كل شيء يتغيّر في العالم العربي، إلا جامعة الدول العربية تبقى كما هي، صامدة في مواقفها المنددة والمستنكرة، وراسخة في تأييدها ودعمها للدول. أنظمة سقطت، وأخرى تُصلح في كيانها إلا تلك المؤسسة، لم تُحرك في بنيتها أي إصلاح وتغيير ولو مجرد فكرة. منذ أشهر والأحداث تتسارع في دنيا العرب، والجامعة ساكنة تتحرك ببطء رهيب، تدعو السوريين إلى الحوار خلال 15 يوماً، لكن اين كانت خلال الستة أشهر الماضية؟


يصحُ القول إنّ الربيع العربي سيأتي يوماً ليهب على كيانها، فحراك الشعوب العربية خارج منطق المؤامرات، هو من أجل بناء دول حقيقية مع تأكيد مسؤولية عدم خسارة التحرك بأن تركب أمواجه دول ومنظمات تشبه تلك الأنظمة التي كانت تتحكم بشعوب العرب. ولن تكون تلك المؤسسة بعيدة عن شعار إسقاط النظام، فالجامعة ليست للدول العربية، بل هي للأنظمة الحاكمة، إذ لا وجود لدول حقيقية في عالمنا العربي. خلال تاريخ الجامعة، كانت هي في اتجاه والشعوب التي تمثلها في اتجاه آخر، وفي اللحظة التاريخية الحالية، يجب على الجامعة أن تعود إلى تحقيق مصلحة شعوبها في العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
ليس من المستغرب تراجع عمل الجامعة العربية، فهي جزء من الأنظمة التي تخلّى معظمها عن قضايا العرب بعدما تخلى عن قضايا شعبه. كيف تطلب تلك المؤسسة من أنظمة عربية أن تتحوّل إلى أنظمة ديموقراطية، ومعظم أعضائها ممالك وإمارات، وهل باستطاعة ديموقراطية الجامعة أن تختار أميناً عاماً ليس مصرياً لرئاستها؟ كيف تدعو إلى الحوار وهي كانت المرحب بفتح السماء الليبية أمام الناتو لقصف الشعب الليبي؟ وكيف تدعو إلى وقف القتل والتعذيب، وكل بلاد العرب سجن واحد تتحمل هي جزءاً من مسؤوليته؟ لكن تصح عليها مقولة «فاقد الشيء لا يعطيه».
لماذا تترأس قطر الوفد العربي إلى سوريا؟ هل لأنّها أصبحت رئيسة الدورة الحالية لجامعة الدول العربية؟ أم من أجل ما يحكى عنه من تحذيرات وشكوك في الدور القطري باستغلال ذلك المنصب لتمرير مشاريع بالتعاون المبطن مع الولايات المتحدة الأميركية؟ أم هي عملية تحدّ للنظام السوري، بعدما ساءت العلاقات مع حاكم الدوحة؟ والسؤال الأهم: هل يأخذ معظم الشعب السوري مواقف الجامعة العربية إن كان موالاة أو معارضة على محمل الجد، أم التجربة الطويلة من شعارات الحبر على الورق قد أفقدتهم الثقة بها، مهما كان رأيها وموقفها؟
التساؤل الأهم في الأزمة السورية ودخول جامعة الدول العربية على خط تلك الازمة، هو إمكانية اعترافها بالمجلس الوطني السوري. الاعتراف بذلك المجلس قد يؤدي إلى طلب قيام تدخل عسكري في سوريا، تحت ذريعة سوء الأوضاع الإنسانية، وبغطاءٍ عربي. سيقوم الوفد العربي باتصالاته مع النظام والمعارضة لجمعهم تحت سقف جامعة الدول العربية، لكن لماذا لا يجمعهم في دمشق، فالحل يجب أن يكون سورياً بالدرجة الأولى؟ أن يمد العرب يدهم للمساعدة، رغم تأخرهم، فهذا حسن، ولكن يجب أن يكون هناك وضوح في طريقة العمل والمساعدة لتحقيق الحوار المنتج بين كافة الأطراف.
هل فكرت جامعة الدول العربية في الأزمة الغذائية في الصومال، وكيفية حلّها، أم ننتظر بعض نجمات هوليوود لكي يزرن مخيمات اللاجئين الذين يموتون جوعاً، ولا يتنحى زعيم عربي لزيارة خيمة واحدة لمن هم جزء من حدود العالم العربي؟ أين هي من حقوق الإنسان والعدالة في توزيع الناتج المحلي في كافة الدول العربية؟ أما فلسطين القضية المركزية الأولى التي بنى الزعماء عليها ثرواتهم، فأين هي في عمل الجامعة العربي؟
إن الجامعة العربية هي صورة طبق الأصل عن الأنظمة التي تمثلها، فهل سيأتي اليوم الذي تمتد فيه رياح الربيع العربي إلى كيانها، ليعبّر عن طموح الشعوب العربية؟ أم تبقى هذه الجامعة تركيبة بريطانية تفرق الشعوب، لكي لا يجتمع العرب على رأي واحد؟ سيكون التغيير في الجامعة حتمياً، بحسب التغيير في مسيرة الشعوب العربية، وليس فقط في إسقاط أنظمتها. فالمسألة عميقة أكثر من مجرد إسقاط أنظمة حكم، إنّها مسألة نهضة شعوب لبناء مجتمع وبناء دول مؤسساتية. وذلك كلّه رهن بوعي الشعوب وإدراكها لأهمية اللحظة التاريخية، لكي تتحول مع الوقت من حدث وحراك إلى ما يمكن أن نسميه «عصراً»، وإلا فسيكون التفتيت والتقسيم بانتظار العالم العربي، وبالتالي تقسيم جامعة الدول العربية وانتهاء دورها وعملها.
* كاتب لبناني