بغض النظر عما ستؤول إليه المفاوضات بين إسرائيل وقطاع غزة، فإن الأكيد أن تل أبيب اضطرت إلى التراجع عن شعارات وضوابط في التعامل مع فصائل المقاومة في القطاع، وأجرت «مفاوضات تحت النار» بهدف تفادي التدحرج نحو مواجهة عسكرية واسعة لا يريدها الطرفان، كلٌّ لأسبابه، على الأقل في هذه المرحلة. وهو ما أثار ردود فعل سلبية من اليمين المتطرف، حذرت من تداعيات هذا الخيار، ومن تشكل «حزب الله» آخر على الحدود الجنوبية.

المحطة ــــ المنعطف في المسار التصاعدي لتبادل النيران تَمثّلت في «يوم الأرض» الذي كان يستعد له الطرفان على أساس أشدّ السيناريوات، إلا أن المناسبة التي اقترنت بالذكرى السنوية الأولى لـ«مسيرات العودة» مرّت من دون الانفجار الذي حرص الطرفان على تجنبه، على رغم سقوط خمسة صواريخ مساء أمس في محيط مستوطنة أشكول. وفي هذا الإطار، حذرت صحيفة «معاريف» من أن النيران «ما زالت قابلة للاشتعال... وعلينا تحييدها خلال الأيام القليلة المقبلة».
لم يكن خضوع نتنياهو لمنطق المفاوضات، بعد إطلاق صواريخ إلى منطقة غوش دان وشمال تل أبيب، إلا نتيجة تقدير مفاده أن أي مواجهة ستتدحرج إلى قصف مكثف للعمق الإسرائيلي، وهو ما سيضع إسرائيل أمام خيارات مكلفة جداً على المستويات السياسية والأمنية والردعية والبشرية كافة. ومشكلة مؤسسة القرار في تل أبيب أن حركة «حماس»، ومعها بقية فصائل المقاومة، أدركت هذا القيد جيداً، وهو ما برز في موقف بنيامين نتنياهو الذي أدلى به خلال حديث إلى المراسلين، حيث قال إنه «غير معني بالدخول في حرب مع غزة، إذا كنت أعلم أنه في نهايتها سنعود بالضبط إلى النقطة نفسها، ولكن فقط مع مزيد من سفك الدماء». وتختصر العبارات التي أوردها رئيس وزراء العدو المعادلة التي فرضت عليه البحث عن خيارات بديلة من المواجهة، حتى لو كان الثمن أن يتعرض لانتقادات من قِبَل اليمين الإسرائيلي.
ويعود ذلك إلى تسليمه بأنه سيفشل في محاولة ردع المقاومة وفرض إملاءاته عليها، وأن المقاومة ستردّ على اعتداءاته في العمق الإسرائيلي، مع كل ما سيترتب على ذلك من تداعيات ردعية وانتخابية أيضاً، وإلا فإنه سيضطر إلى خيار العملية البرية التي ستكون مكلفة جداً ومجهولة الآفاق. وهو ما سيورط إسرائيل في مستنقع يتحول إلى استنزاف دموي. وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة «هآرتس»، عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تقديرها أن «التحركات العسكرية قد استنفدت، وأنه ليس هناك سبب لخوض حرب في قطاع غزة». ولفتت أيضاً إلى أن «حماس كانت مُحرَجة أمام الوسطاء المصريين بعد إطلاق الصواريخ إلى غوش دان وشمال تل أبيب، وأن الحركة توصلت إلى قرار بضرورة بذل كل ما في وسعها لتحقيق الهدوء والاستقرار لسلطتها».

ليبرمان: الحكومة الإسرائيلية خائفة وغير قادرة على اتخاذ أي قرار


ومع أن مستوطني غلاف غزة لن يكونوا راضين عن أي حلول ظرفية، إلا أن نتنياهو يدرك أن الجمهور الإسرائيلي الواسع سيكون مرتاحاً لقرار عدم التورط في مواجهة واسعة مع القطاع. كما أن هذا الخيار يحظى بدعم المؤسسة العسكرية والاستخبارية التي تتبنى أولوية تجنب المواجهة العسكرية المفتوحة، وهو دعم يبدو رئيس الحكومة أحوج ما يكون إليه في ظلّ ما يواجهه من تحديات داخلية لأسباب انتخابية. ويهمّ نتنياهو، أيضاً، أن تجرى الانتخابات في جوّ من الهدوء بدلاً من مواجهة عسكرية تتساقط فيها الدماء والصواريخ، وهو ما استطاعت المقاومة استثماره جيداً، وكان لها دورها الإضافي في تشديد قيود صانع القرار في الردّ على الصواريخ. وفي هذا السياق، اعتبرت صحيفة «معاريف» أنه «لمصلحتنا جميعاً ألا تجرى هذه الانتخابات تحت نار عدو صغير وضعيف مثل حماس، أو أعداء أقوياء أكثر مثل حزب الله وإيران»، مستدركة بأنه «بعد الانتخابات، سيكون مطلوباً من المستويين السياسي والعسكري التعمّق في ما حصل لاستخلاص العبر، وكيف يحدث أن حماس غيّرت، عشية الانتخابات، جدول الأعمال الإسرائيلي، سواء عن قصد أو بدونه».
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد اعتبرت أن مراحل تطبيق التفاهمات قد تمتدّ لعام كامل، موضحة أن «المرحلة الأولى تبدأ بإيقاف إطلاق البالونات الحارقة والإرباك الليلي والمسيرات البحرية، مع استمرار مسيرات العودة». وذكرت أن الوفد المصري حذّر الفصائل من ردّة فعل القاهرة إذا أُطلقت صواريخ بعيدة المدى تجاه إسرائيل. في المقابل، تعهّدت إسرائيل ــــ وفقاً للصحيفة ــــ بفتح معبرَي كرم أبو سالم وبيت حانون (وهو ما حدث صباح الأحد)، وإدخال وقود لإعادة تفعيل مولّدات الكهرباء، وتصليح المولّدات التي تضرّرت خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى زيادة ضخّ المياه إلى القطاع، وإعادة تشغيل خط 161 الذي سيضاعف كمية الكهرباء. وأشارت الصحيفة، أيضاً، إلى أن قطر ستحوّل مساعدات تُقدّر بثلاثين مليون دولار شهرياً خلال الأشهر الستة المقبلة، في حين سيسمح الاحتلال بتصدير البضائع الغزّية إلى الأسواق في الضفة الغربية وإسرائيل وأوروبا، وتوسعة مجال الصيد إلى ما بين 12 و15ميلاً بحرياً. مع ذلك، حذرت «يديعوت أحرونوت»، في موضع آخر، من أنه لا توجد ضمانة بأن ما نجح الآن سينجح بالضرورة في المرة المقبلة. ونبهت إلى أن ما جرى ينطوي على رسالة الى السلطة الفلسطينية بأنه يمكن تحقيق إنجازات في مواجهة إسرائيل، عبر العنف أو التهديد بالعنف.
أمام هذه الوقائع، لم يجد نتنياهو مفرّاً من مواجهة انتقادات اليمين المتطرف، الذي رأى في ما جرى خضوعاً أمام حركة «حماس»، في مقابل مواقف من اليسار الذي أثنى على إظهار رئيس الحكومة المزيد من الحذر في تفعيل القوة. واعتراضاً على سعي نتنياهو للتوصل إلى تفاهمات مع قطاع غزة، بدأ رئيس اليمين الجديد، نفتالي بينت، بالتحرك المضاد، فاتهم الأول بالتفرد في اتخاذ القرارات في إدارة المواجهة مع «حماس»، طالباً من المستشار القضائي إلزام نتنياهو بعقد اجتماع للمجلس الوزاري المصغر. وعلى طريق الاستثمار الانتخابي، توجّه بينت برسالة صوتية إلى سكان مستوطنات غلاف غزة، في أعقاب إطلاق خمس صواريخ مساء أمس، تعهد فيها بأنه سيطرح معاناتهم على المجلس، وببذل كل الجهود لإعادة الهدوء إلى هذه المنطقة، و«هزيمة حركة حماس». وفي السياق نفسه، اعتبر رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، أن «ما جرى الليلة على حدود قطاع غزة مع مئات العبوات التي رميت على السياج الحدودي هو عار لدولة إسرائيل. الحكومة الإسرائيلية خائفة وغير قادرة على اتخاذ أي قرار». وتعهد أيضاً بعدم الانضمام إلى الحكومة في حال استمرارها في «دفع أتاوة إلى منظمة إرهابية». ورأى أنه إذا استمرت إسرائيل في الرضوخ، فإنها ستجد نفسها إزاء «حزب الله» إضافي على حدودنا الجنوبية.