يحيى دبوق

يمكن القول، ابتداءً، أن مناورة جونيبر كوبرا، الإسرائيلية الأميركية المشتركة، بحسب سياقها وسيناريوهات الحرب المتطرفة التي تحاكيها من ناحية فعلية، إنها غير متعلقة بلبنان. وذلك رغم التشديد الإسرائيلي على أنها تحاكي تعرض إسرائيل لهجمات صاروخية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وعلى ارتفاعات متباينة، من إيران وسوريا ولبنان، بل أيضاً، من قطاع غزة. تعتبر هذه المناورة هي الخامسة من نوعها، في سياق التدريبات الإسرائيلية الأميركية المشتركة، التي تجري كل عامين، إلا أنها شهدت استثماراً إعلامياً كبيراً هذا العام، قياساً باستثمارات إعلامية منخفضة للأعوام السابقة، ويبدو أن الإسرائيليين يريدون أن تمتد فوائد المناورة لتصل إلى وعي أعدائهم مباشرة، وجميع الأعداء دفعة واحدة، أملاً في تعزيز الردع الإسرائيلي حيالهم، أو إيجاد
في الوقت نفسه، لا يمكن الإنكار أن جونيبر كوبرا، تزيد من قدرة الدولة العبرية على فهم أعمق لمخاطر وتهديدات ماثلة أمام إسرائيل، سواء أكانت من ساحات قريبة، مثل لبنان ــــ حزب الله، أو قطاع غزة أو حيال السوريين، وأكثر تحديداً لأخطار ساحات بعيدة، مثل إيران. لا يمكن الإنكار أيضاً، أن هذه المناورات تزيد من فهم إسرائيل لإمكاناتها الدفاعية وحدود هذه الإمكانات، حيال ما يملكه الأعداء من قدرات، بعض منها يتراكم يوماً إثر يوم.
تفيد مناورة جونيبر كوبرا، أيضاً، في أنها تتيح لإسرائيل أن تلائم جبهتها الداخلية، قدر الاستطاعة العملية، للحد من خسائر بشرية ومادية مقدر أن تدفعها في مواجهة سيناريوهات حرب متطرفة، ومع الإيرانيين تحديداً، استناداً إلى موضوع المناورة وما يتوافر من وسائل قتالية ودفاعية موضوعة في تصرّف المناورين.
في الوقت نفسه، وفي نظرة من زاوية مختلفة للمشهد الإسرائيلي، يمكن الإشارة إلى أن المناورة تشهد على تراجع إسرائيلي إلى الخلف، وابتعاداً عن نظرية الأمن القومي لإسرائيل. لا ينكر الإسرائيليون أن طبيعة حروبهم شهدت تغيرات، قياساً بالحروب الإسرائيلية السابقة، ما أدى إلى إيجاد هوة بين النظرية الأمنية الإسرائيلية التقليدية، وواقع التحديات المستجد، ليس أقلها قصور هذه النظرية عن تحصين الجبهة الداخلية ومنع إشراكها مباشرة في الحرب، إذ حوّلت الإمكانات الصاروخية لأعداء إسرائيل، الجبهة الخلفية الإسرائيلية إلى جبهة أمامية، وباعتبارها الخاصرة الرخوة للإسرائيليين، فإن على الجيش الإسرائيلي أن ينهي وينتصر في حروبه المستقبلية بسرعة كبيرة جداً، وهو ما يعجز عنه في ظل موازين القوى القائمة مع أعدائه، ما يدفعه إلى منع أسباب الحرب من خلال العمل على تعزيز الردع والتهويل والوعيد باستهداف المدنيين وغيرها.
جملة من بنود نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، ونظرية قتال الجيش الإسرائيلي، لم تعد ذات صلة أو تجدي نفعاً في إيصال إسرائيل إلى النصر في حروبها، يعود ذلك التغير في طبيعة الحرب، وإلى الإمكانيات الإسرائيلية نفسها، التي لا يمكن أن تتلاءم مع التغيرات... وتمثّل المناورة الحالية، الدفاعية في طبيعتها، دليلاً إضافياً على هذا الواقع.


قصور النظرية الأمنية لإسرائيل وتراجع جيشها من الهجوم الإحباطي إلى الدفاع السلبي

رغم اجتهاد إسرائيل في تصوير المناورة باعتبارها تأتي ضمن سلسلة الردود الإسرائيلية لمواجهة الأخطار والتهديدات المتنوعة، إلا أنها تشير أيضاً إلى قصور اليد عن تفعيل النظريات الأمنية الإسرائيلية، التي طالما استخدمتها إسرائيل في حروبها مع أعدائها، بمعنى أن إسرائيل تقر من خلال المناورة الحالية بأنها تراجعت إلى الخلف، من الموقع الهجومي الإيجابي الذي اعتادت عليه تاريخياً، إلى الموقع الدفاعي السلبي، الذي بدوره لا تقدر عليه منفردة، بل تحتاج إلى معونة ومساعدة أميركية، أملاً في تحقيقه.
تشير الأحاديث الإسرائيلية في سياق المناورة، إلى وجود استهدافات إسرائيلية غير مادية، حرصت على إظهارها تصريحات مسؤولي إسرائيل وتعليقات محلليها ومراسليها العسكريين. وبحسب التلفزيون الإسرائيلي، فإن «إسرائيل لا تعتمد على المساعدة الأميركية في حال هاجمها أعداؤها، لأنها أقامت منظومة دفاعية قادرة على مواجهة الأخطار في محيطنا(!)، لكن رغم ذلك تتضمن المناورة رسالة واضحة للمنطقة ومن فيها، بأن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب إسرائيل إذا تقرر مهاجمتها، بل من يريد للصواريخ أن تسقط على إسرائيل، فعليه أن يعلم مسبقاً أنه سيصيب الجنود الأميركيين الذين سيكونون هنا، وهذا يمثّل جزءاً من الردع الإسرائيلي».
يذكّر حديث التلفزيون الإسرائيلي، بمناورة النظام العراقي السابق، قبل حرب الخليج الأولى عام 1990، إذ جمع صدام حسين في حينه عدداً كبيراً من الغربيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، واستخدمهم دروعاً بشرية في محاولة لمنع الأميركيين من شن غارات على أهداف محددة في العراق. لا يعني أن الإسرائيليين سيستخدمون الجنود الأميركيين دروعاً بشرية، إلا أن ما يدفع الإسرائيليين لحديث مشابه، يشير إلى المستوى الذي وصلت إليه إسرائيل في سعيها وراء ردع أعدائها، وكأن من يريد أن يطلق الصواريخ على إسرائيل رداً على اعتداءاتها، سيهتم كثيراً بمن سيصاب في معسكرات إسرائيل وقواعدها العسكرية، التي تنطلق منها هذه الاعتداءات، وخاصة إذا استهدفت إسرائيل المدنيين، بموجب «عقيدة الضاحية» التي تعد اللبنانيين بها.