على هامش إلقاء رئيس الجمهورية ميشال عون كلمته في الجمعية العمومية للأمم المتحدة (الأربعاء 26 أيلول) في نيويورك، التقى وزير الخارجية جبران باسيل في ممشى المبنى الزجاجي نظيره السعودي عادل الجبير، ودار بينهما حوار قصير ذو مغزى.

سأله الجبير بعد مصافحة نادراً ما اتسمت بالتحبب: ما أخبار الحكومة؟

الحريري عالق بين التمسّك بالشراكة مع رئيس الجمهورية والتصرّف على أنه محرج بحلفائه (دالاتي ونهرا)

ردّ باسيل: لم تتألف بعد. الحال مش ماشي.
سأله: لماذا؟
اجاب: لأنني وسعد (الحريري) أصحاب، أصدّقه. لكن لا أحد سواي يصدّقه. كثيرون في لبنان يعتقدون أنكم وراء تأخير تأليفها.
قال الجبير: لا علاقة لنا. نحن لا نتدخّل في تأليف الحكومة.
ردّ: الناس الذين يخصونكم يطالبون بما ليس لهم حق فيه. يتصرّفون باستقواء.
نفى الوزير السعودي وكرّر: نحن لا نتدخّل.
قبل الذهاب إلى نيويورك وبعد العودة منها، يتعذّر التوصل إلى مخارج لمأزق التأليف، بما في ذلك الرئيس المكلف سعد الحريري المعنيّ بهذه المهمة، إذ يراكم يوماً بعد آخر أسباباً تلو أخرى للتعثر.
ليس في الفريق الرئاسي المفاوض مَن يعتقد أن الرجل يكظم سوء نية لإطالة أمد التكليف عبثاً، أو يتعمّد سعيداً بإهدار الوقت كرئيس مكلف، أو يحاول «ابتزاز» التفاوض لانتزاع مزيد من المكاسب، بل أكد الرئيس المكلف في اللقاءين غير المعلنين في 22 أيلول استمرار الاتفاق مع رئيس الجمهورية: اتفقنا على أن نتفق، ونظل شركاء. جلّ ما في الأمر أنه بكّر في إرباك خياراته، وإحراج نفسه أمام عون في ما بعد، منذ الأسبوع الأول للتكليف: وعد النائب السابق وليد جنبلاط بثلاثة مقاعد، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بالحصة التي طالب بها، وهي أربعة مقاعد. كان جواب مفاوضه في الفريق الرئاسي حينذاك أن المقعد الرابع يسدّده الحريري من حصته.
عندما سلّم إلى رئيس الجمهورية في 3 أيلول مسودته للحكومة، بعدما اطلع عليها باسيل لساعات خلت، قال الحريري إنه انتزع من جعجع تنازلاً بتقليص حصته من خمسة وزراء إلى أربعة، وأقنعه بالتخلي عن نيابة رئاسة الحكومة والحقيبة السيادية. بالتأكيد، كان ردّ فعل رئيس الجمهورية سلبياً برفض المسودة تلك. لم يسع الرئيس المكلف سوى أن يقسم أن لا تدخّل سعودياً يعرقل التأليف، وأنه يكفل عدم استخدام جنبلاط الميثاقية لتعطيل جلسات مجلس الوزراء متى أُعطي المقاعد الدرزية.
ما بات يحوط بمأزق التأليف الآن بضعة معطيات:
1 - لا يقود عون معركة توزير النائب طلال أرسلان بالذات، ولا الاشتباك الدائر حول المقعد الدرزي الثالث ينحصر بالاسم وصاحبه بالذات، بل معركة كسر احتكار فريق سياسي واحد تمثيل طائفة برمتها، وإن كان هو الأكثر تمثيلاً فيها. في الأسابيع الأولى للتكليف، قبل أربعة أشهر، ناقش باسيل مع أرسلان توزيره، وخلصا إلى أنه ربما كان من غير الملائم وصوله شخصياً إلى هذا المنصب، لكنه سيتمثّل حتماً كرئيس كتلة نيابية.
2 - في مسودته، أعطى الحريري جنبلاط مقعدين بحقيبتين، على أن يكون الثالث في حصة الرئيس المكلف، وجعجع أربعة مقاعد بأربع حقائب. برّر الإكثار من الحقائب لجعجع بأنها من حصته هو. كان الجواب أنه عندما يمنح الرئيس المكلف فريقاً حصة تفوق الحصة الموجودة في حوزته هو، فذلك يدلّ على أنه يمنحها لهذا الفريق من كيس سواه. إذ تبعاً لفحوى مداولات سابقة بين الفريق الرئاسي المفاوض والحريري بمنح الكتل الرئيسية في البرلمان مقاعدها وفق قاعدة النسبية، ما دام الاتفاق على التوزير يأخذ في الاعتبار معياراً رئيسياً هو نتائج الانتخابات النيابية، يفضي توزيع الحصص إلى المعادلة الآتية:
• التيار الوطني الحر وحلفاؤه (29 نائباً بينهم حزب الطاشناق وأرسلان): 6 وزراء.
• ثنائي حزب الله - حركة أمل وحلفاؤه (30 نائباً بينهم 17 نائباً في كتلة الرئيس نبيه برّي و13 نائباً في كتلة حزب الله): 6 وزراء.
• تيار المستقبل (20 نائباً): رئيس مجلس الوزراء + 4 وزراء، مع أن الرئيس المكلف بسبب تفرّق النواب السنّة العشرة خارج تيار المستقبل يطلب الحصول على المقاعد السنّية الستة. في أحسن الأحوال سيبقى واحد منها منفصلاً عنه.
• حزب القوات اللبنانية (15 نائباً): 3 وزراء.
• الحزب التقدمي الاشتراكي (9 نواب): وزيران.
• تيار المردة (4 نواب): وزير واحد.
إلى هؤلاء كتلة رئيس الجمهورية خمسة وزراء على غرار العدد الذي له في حكومة تصريف الأعمال الحالية.
يخشى الحريري من وصف الغرب حكومته بأنها «حكومة حزب الله» من دون القوات اللبنانية


3 - في صلب الذريعة التي يتسلح بها في مراعاة القوات اللبنانية وإرضائها، من غير أن يربط بينها وحليفها الإقليمي الرياض، وبإزاء استمرار تصلب جعجع الذي يصعد إلى خمسة مقاعد ويهبط إلى أربعة تبعاً لسياق التفاوض، قول الحريري إنه لا يسعه تأليف حكومة لا تنضم إليها القوات اللبنانية. في ظنه أنها ستصدم الغرب والمجتمع الدولي المهتم، وتثير ريبته، وتجعله يعتقد أنها «حكومة حزب الله» فحسب. مع ذلك، ذكّره مفاوضه بالدور السلبي الذي اضطلع به جعجع إبان أزمته في الرياض في 4 تشرين الثاني 2017، واحتجازه في فندق هناك إلى حين عودته إلى لبنان في 22 تشرين الثاني، والقطيعة التامة التي ضربت علاقته بجعجع طوال أشهر قبل حمله على مصالحته في 17 أيار 2018. ذكّره أيضاً بأن رئيس حزب القوات اللبنانية كان أكثر المتحمسين للاستقالة التي أُرغِم الحريري عليها، وقال على إثر إعلانها إنه تأخر كثيراً فيها.
4 - يأخذ الفريق الرئاسي المفاوض على الحريري خطأ التقدير. وضع مسوَّدة حكومة فيها كل ما لا يوافق عليه رئيس الجمهورية بإزاء حصتَي جنبلاط وجعجع مقاعد وحقائب. تالياً، يلاحظ هذا الفريق أنه يُخلّ بالاتفاق المبرم منذ عام 2016 من خلال مقاربة متنافرة: يتمسّك بالشراكة مع رئيس الجمهورية ويكرّر تعهّده هذا أمامه، وفي الوقت نفسه يتصرّف على أنه محرج بحليفيه ولا يسعه التخلي عنهما أو إهمال شروطهما. إحدى الحجج التي سمعها الرئيس المكلف من وزير الخارجية قوله له: لا يسعك أن تأخذ منا لتعطي خصومنا الذين هم أيضاً، وفي الأساس، خصومك وكانوا شركاء في التخلص منك.
بذلك يقارب الفريق الرئاسي المفاوض جانباً مهماً في تعذّر تأليف الحكومة، مفاده أن المشكلة مع الحريري تكاد تكون سياسية، أكثر منها خلافاً على توزيع مقاعد وحقائب.