لا تزال نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة تقلق الإدارة الأميركية، ولا سيّما مع محاولاتها الدائمة نزع الشرعية الشعبية والرسميّة عن حزب الله وحصاره اقتصادياً وتأليب اللبنانيين ضده. وعليه، فإن انعكاس نتائج هذه الانتخابات ــــ التي حقّق فيها تحالف المقاومة تقدّماً ملحوظاً بفعل قانون الانتخابات النسبي الذي عكس، إلى حد كبير، حقيقة التمثيل في الشارع ــــ على الحكومة المقبلة، ممنوع أميركياً أو على الأقل غير مرغوب فيه. وعلى ما كشف أكثر من موقف لموفدين أميركيين إلى لبنان، فإن أي اختلال في ميزان القوى داخل الحكومة، سيكون بمثابة ذريعة للأميركيين لتحميل لبنان الرسمي عواقب هذه التحوّلات، في حملة ضغوط وتهويل تطاول أوّلاً الرئيس المكلّف سعد الحريري وثانياً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر. وهذا التهويل، لا ينتج شيئاً، سوى التعطيل الفعلي لتأليف الحكومة، من خلفية رفض توزير حلفاء الحزب، في مسعىً واضح لمنع حزب الله من تحقيق مكسب سياسي معنوي يضاف إلى مكسب نتائج الانتخابات النيابية.

وفيما يتحايل محمّلو حزب الله مسؤولية التعطيل على الحقيقة، لا يخفي الموفدون الأميركيون موقف إدارتهم الواضح، ويجاهرون به أمام اللبنانيين، عن ضرورة منع حزب الله من الحصول على المكاسب السياسية.
في الأسبوعين الأخيرين، شكلت زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون بلاد الشام جويل رايبرن للبنان، النموذج الأوضح عن هذه العرقلة المقصودة لعمليّة التأليف. وتكشف تفاصيل «غداء عمل» عقده رايبرن مع عدد من النّواب اللبنانيين وممثلي الكتل النيابية الأبرز في أحد مطاعم بيروت، فضلاً عن اجتماعه مع الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عن أن الدور الأميركي هو السبب الأول لتحويل الحريري قضية تمثيل النّواب السنة من خارج كتلة المستقبل في الحكومة المقبلة، إلى أزمة مستعصية. وما الحديث عن أن حزب الله اخترع هذه العقدة بغية العرقلة، سوى تمويه عن السبب الحقيقي لتعنّت الحريري.

شدّد رايبرن على أن بلاده لا ترغب في حصول حزب الله وحلفائه على حصّة وازنة في الحكومة


أكثر من مصدر مشارك في غداء العمل، أكّد لـ«الأخبار» أن رايبرن، تناول في حديثه خمس نقاط أساسية، تتركّز في معظمها على انتقاد حزب الله. أوّلاً، عاد رايبرن إلى انتقاد دور حزب الله في الإقليم ومشاركته في الحرب ضد التكفيريين في سوريا، معتبراً أن هذا الدور حمّل لبنان أعباءً. ثانياً، ذكّر بالعقوبات التي فرضتها بلاده، وتلك التي ستفرض على الحزب في المستقبل، وأن أي شخصية قريبة من الحزب وتتعاون معه، بمعزل عن موقعها، ستكون عرضةً للعقوبات. ثالثاً، شدّد رايبرن على أن الولايات المتحّدة الأميركية لا ترغب في حصول حزب الله وحلفائه على حصّة وازنة في الحكومة المقبلة، بما يظهر وكأن الحزب حصل على مكسب سياسي، معتبراً أن أي تغيير في ميزان القوى الحالي لمصلحة حزب الله وحلفائه، سيكون له تبعات مستقبلية على لبنان، كون الولايات المتحدة تعمل على تقليص نفوذ حزب الله. رابعاً، دخل رايبرن في تفصيل حصول حزب الله على حقيبة وزارة الصحة، معتبراً أنها «مكافأة»، مؤكّداً أن أميركا لن تتعامل مع الوزارة إذا كانت من حصة الحزب، وأن حصول الحزب على هذه الوزارة الوازنة سيسمح له بمدّ شبكة تواصل واسعة مع معظم اللبنانيين لما لهذه الوزارة من أهمية، وأن الوزارة تسمح للحزب بالحصول على مصادر تمويل، في ظلّ المسعى الأميركي لـ«تجفيف منابع» دعم الحزب المالية وإطباق الحصار الاقتصادي عليه. خامساً، كرّر الموفد الأميركي أمام الحاضرين أهمية دور الجيش اللبناني بالنسبة إلى الولايات المتحدة المتحدة، وأنها مستمرة بدعمه.



السفيرة الأميركية: حزب الله ليس المعرقل!
السفيرة الأميركية في بيروت، إليزابيت ريتشارد، رافقت زميلها جويل رايبرن في الكثير من لقاءاته. هي تكرر كلامه، لكنها في الكثير من لقاءاتها «تلبننت إلى حدّ بعيد»، بحسب ما يصفها بعض من يلتقون بها. فهي تعبّر عن موقفها بصورة أقل حدة من زملائها. وفي بعض اللقاءات مع مسؤولين لبنانيين، تتجاوز حدود مهماتها الدبلوماسية، لتدلي بمعلومات «يجب عليها ألا تقولها». وقبل أيام، التقت بمسؤولين لبنانيين، وكان النقاش متمحوراً حول تأليف الحكومة. وعندما قال أحد ضيوفها اللبنانيين إن حزب الله يعرقل تأليف الحكومة، فاجأت محدّثيها بالقول: «لا، ليس حزب الله هو المعرقل». فسألها الحاضرون عن هوية مَن يمنع التأليف، فأجابت: «لن أسمّي المعرقل، لكنه ليس حزب الله»!