وفي السياق، تلفت مجلة «فورين أفيرز» الأميركية إلى أنّ ما يحدث في الشرق الأوسط، اليوم، ليس حدثاً منعزلاً، ولا «مجرد جولة أخرى من الأعمال العدائية»، بل إنّ ما بدأ في تشرين الأول الماضي، هو حدث «متعدد الأبعاد، وذو نطاق أكبر من أي شيء وقع في القرن الحادي والعشرين». ويعتقد أصحاب هذا الرأي أنّ «الحدث» المشار إليه يشكل «نهاية عصر ذهبي دام خمسة عقود لإسرائيل، تمتعت خلاله واحة الحرية بسيادة استراتيجية ضد قوى الاستبداد والتعصب التي تحيط بها»، على حدّ تعبيرهم، كما أنه يمثل نهاية «عصر ذهبي يهودي دام لثمانية عقود، ساهم فيه الشعور بالذنب الجماعي، في ما يتعلق بـ(الهولوكوست)، في تقييد وقمع معاداة السامية». كذلك، هو يمثل «نهاية العصر الذهبي الأميركي وحقبة السلام الأميركي (باكس أمريكانا) الذي دام لثمانية عقود أيضاً، ومنح العالم الاستقرار النسبي والازدهار والحرية والهدوء». ويخلص هؤلاء إلى حقيقة مفادها أنه بالنسبة لإسرائيل وحلفائها، «ومن نواح عديدة، فإنّ العالم يسير إلى الوراء»؛ إذ يخوض الإسرائيليون حرباً لم يخوضوا مثلها منذ عام 1948، فيما «الشتات اليهودي تعرض لهزة بسبب تفشي الكراهية، لم يواجه مثلها منذ (الهولوكوست)».
وفي الوقت نفسه، يواجه الأميركيون، من جهتهم، تحدياً مشابهاً للذي واجهه الرئيسان الأميركيان الأسبقان، فرانكلين روزفلت وهاري ترومان، في الأربعينيات. وعليه، يرى أصحاب الرأي المتقدم، أنّ السبيل الوحيد لـ«تدارك» الواقع الحالي، هو وضع الولايات المتحدة، إيران، نصب عينها وردعها، مشيرين إلى أنّه «على الأولى أن تعترف بحقيقة بسيطة، مفادها أنّ المرشد الأعلى في إيران لن يتوقف، طالما أنه يعتقد أن التاريخ، فضلاً عن روسيا والصين، إلى جانبه». وبالتالي، لا يمكن للأميركيين العيش في «عزلة مريحة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ»، أو «تجاهل» التطورات الخطيرة التي تغير العالم بسرعة، في وقت يواجه فيه الإطار الذي «حقق استقرار النظام العالمي» بعد عام 1945 ثمّ عام 1990، «تهديداً جديداً». وفي حين يعكس «الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022»، ثم «توغل (حماس) في إسرائيل عام 2023»، بعضاً من أوجه هذا التهديد، ففي حال «لم يتبنّ الغرب بسرعة سياسة واقعية وحازمة، فقد يتحقق التهديد الثالث، عندما تجري إيران أول تجربة لسلاح نووي، أو عندما تتفوق الصواريخ الإيرانية على جميع الدفاعات الجوية، وتنهال صواريخها كالمطر على تل أبيب أو دبي». وعليه، يدعو هؤلاء واشنطن إلى «البدء بحشد عسكري واستراتيجي هائل»، وردع إيران، بأي وسيلة ممكنة، بما يشمل أيضاً «الدعم المالي والأخلاق والسياسي» لمعارضي النظام في إيران، جنباً إلى جنب تطبيق القرارين 1559 و1701 في لبنان، لردع حزب الله. لكن في المقابل، على إسرائيل أن «تعيد بناء مرونتها الوطنية الشاملة، وتدمج نفسها بالكامل في العالم الحر»، باعتبار أنّ ائتلاف نتنياهو اليميني «لم يعزز الدولة اليهودية»، بل أضعفها، بعدما «أهدر الموارد الوطنية في بناء المستوطنات والانخراط في استفزازات غير ضرورية»، وأضعف مؤسسات الدولة، وقسم المجتمع، وساهم في تآكل الجيش والشرعية الدولية للصهيونية، بدلاً من الاستثمار في العلوم والتعليم والتماسك الداخلي.
من جهتها، ترى مجلة «ناشونيل إنترست» الأميركية أنّ العام الذي انقضى، فرض حقيقة أساسية جديدة، مفادها أنّه «على إسرائيل أن ترسم طريقاً جديداً للمضي قدماً»، إذ لم يعد اعتمادها التقليدي على القوة العسكرية والدعم الغربي واستغلال الانقسامات بين الخصوم الإقليميين كافياً لـ«ضمان أمنها وازدهارها على المدى الطويل». ويلفت تقرير نشرته المجلة إلى أنّ الانقسامات داخل «المجتمع الإسرائيلي»، والتي كانت واضحة بالفعل قبل الحرب، قد تفاقمت عقبها، بعدما أدى سوء تعامل حكومة نتنياهو مع هجوم السابع من أكتوبر، واستراتيجيتها في زمن الحرب، ومجموعة من القضايا الأخرى، إلى احتجاجات جماهيرية ودعوات إلى إجراء انتخابات جديدة، «وكشفت عن مجتمع يكافح من أجل الحفاظ على التماسك، حتى في وقت يتزايد فيه التهديد الخارجي عليه». ويردف التقرير أنّ الانقسام بين خصوم إسرائيل الإقليميين قد تراجع أيضاً، كما أدت الحرب في غزة إلى «تآكل ملحوظ في الدعم لإسرائيل داخل شرائح رئيسية من المجتمع الأميركي وفي أوروبا». كذلك، قضت الحرب، طبقاً للتقرير، على استراتيجية نتنياهو المتمثلة في استقطاب الاستثمارات والمصالح، لاسيما من الخليج، لتطبيق «شعاره المفضل: السلام الاقتصادي»، والذي أثبتت الأحداث، طوال العام الماضي، محدوديته، «من دون حل للقضية الفلسطينية»، وأنّه «خطاب استراتيجي محفوف بالمخاطر، سيتم استغلاله دائماً من قبل لاعبين مثل إيران ووكلائها»، في حال عدم تأمين «الحل» المشار إليه. ويختم التقرير بالإشارة إلى أنّ عدم أخذ إسرائيل لتلك المخاطر بالاعتبار، وتبنيها استراتيجية «استمرار المواجهة»، وطرد الفلسطينيين قسراً من غزة والضفة الغربية المحتلة، ينطوي على «مخاطر هائلة» إضافية، تشمل «انهيار الأردن، وصولاً إلى انهيار اتفاق التطبيع مع مصر بعد أربعين عاماً»، جنباً إلى جنب إشعال حرب إقليمية أوسع، لاسيما مع تزايد التوترات بين إيران وإسرائيل.
وبالحديث عن تلك التوترات، وبعدما أصبحت الولايات المتحدة، أخيراً، «أكثر وضوحاً» في ما يتعلق بدعم إسرائيل لتحقيق أهدافها، ضدّ حزب الله وإيران، متأثرةً، على ما يبدو، بـ«النشوة» الإسرائيلية عقب تسجيل إسرائيل لبعض «النقاط الموضعية» في حربها، يبدو أنّ خطر توسع الحرب مع إيران، والذي سيجر انخراطاً أوسع لواشنطن في المنطقة، قد بدأ يثير مخاوف بعض صناع السياسة في الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن أربعة مسؤولين أميركيين قولهم إنّ إدارة جو بايدن أصبحت، في الأسابيع الأخيرة، «غير واثقة بشكل متزايد مما تقوله الحكومة الإسرائيلية، عن خططها العسكرية والديبلوماسية في الحرب متعددة الجبهات التي تخوضها»، لاسيما وسط «التحضيرات» الإسرائيلية للرد على إيران. ونقل الموقع عن مسؤولَين أميركيين قولهما إنّ مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، أبلغ وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، أن الولايات المتحدة تتوقع «وضوحاً وشفافية» من ناحية إسرائيل، بشأن خططها للرد على إيران، باعتبار أن هذا الرد ستكون له «تداعيات على القوات والمصالح الأميركية في المنطقة».

