لم تَعُد حركة «فتح»، بعد قيادتها السلطة الفلسطينية، كما كانت قبلها؛ إذ باتت أطرها جميعاً مرتبطة بوجود السلطة التي تربط التنظيم بالرواتب والمناصب التي توزّعها على قياداتها. ومنذ بداية تأسيس السلطة، عيّنت «فتح» الآلاف من عناصرها في الأجهزة الأمنية والوزارات المدنية، لتتحوّل الرواتب التي يتقاضونها إلى طوق يمنعهم من الإفلات من توجّهات قيادة الحركة التي كرّست على مدار سنوات مبدأ الفصل من التنظيم وقطع الرواتب على هذا الأساس. إلّا أن أسلوب الابتزاز الذي يتعرّض له «الفتحاويون» جعل شريحة واسعة منهم ترفض توجّهات الرئيس محمود عباس، لتتشكّل تيّارات عدّة داخل الحركة أبرزها تيّار محمد دحلان الذي وفّر رواتب لعناصره الذين قُطعت رواتبهم من قِبَل السلطة، بتمويل من دولة الإمارات، وبدأ بمناكفة الحركة الأمّ التي يمثّلها «المجلس المركزي».

ويقول قيادي بارز في «فتح» فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«الأخبار»، إن «جميع عناصر حركة فتح ينتمون إلى مشروع مقاومة الاحتلال، والكثير منهم يرفضون توجّهات الرئيس محمود عباس التي أفرغت الحركة من مضمونها الحقيقي بمواجهة الاحتلال، إلا أنهم يخشون إبراز معارضتهم علانية خشية من قطع رواتبهم التي تُصرَف لهم في الوظيفة العمومية». ويعتقد أن «القاعدة الشعبية لحركة فتح هي الأوسع في الشارع الفلسطيني، إلّا أنها تتضاءل مع استمرار فشل الرئيس عباس في الحياة السياسية، وعدم قدرته على تلبية طموح أبناء الشعب الفلسطيني». ويلفت إلى «التشدّد الحاصل في فرض عقوبات ضدّ المعارضين داخلياً، حيث بات لا يُسمح لأحد بقول رأيه صراحة طالما يتعارض مع رؤية عباس، وقد حصل ذلك في الكثير من المؤتمرات الداخلية للحركة والانتخابات المناطقية، ومن يتحدّث يتمّ طحنه في التنظيم، وتوقف وزارة المالية راتبه بأمر من جهات أمنية». وبحسب القيادي في «فتح»، فقد فصلت السلطة، خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، الآلاف من عناصر الحركة، وأوقفت رواتبهم بتهم عدة، وفق تقارير يقدّمها جهازا المخابرات العامة والأمن الوقائي في الضفة إلى عباس، بالأسماء وأسباب الفصل التي تُراوح ما بين «التجنّح داخل الحركة»، وهو مصطلح يطلَق على من يعارضون سياسة الرئيس، أو التعاون مع المقاومة.

زادت حدّة التوجّهات القمعية داخل «فتح» بعد فصل محمد دحلان من الحركة نهاية عام 2011


وزادت حدّة التوجّهات القمعية داخل «فتح» بعد فصل محمد دحلان من الحركة نهاية عام 2011، وتمثّل آخر تجلّياتها في فصل ناصر القدوة الذي قرّر خوض الانتخابات مع مروان البرغوثي عبر قائمة منفصلة عن قائمة «اللجنة المركزية». وفي وقت يشهد فيه تنظيم «فتح» في قطاع غزة حالة ركود كبيرة، لا يزال عناصر «فتحاويون» كثيرون مرتبطين به بحكم الراتب الذي يُصرف لهم، وخشية من قطعه بتقارير كيدية، كما حصل مع الكثير مِمّن عملوا مع المقاومة في غزة أو جنحوا إلى تيّار دحلان. ويرى عناصر الحركة في القطاع أنهم وقعوا ضحية الانقسام الفلسطيني، وتخلّي قيادة السلطة عنهم عقب سيطرة «حماس» على غزة عام 2007، توازياً مع تهديدهم بشكل دائم بقطع رواتبهم في حال لم ينفّذوا ما يُطلب منهم، بما في ذلك جمع معلومات أمنية عن المقاومة. واعتقلت الأجهزة الأمنية في غزة العشرات من هؤلاء خلال السنوات العشر الماضية، بعد اكتشافها جمعَهم معلومات عن المقاومة لمصلحة السلطة.