لم تكن نهاية الأكاديمي والباحث الفلسطيني في ماليزيا مُفاجئة؛ فابن مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في غزة، فادي البطش، لم يكن محض محاضر جامعي عادي في هندسة الكهرباء. كما أنّ تبعات استشهاده تركت إشارة واضحة إلى تورّط أيدي استخباراتية في اغتياله، على رأسها العدو الإسرائيلي وجهازه للعمليات الخارجية «الموساد».

فجر السبت، توجّه البطش (35 عاماً) لأداء صلاة الصبح في المسجد القريب من مقر إقامته في ضاحية غومباك في العاصمة الماليزية، كوالالمبور. لكن موته حصل في الطريق إلى هناك، بينما كان مسلحان اثنان على دراجة نارية يطلقان عليه عشرين رصاصة، 14 منها اخترقت القسم العلوي من جسده. منفذو الاغتيال بحسب سلطات ماليزيا «هما قوقازيان مرتبطان على الأرجح بأجهزة استخبارات أجنبية»، أمّا بالنسبة إلى عائلة الشهيد فهما «تابعان للموساد الإسرائيلي».
وتعليقاً على اغتياله على أراضيها، أكّد وزير داخلية ماليزيا، أحمد زاهد حامدي، أن البطش كان «مهندساً كهربائياً وخبيراً في صنع الصواريخ». وأضاف في تصريحات لوكالة «برناما» أنه «على الأرجح أصبح البطش عنصراً مزعجاً لبلدٍ معادٍ لفلسطين»، منوهاً إلى أنّ الشهيد كان يفترض أن يتوجّه السبت إلى تركيا لحضور مؤتمر دولي.
من جهته، أعلن قائد شرطة كوالالمبور فتح تحقيق «معمّق» للبحث في جميع ملابسات الحادث، «فهي قضية دولية». وأشار إلى أن «جثمان البطش سيسلّم إلى عائلته بعد انتهاء التشريح».
وفيما بدأ الأطباء الشرعيون في ماليزيا، اليوم، بتشريح جثمان العالم الفلسطيني في مجال الطاقة والعضو في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تمهيداً لنقله إلى مسقط رأسه في غزة، طالب وزير أمن العدو، أفيغدور ليبرمان، السلطات المصرية بعدم السماح بإدخال الجثمان. أمّا وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينت، فقال إن «دخول الجثمان مشترط باسترجاع الأسرى الإسرائيليين الذين تعتقلهم حماس».
تصريحات ليبرمان جاءت في سياق مقابلة له مع إذاعة الجيش الإسرائيلي صباح اليوم، قال فيها إن «إسرائيل لن تسمح بإدخال جثمان البطش ليُدفن في قطاع غزة»، مشيراً إلى أنه «طالب مصر بعدم السماح بنقل جثة المهندس عبر معبر رفح». وأضاف «(نحن) لا نحضر جثث إرهابيي حماس إلى القطاع، هذا ما وافق عليه المستشار القضائي للحكومة (أفيخاي مندلبليت)... مع ذلك، إذا حاولوا إدخاله عبر معبر رفح، فلن يكون لدينا الكثير لنفعله».
من جهة ثانية، قال السفير الفلسطيني لدى ماليزيا، أنور الآغا، إنه «تقرّر تأجيل نقل جثمان الشهيد البطش ليوم أو يومين، إلى حين انتهاء الإجراءات اللوجستية والتنسيقية مع السلطتين الماليزية، والمصرية المسؤولة عن فتح وإغلاق معبر رفح البري».

لماذا كان البطش في ماليزيا؟
الأب لثلاثة أطفال، حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية في غزة أواخر عام 2009. شهاداته تلك أهّلته للحصول على قبول من جامعة مالايا الماليزية لدراسة الدكتوراه. وفي خلال دراسته، أعدّ عشرات الأبحاث أهمّها عن رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى. كما أنه عمل محاضراً في جامعة ماليزية خاصة.
ونتيجة لكفاءته العملية، نال البطش عدداً من الجوائز العلمية الرفيعة، وعلى رأسها منحة «خزانة» الحكومية، والمعدّة للماليزيين بشكل خاص، فأصبح بذلك أول عربي يحصل عليها عام 2016. وفي حينه عقّب البطش على منحه الجائزة قائلاً: «أردنا إيصال رسالة للعالم مفادها بأنّ الشعب الفلسطيني مصرّ على إبداعه، ولا توقفه أيّ حدود». وأشار يومها إلى أن هذه المنحة «كانت مخصصة للطلبة الماليزيين فقط، قبل موافقة الحكومة الماليزية على إدراج الطلبة الفلسطينيين فيها».

عمل البطش في مجال صناعة الصواريخ والطائرات المسيّرة


«حماس» تتهم «الموساد» وكاتس يتوعد
أعلنت «حماس» عن اغتيال البطش، موضحة أنه «كان من أعضائها وابناً من أبناء الحركة المتميزين والمتفوقين في المجال العلمي». أما رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، فقد اتهم «الموساد» الإسرائيلي باغتيال البطش، في ماليزيا.
إعلان هنية جاء خلال حضوره أمس، برفقة وفد من الحركة مراسم عزاء البطش في مخيم جباليا شمال غزة؛ حيث قال: «طلبنا من الحكومة الماليزية التحقيق في اغتيال البطش وأرسلنا وفداً من حماس للمتابعة». وتابع: «الموساد يغتال علماءنا وينقل المعركة خارج الأراضي المحتلة فتوقيت جريمة اغتيال البطش مقصود والشعب سيظل صامداً».
ورداً على كلام هنية، توعّد وزير الاستخبارات والطاقة الذرية الإسرائيلية، يسرائيل كاتس، اليوم ، قادة الحركة، وتحديداً رئيس مكتبها السياسي.
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن كاتس قوله إنه «إذا نقلت حماس المعركة خارج الحدود لاغتيال ضباط إسرائيليين أو آخرين، فليعلم هنية حينها أن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأنصح السيد هنية أن يتحدّث قليلاً ويَحذّر كثيراً، فنقل المعركة ضد إسرائيل إلى الخارج، سيكون بمثابة اجتياز خط أحمر وحينها سنعود لسياسة الاغتيالات».
كاتس لفت إلى أنه «في حال نفذّت حماس عمليات (ضدّنا) في الخارج، فسوف يتم اغتيال قيادات حماس وأنصحهم بالتفكير ألف مرة قبل تنفيذ تهديداتهم بنقل المعركة إلى الخارج».
وبرغم أنّ الوزير الإسرائيلي اعتبر أن تل أبيب لا تعلّق ولا تتطرّق لمثل هكذا حوادث، قال إنه «من الواضح أنّ الرجل الذي تم اغتياله ليس صديقاً عظيماً بالنسبة إلينا، ولا يوجد لدى المواطنين الإسرائيليين أي سبب للبكاء وذرف الدموع عليه، فحركة حماس جزء من محور الشر الإيراني في المنطقة، والعديد من العناصر في هذه المنطقة، وليس فقط إسرائيل، لها مصلحة في الإضرار بقدراتها».
ولفت كاتس إلى أنه بحسب التقارير المنشورة حول البطش، فإنه كان يعمل في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة في ماليزيا، وأضاف أن «هناك (في ماليزيا) جهات وعناصر تعمل على تدريب وتأهيل أنفسها والآخرين... نفهم أننا نعيش في عالم معقّد»، في إشارة إلى كون ماليزيا ليست عدواً لإسرائيل.