ الفريق الوزاري الجديد سيلغي ذهنية الاستئثار وسيتصدّى للفساد وسينفّذ كلّ ما وعد به العماد ميشال عون من إصلاح، لكن مع ذلك، لا بدّ من بعض الخطوات في اتجاه إلغاء التلزيم الذي استمرّ سائداً طيلة عقدين من الزمن. هذا علماً أنّ الإصلاح بات، على نحو عام، حاجة إنقاذية لن يرفضها إلا مغرض أو مكابر، أو مغامر بمصير البلد في هذه الظروف الأشد خطورة من تفاقم أزماته وانقساماته في كافة الحقول.
بعض أطراف الفريق الحكومي الجديد يضع في جعبته، في مجرى سعيه إلى تحقيق نجاح ما للحكومة الجديدة، وسط ما ينتظر مهمّتها من تعقيدات داخلية وخارجية، مشروعين: الأول معالجة أزمة الكهرباء لجهة تأمينها على مدار الساعة. أما الثاني، فهو إصدار قانون انتخابي جديد على أساس مبدأ النسبية ضمن الدائرة المتوسطة. يدرك هذا الطرف الكلفة المادية للهدف الأول، والكلفة السياسية للهدف الثاني، لكنّه مع ذلك، يعتقد أنّ «الصدمة الإيجابية» أكثر من ضرورية لمواجهة صدمات أخرى خطيرة متوقّعة بسبب فتح ملفات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وموضوع السلاح وسواهما.
هذان الملفان مهمان، وتحقيقهما خطوة سياسية وتنموية كبيرة إلى الأمام. ومع ذلك، لا بدّ من مقاربة إصلاحية شاملة تبدأ بالإصلاح السياسي تداركاً للأعظم من الأخطار التي تحدق بلبنان، وتكاد تطيح كلّ إنجازات شعبه، مهدّدةً، على نحو غير مسبوق، كيانه ووجوده من الأساس.

* كاتب وسياسي لبناني