غزة | لا تحتفظ والدة الشهيدَين، إبراهيم ومروان المصري، باللحظات الأولى لفراق ولدَيها فحسب، إنما تعيشها واقعاً، حتّى في أجواء العيد، ولا سيّما أنهما رحلا خلال أيام عيد الفطر. يومها، كانت قد غادرت البيت، وتوجّهت إلى سوق مدينة بيت حانون، لكي تشتري ملابس العيد لإبراهيم. وكان من المفترض أن يتكفّل زوجها بمهمّة «كسوة» عمران، بعد الإفطار. تقول الأم المكلومة: «كان إبراهيم صديقي، لحق بي وأنا في طريقي إلى السوق، فطلبْت منه أن يعود، فكان قدره ينتظره». وتُكمل: «ما زلت أشعر بأنني في حلم، السنوات التي قضاها إبراهيم وعمران في حضني قصيرة، وحادثة استشهادهما سريعة، ووداعهما سريعٌ أيضاً، كلّ شيء مضى بلمح البصر». وتضيف: «حتى هذه اللحظة، أشعر بأن إبراهيم وعمران سيعودان إلى بيتي، يطرقان الباب، ويدخلان».

علاء أبو حطب، الناجي الوحيد من مجزرةٍ قضى فيها عشرة أقارب من عائلتَي أبو حطب والحديدي، منعته أجواء الفَقد من شراء ملابس العيد والألعاب لطفلته ماريا، الناجية الوحيدة من عائلته. ومع ذلك، تَعيّن عليه أن يجهّز قدراً كبيراً من القهوة، ليستقبل المعزّين في صبيحة أوّل أيّام عيد الأضحى. فهذه العائلة، التي قُصف منزلها في مخيّم الشاطئ، تستقبل أجواء العيد بحسرة مضاعفة، كونها كانت قد فقدت أطفالها في ثاني أيام عيد الفطر، أثناء تجمّعهم مع أطفال آخرين للعب، في ظلّ محاولة ذويهم جعلهم يتجاوزون ظروف العدوان. يستذكر أبو حطب تفاصيل تلك الليلة جيداً. بعد منتصف الليل تحديداً، كان أربعة أطفال من عائلة الحديدي برفقة والدتهم، في زيارة لأقاربهم من عائلة أبو حطب. يقول علاء: «يومها، جمعْنا الأطفال مع ذويهم، لكي نوفّر لهم أجواء اللعب التي تنسيهم أهوال الحرب، وبعد منتصف الليل، خرجْت من المنزل لأشتري لهم العشاء، وبعد لحظات من خروجي، دوّت انفجارات هائلة في المنطقة». ويتابع: «عدت، وكنت أظنّ بأن الانفجار في بيت جيراننا، ولكن فوجئت بأن قنابل الطائرات سقطت على منزلنا بالكامل». وينهي حديثه قائلاً: «قضى كلّ مَن كان في المنزل، وهم عشرة أشخاص، كان بينهم ثمانية أطفال وسيّدتان شقيقتان، وبقيت أنا برفقة الصغيرة ماريا». لا يفكّر الرجل وابنته الوحيدة في زيارة قبور عائلته في أوّل أيّام العيد، مشيراً إلى أنه سيؤجّل هذه المهمّة الثقيلة على نفسه إلى اليوم الثالث.

إلى جانب عائلات الشهداء تعيش الأُسَر التي دُمِّرت منازلها أجواءً مماثلة


أمّا علاء أبو العوف، الذي فقد 14 شخصاً من عائلته، من بينهم زوجته وابنتاه، في مجزرة شارع الوِحدة، فقد قرّر أن يقضي صبيحة أوّل أيّام العيد في زيارة قبور عائلته. يقول الرجل: «لا أجد مكاناً آخر يؤنس وحشتي اليوم، سوى أن أكون قريباً منهم». يسرح أبو العوف بعيداً، أثناء حديثه في منزله المدمَّر، ويقول: «كُنّا في صبيحة يوم العيد نحافظ على أجوائنا الخاصة: صلاة العيد، ثم ذبح الأضحية، ثمّ خلافات العائلة الدافئة، بين من تَحب أن تأكل من كبد الأضحية، ومن لا تُطيق رائحة طهوها، ثمّ العيديّة، ثمّ رحلة توزيع حصص الأضاحي على الأقارب». ويتابع الرجل، وقد امتلأت عيناه بالدموع: «كلّ شيء أصبح ذكرى... الله يرحمهم ويصبرنا بعدهم».
إلى جانب عائلات الشهداء، تعيش الأُسَر التي دُمِّرت منازلها أجواءً مماثلة، فـ»المنزل في غزة وطن، وطن الذكريات، والتفاصيل الدافئة»، كما يقول محمد المدهون. ويضيف: «على باب البيت، كُنّا نجهّز كلّ عام مكاناً نذبح فيه الأضحية، وأمام المنزل يتجمّع شباب العائلة قبل التوجّه في جماعات لزيارة الأقارب والأرحام». أمّا اليوم، فتعيش عائلة المدهون، المكوّنة من سبعة أفراد، في منزل استأجرته. ويقول الشاب العشريني: «سيمرّ العيد غريباً، ليس لأنّ منزلنا قد دُمّر فقط، ولكن لأن آفاق إعادة الإعمار تبدو غائبة». تشاؤم المدهون مردّه مماطلة إسرائيل. فملفّ إعادة إعمار القطاع بالذات، يتأثّر باشتراطات هذه الأخيرة تقديم المقاومة تنازلات في ملفّ الجنود الأسرى، والدخول في تفاهمات هدنة طويلة الأمد، في مقابل تخفيف الحصار، وهو ما ترفضه المقاومة بشكل قاطع.