رئيس الحكومة اللبنانية رفض استقبال وزير خارجية فنزويلا خورخي أرياسا في بيروت أوّل من أمس! لماذا يا ترى؟ هل هو آت إلينا من تل أبيب مثلاً؟ بماذا أخطأ الرئيس مادورو مع لبنان؟ هل باع القدس لبني صهيون؟ هل يريد أن يهدي غازنا لاسرائيل؟ هل استدرج الشيخ سعد إلى كاراكاس واحتجزه وأهانه؟ أما وزير خارجيّة لبنان فكان أكثر شجاعة. لقد استقبل رسول الثورة البوليفارية، لكن… على استحياء. لقد بدا جبران باسيل «متلبكاً» بضيفه إلى درجة أنّّه تركه يتحدث إلى الصحافة وحده، كالمتسوّل على باب الوزارة. ما سرّ خجل معاليه؟ ورأينا منابر اعلامية، وسمعنا أصواتاً متفرّقة، تتبرّع بتحذير أقطاب الحكم في لبنان، من مغبّة التمادي في اغضاب فرسان «الديمقراطية» في العالم - ترامب وبولتون وإليوت أبرامز - وإلا نال لبنان «القصاص» الذي يستحقّه. قصاص؟ خافوا ربّكم، لم نعد نحتمل. ألم تفهموا بعد أن الخلاص الوحيد لوطن العسل والبخور هو في… النأي بالنفس؟

أباطرة النظام المتخلّف يَجمعون بين المقاولات والسياسة، ويراكمون الأزمات والديون، ويحطمون الأرقام القياسيّة في الهدر والفساد، ويتاجرون بالعصبيّات مقوّضين أسس المواطنة، ويُمعنون في استعباد الناس، ويساومون على المصالح العليا من أجل ثرواتهم وزعاماتهم، ويجرّون البلد وأهله بخطىً واثقة إلى الهاوية. ولفرط وطنيّتهم، وشدّة غيرتهم على الشعب، يجمعون على ضرورة البقاء على الحياد حين تعصف رياح التاريخ ببلدهم ومنطقتهم. لقد تلاعبوا ليس فقط بالمؤسسات والقوانين والرعايا المطيعة، بل حتّى بالمنطق. بتواطؤ جزء من الاعلام، جعلوا من العمالة «مقاومة»، ومن التبعيّة الرخيصة مشروعاً «وطنيّاً»، ومن الخيانة الموصوفة خياراً «سياديّاً». وجاءت بدعة «النأي بالنفس» لتتوّج أدبيّاتنا، لتختزل البؤس المدقع الذي تتخبّط فيه الحياة الفكريّة والسياسية في لبنان اليوم.
كم على المرء أن يكون ساذجاً، أو جاهلاً، أو مقيماً خارج المكان والزمان، كي يفعل مثل «الخواجه» الذي أقفل على نفسه أبواب شقته الوثيرة، وجلس بكل طمأنينة متلفعاً بـ«الروب دو شامبر» الحرير، محاطاً بأثاث صالونه الـ Louis XV، فيما جيرانه «الأوباش» في الشقق الأخرى يتعرّضون للسرقة والاعتداء؟ أما حارس العمارة الذي أقنع «المسيو» ألا يُخرج الطبنجة القديمة من الخزانة، أو يتصل بالشرطة على الأقل - فيما كل المؤشرات تقول إنّه الضحيّة التالية - فلا بد أنّه «حليف موضوعي» لعصابة اللصوص. كيف لبلد سيادته مهدّدة، وثرواته مباحة، وعزّته مستباحة، والدول الغربيّة تريد أن تصادر قراره وثرواته، ومصالحه الاستراتيجيّة معرّضة لأطماع العدو الاستيطاني الرابض على أبوابه، وطاعون التكفير يحاصره بل يعشش في زواياه المظلمة، وأمم الأرض تريد أن تدجّن مقاومته، وأهله يتعرّضون للعدوان والاحتلال والقتل تماماً مثل إخوتهم في الجوار، كيف لمثل هذا البلد أن يتفرّج على المأساة ببرود وتجرّد، أو أن يصم أذنيه، ويدفن رأسه في الوحل؟ هل يمتلك خياراً آخر، إلا أن يكون طرفاً في كل الصراعات الوجوديّة والمعارك المصيريّة التي ستحدد مستقبل المنطقة، وتنعكس على حياته وسعادته، على حقوقه وحريّته؟
ومع ذلك، تعالوا نحاول موقتاً أن نؤمن بالتعاويذ السحريّة. ففي زمن الأزمات الكبرى يسود الوعي الغيبي وينتشر، تماماً مثلما تنفلت الغرائز والأهواء والعصبيات من عقالها. فلنسلّم جدلاً أن لبنان بلد «قوّته في ضعفه»، وأن من الأفضل له أن «يبعد عن الشرّ ويغنّي له»، كي ينفذ بريشه من الزلزال الذي يضرب المنطقة. طيب، كل هؤلاء الفنانين والاعلاميين والسياسيين الذين وقفوا كالمهرجين المنتهية صلاحيتهم حول معلّمهم في «مهرجان طنطورة» السعودي، نافشين ريشهم كأنّهم في Bayreuth أو «بعلبك» أو «قرطاج»… هل كانوا نائين بأنفسهم؟ ماذا كانوا يفعلون في ضيافة نظام ظلامي، يضطهد الموالين قبل المعارضين ويقطّعهم، ويسجن المناضلات ويعذّبهن؟ والأخطر من ذلك: يصدّر الارهاب والظلامية والتطرّف إلى ربوعنا، ويسفح الحقوق العربية والفلسطينية قرباناً على مذبح العدو الصهيوني؟ طيب بلاش. لنسامح موقتاً «طناطير» البخاري، لعلّهم يظنّون عن طيب قلب، أنّهم حجوا إلى «جمهورية فايمار» العربيّة، «بؤرة النهضة، وآخر حصون الدفاع عن العروبة وفلسطين». ماذا نقول عن «طراطير» مايك بومبيو؟ أين كان النأي بالنفس حين رقص كل هؤلاء كالقرَدة، قبل أيام في لبنان، حول مائدة وزير خارجيّة الدولة التي تحمي «اسرائيل» وتستميت في الدفاع عن «حقوقها»، وترعى التكفير، وتكرّس اغتصاب القدس، وتشطب الجولان عن الخريطة العربية… وتضع ثقلها لفرض «صفقة القرن»؟ صفقة - إذا لم يتم اسقاطها بالقوّة - ستمحو نهائيّاً الطريق إلى فلسطين.
بومبيو هذا، اتصل أمس بالحريري مطمئنّاً على دولته. ما هذا الشرف! ما سرّ الاهتمام المؤثّر بـ«قلب» الشيخ سعد؟ في الحقيقة هنّأه، كما يفعل الأستاذ مع تلامذته الشطار، على فعله البطولي، إذ أغلق أبواب السراي بوجه وزير خارجيّة فنزويلا. لنا أن نلاحظ كم أن الشيخ سعد «ناء بنفسه». والله لو أن أسياده أرسلوا له الانقلابي خوان غوايدو، رجل أميركا الذي يسعى الى اغتصاب الشرعيّة في كاراكاس، لشبك معه على الدبكة في باحة «بيت الوسط»! لو أن «سياديي» التنك صادقون مع انفسهم بالحد الأدنى، لاحترموا الأعراف الديبلوماسية، وراعوا التقاليد الدولية، وكرامة لبنان، ورفضوا أن يخضعوا لإملاءات الولايات المتحدة، وأن يلعبوا دور الانكشاريّة في حروبها الاستعمارية. ولتعاملوا باحترام وسيادية مع وزير خارجية دولة صديقة، لم تعتدِ على لبنان، ولم تقف ضد مصالحه، ولم تتواطأ مع أعدائه وقتلة أبنائه. نفكّر هنا في «الغيارى» على مصالح اللبنانيين المقيمين في السعودية، إذ يحاولون، بحجة حماية أهلهم، منع أي نقد لبؤرة التعصّب التي تعيق تقدّم العالمين العربي والاسلامي. كيف اختفت مشاعرهم الوطنيّة فجأة، ونسوا أن في فنزويلا جالية لبنانية تضم قرابة نصف مليون رجل وامرأة؟
لم نكن لنطلب من حكامنا أكثر من «النأي بالنفس». لم نكن لنطلب من أصحاب الأصوات الناشزة من «اعلاميين» و«خبراء استراتيجيين»، غربان الرجعيات الخليجيّة، ومرتزقة أميركا، أكثر من احترام المبادئ السيادية التي يدّعون، ليل نهار، الدفاع عنها. لكن في العمق، يجب أن نذكّرهم أن أصحاب القضايا الوطنية العادلة، ودعاة السيادة، من الصعب أن يكونوا حياديين أمام عدوان ادارة ترامب السافر على الحكم الشرعي في فنزويلا. نحيلهم إلى مقرّر الامم المتحدة السابق لحقوق الانسان. لقد استعمل ألفريد دي زاياس عبارة «جريمة ضد الانسانيّة» لتوصيف محاولات خنق فنزويلا اقتصاديّاً منذ 2015، وتجويع الشعب، وحصار الثورة البوليفارية اقتصاديّاً، من أجل تأليب الشعب، واسقاط الحكم الحالي، والاستيلاء على أكبر احتياطات النفط في العالم. الأمر الذي لا يخجل من المجاهرة به بولتون وزمرته. إن العدوان الذي تتعرّض له فنزويلا، هو العدوان نفسه الذي تشنّه الولايات المتحدة على الشعوب العربية، على فلسطين ولبنان. ما يجعل شعوبنا في خندق واحد ضد «الاستكبار» الأميركي.
حين يناسبها فقط، تتدخل أميركا في العالم، باسم «الديمقراطية» (تلك التي يمثّلها إليوت أبرامز، راعي الديكتاتوريات والمرتزقة، خير تمثيل)، فلا تخلّف إلا الخراب والانهيار والحروب الاهليّة، ومزيداً من الفقر والتبعية. لكن أبطال «سيادستان» عندنا، ينظرون بالمقلوب إلى حركة التاريخ: كان يجب أن يستقبلوا خورخي أرياسا على الراحات، على قاب قوسين من القدس العربية، ويطردوا مايك بومبيو بقرع الطناجر، وبـ«يافطات» كتب عليها YANKEE GO HOME، فيهرع عائداً إلى تل أبيب!