يُعَدّ قطاع الاتصالات، «بقرة حلوب» بالنسبة إلى الدولة والشركات الخاصة. الأولى، تُريده مادّة لتمويل الخزينة، من دون الاستثمار به كما يجب، ومن دون اعتباره خدمة للسكان، بل «مورد ربح». أما القطاع الخاص، فهمّه زيادة أرباحه، مُستفيداً من بنية القطاع العام التحتية. مشروع الـ«SIM 24»، لشركة «InMobiles»، لا يشذّ عن هذه القاعدة. فالأخيرة ستأخذ حصة من بطاقات «ألفا» و«تاتش» وتوزعهما مجاناً على السُّياح الداخلين إلى لبنان، وستحصل على 50% من الأرباح بدل «تشريج» الشريحة. وزارة الاتصالات موافقة على المشروع، إلا أنّ اعتراض محمد زيدان عليه، أدّى إلى توقيفه… حتى الساعة.

في قاعة الوصول داخل مطار بيروت الدولي، تشغل «ألفا» و«تاتش» مساحتين، تبيعان فيهما شرائح الهاتف الخلوي (SIM card). وتُقدّم «تاتش» باقة خاصة بالسُّياح، تمتد لأسبوعين قابلة للتجديد، تتضمن 100 دقيقة اتصال و100 رسالة قصيرة و10 جيغابايت من الإنترنت، بكلفة 39 دولاراً. أما «ألفا»، فتُقدّم خط «ألفا 365»، لمدة أسبوع صالحة للتجديد، مع 30 دقيقة اتصال و100 رسالة قصيرة و2 جيغابايت، بكلفة 15 دولاراً. الوافد الأجنبي، الذي لا يريد أن يستخدم شريحة بلاده في لبنان، هرباً من تكبّد أكلافٍ عالية لقاء تشغيل خدمة الـ«رومينغ» (التجوال الدولي)، ولكنه في الوقت نفسه بحاجةٍ إلى خطّ محلي، سيكون مُضطراً إلى شراء شريحة وتعبئتها مرّة أو أكثر بالرصيد اللازم. إلا أنّ شركة «InMobiles» قرّرت «التوفير» على الأجنبي/ الزبون لشركتَي الاتصالات، وطوّرت برنامجاً لتوزيع شرائح الهاتف مجاناً للقادمين إلى بيروت، يُطلق عليه تسمية «SIM 24». يُستثنى من الاستفادة من الخدمة المغترب اللبناني أو من يملك إقامة دائمة في لبنان. وهي تُقدّم للأجانب (أكان سائحاً أم يدخل إلى لبنان في زيارة عمل) على نقطة الأمن العام، بعد خَتم جوازات السفر. في الشريحة 5 دقائق اتصال، 5 رسائل قصيرة، و10 ميغابايت. وحين يُغادر الزائر الذي فعّل الخطّ، تُلغى الشريحة تلقائياً.
الفكرة تعود إلى عام 2017، يوم كان جمال الجراح وزيراً للاتصالات. ما إن انتشر الخبر بين المعنيين في قطاع الاتصالات، حتى برزت الاعتراضات عليه. كرّ وفرّ مستمران من حينه، بين «InMobiles» من جهة، وقوى عدّة تحمل راية «المعارضة» للمشروع الجديد. الملاحظات التي يُقدّمها المعترضون تنقسم إلى ثلاثة أقسام. السبب الأول أنّ الـ«SIM 24» تُمثل استمرارية لعقلية الشراكة غير المتكافئة بين القطاعين العام والخاص، وجني أرباح كثيرة على حساب الخزينة العامة. فالخدمة الجديدة، ستُصبح «شريكة» للدولة بالنصف، ومن دون مناقصة، في قطاع يُعَدّ مصدراً أساسياً لتمويل الخزينة. يوضح وزير الاتصالات محمد شقير لـ«الأخبار» أنّ الدولة «ستحصل على نسبة 50% لقاء «تشريج» الخطّ مرة واحدة، أما في المرات اللاحقة، فتُصبح كامل إيرادات تعبئة الرصيد لمصلحة الخزينة العامة». علماً أنّ مسؤولاً في «InMobiles»، يقول إنّ «حصتنا من تعبئة الرصيد، لمرة واحدة، هي 40٪». هذا التضارب في معلومة يُفترض بها أن تكون واضحة للجميع، لا يلغي أنّ الدولة، عبر شركتَي «ألفا» و«تاتش»، ستخسر جزءاً من الواردات التي كانت تُحصّلها من بيع الخطوط الهاتفية و«تشريج» الرصيد، ومن الذين يستخدمون خدمة التجوال الدولي (رومينغ) في لبنان. لذلك، تقول مصادر مطلعة على قطاع الاتصالات إنّه «إذا كان الهدف تشجيع السياحة، يُمكن الوزارة المعنية وضع كشك وتوزيع البطاقات».

التجار يعترضون
الاعتراض الثاني يأتي من تجار الخلوي وشركات الاتصالات، الذين خُلق لهم فجأة «مُنافس» سيأكل معهم من ذات صحن توزيع البطاقات. «قلة المساواة»، التي يشكو منها الموزعون، تكمن في أنّه يجري إدخال «InMobiles» إلى السوق، وتقديم «كوتا» كبيرة لها من حصة التوزيع الموجودة حالياً، بما يؤثر سلباً في بقية التجار. فبحسب نقيب تجار الخلوي وشركات الاتصالات في لبنان، علي فتوني، «نالت InMobiles حصة من الخطوط بقيمة مليون دولار من كلّ شركة. تسلّمت منها كعينة 60 ألف خط مُقسمة بالتساوي بين «ألفا» و«تاتش»». والمخاوف تكمن في أن تكون هذه البداية، قبل تثبيت حصة للشركة الخاصة، قابلة للارتفاع حتى ولو تسلّم الوافد الأجنبي الشريحة من دون استخدامها»، يقول فتوني. يرى البعض أنّ الحملة التي تشنّها النقابة على «InMobiles» لا علاقة لها بالنقاش حول الخدمة وفائدتها، بل في «الدفاع» عن مكتسبات الموزعين. يردّ فتوني بـ«انّنا لا نمنع أحداً من دخول السوق، شرط تطبيق ذات شروط التوزيع علينا وعليه. لو دخلت «InMobiles» بحصة صغيرة ثم أخذت تكبر، لم نكن لنُعارض». يُذكر أنّ العمولة التي ينالها الموزعون بدل كلّ «تشريجة» هي 3%، في حين أنّ الشركة الجديدة ستنال 50% بدل «التشريجة الأولى».

نالت «InMobiles» حصة من البطاقات بقيمة مليون دولار من كلّ من الشركتين


أما العقبة الثالثة، فقانونية تتعلق بتشغيل السوق الحرّة في مطار رفيق الحريري. «صاحب الفضل» في توقيف الخدمة (حتى الساعة)، ليس وزارة الاتصالات، ولا الضغوط الممارسة من الموزعين، بل بسبب رئيس مجلس إدارة الشركة المُشغلة للسوق الحرة (باك)، محمد زيدان. تتفاوت المعلومات بين من يقول إنّ الخلاف بين شركتَي «باك» و«InMobiles» يدور حول الحصّة التي يطلبها زيدان لقاء قبوله توزيع شرائح الهاتف داخل المطار، وبين من يتهم رجل الأعمال بأنّه يريد من شركتَي الاتصالات أن تُسلّمه مهمة التوزيع. إلا أنّ زيدان يوضح لـ«الأخبار» أنّه عرض على الدولة توزيع شرائح الهاتف في المطار، إذا كانت تريد تنفيذ المشروع، نافياً وجود مفاوضات مع «InMobiles» حول حصة من الأرباح. حجّة زيدان تأتي من عقد تشغيل المنطقة الحرّة الذي فاز على أساسه بالمناقصة، «ويمنحني حصرية البيع والشراء داخل المطار… وإلا يجب تعديل شروط العقد». وبحسب معلومات «الأخبار»، طلب شقير من «ألفا» و«تاتش» التواصل مع «InMobiles»، لدراسة الرسالة التي بعث بها زيدان إلى الشركتين والوزارة، ويؤكد فيها الحصرية الممنوحة له للعمل في السوق الحرة. وقد أرسلت «InMobiles» إلى شركتَي الهاتف مطالعة قانونية، لمحاججة زيدان، تدور حول فكرة أنّ التقديمات للوافدين لا تمسّ بحقوق «باك»، استناداً إلى أنّ عقد الأخيرة محصور بإدارة المساحات واستثمارها، داخل المطار، المُخصصة للبيع بالمفرق. وتُضيف مطالعة «InMobiles» أنّ كونتوارات الأمن العام، حيث ستُوزع بطاقات الـ«SIM 24»، لا تدخل ضمن نطاق «سلطة» شركة زيدان. كذلك لا يُمكن تصنيف هذا العمل في خانة «التجارة»، بما أنّ «ألفا» و«تاتش» لا تُقدّمان الخدمة في الأسواق.
الفارق بين «بيع» و«توزيع» سيكون محلّ نقاش، خاصة أنّه يوجد رأي تجاري يرى أنّه «حتى ولو لم تقبض الشركة ثمن البطاقات من المسافرين، ولكنها بحجة التوزيع، تحصل على امتيازات، وتُنافس محلات موجودة أصلاً، وتُقاسم الدولة بأرباحها من «التشريج» اللاحق». كذلك فإنّ الشركة ستنال أفضلية على شركات التوزيع، لأن من سيتولى إعطاء الشريحة «المجانية» للسُّياح الوافدين ليس سوى عناصر الأمن العام الذين يختمون جواز السفر.
منذ الـ2017، والـ«SIM 24» تواجه العراقيل، التي شملت أيضاً الشركتين المُشغلتين للهاتف. فهي مقابل الموافقة التي نالتها من «ألفا»، تأخّر الاتفاق مع «تاتش»، مع انتشار معلومات عن أنّ «إحدى الشركات المنافسة لـ«InMobiles»، حاولت الضغط على «تاتش» من أجل عرقلة المشروع، الذي يجري إيقافه للمرة الثالثة». ثغرات المشروع عديدة، واحدة منها هي عقد تشغيله. يقول فتوني إنّ العقد بدايةً «كان ينصّ على أن تحصل الشركة على نسبة 50% من الأرباح كلّما شُرّج الخطّ، لغاية ستة أشهر. أما في الستة أشهر اللاحقة، فتنخفض النسبة إلى 15%». بداية عهد شقير، أُرسل كتاب إلى «ألفا» و«تاتش» لبدء اختبار الـ«SIM 24». يُخبر فتوني أنّه زار الوزير، «موضحاً له التفاصيل، فأوقف المشروع، ليعود بعد فترة، ويقول إنّه أجرى تعديلاً على العقد، ليُصبح تقاسم الأرباح مناصفة في تشريجة واحدة فقط». لكنّ فتوني يؤكد أنّه «لم يصل حتى الساعة أي قرار بالتعديل إلى شركتي الاتصالات. ثانياً، مع احترامي لمعاليه، إذا كانت الشركة بالكاد وافقت مسبقاً على الصيغة الأولى، فلماذا قبلت بالتعديل؟ كيف ستجني أرباحاً؟».

«لا للمناقصة»!
من جهتها، تبدأ «InMobiles» ردّها برفض مبدأ الخضوع لمناقصة، «هذا منتج نحن اخترعناه. يُمكن أن تختار الدولة توزيع بطاقات مجاناً، ولكن هذه التقنية ملكنا». أما بالنسبة إلى المشكلة مع موزعي الخلوي «فنحن لا ننافسهم، على العكس. فنحن لأننا لا نبيع الدقائق، نكون قد خلقنا لهم شريحة جديدة من المشتركين التي ستشتري بطاقات «التشريج» منهم. وفي مشروعنا، نحن من نتحمل نتائج الخسارة، على عكسهم». ينفي المسؤول في «InMobiles» أي تعديل في العقد، «منذ البداية كانت الصيغة 40٪ لقاء تشريجة واحدة. إذا فعّل الشريحة ما بين الـ5 و10٪ من الأشخاص الذين حصلوا عليها، يكون الربح 200 ألف دولار فقط». ويتحدث المسؤول عن كلفة تبلغ الدولارين «بدل طباعة كل بطاقة والتعليب والتوصيل إلى المطار». لذلك، يبدو مستغرباً أن تقوم شركة خاصة، تبغي الربح، بالاستثمار بمشروع كلّفها الكثير، لتكون النتيجة أنّه بالكاد «يردّ حقه»، خاصة أنّها «مثابرة» على العمل لتخطّي العقوبات التي تواجهها، ووضعه في الخدمة.

ينفي زيدان وجود مفاوضات مع «InMobiles» حول حصة من الأرباح

يُدافع المسؤول عن مشروعه، مُقدّماً إياه كـ«خدمة» للبلد، أكثر منه مشروعاً للاستفادة المادية! يستند إلى تجربته المشابهة في دبي، مع شركة «دو» للاتصالات، حيث يحصل على 35% من الأرباح، ليردّ الاتهامات عنه، ذاكراً أنّ الشركة بصدد إطلاق المشروع أيضاً في بلدانٍ أخرى. ولكن، بحسب عاملين في القطاع، «لا تجوز المقارنة بين نموذجين مختلفين. شبكة الاتصالات في دبي من مصلحتها أن تقوم بالمشروع، للتسويق لنفسها، ومنافسة شركة اتصالات أبو ظبي. لدى «دو» الإمكانات المادية لتقوم بذلك». كذلك يوجد في دبي «فائض في قدرة التحمّل على الشبكة، بينما نعاني في لبنان من ضغط على الشبكة. ما المصلحة في تقديم شريحة مجاناً لسائح، قد يقوم باستخدام البيانات الموجودة داخل البطاقة، من دون تعبئة الرصيد حين ينتهي، ما يعني زيادة الاختناق على الشبكة، عوض الاستفادة منه كزبون. هذا مشروع من دون فعالية اقتصادية».



شقير: الـ«SIM 24» جيّد «لواجهة البلد»
يصف وزير الاتصالات - رئيس الهيئات الاقتصادية - محمد شقير، مشروع الـ«SIM 24» بأنه «جيد لواجهة البلد. فهو يستهدف زبائن جدداً، نكسب بفضلهم أرباحاً». لماذا عارضته في البداية إذاً؟ يجيب بأنه كان يوجد مشاكل حوله، «وهي احتجاجات من قبل الموزعين الذين كانت لديهم فكرة خاطئة عنه، بأنه كلما «شرّج» المشترك تنال InMobiles حصة 50%». ألم تكن هذه شروط العقد؟ «على إيامي صارت حصة لمرة واحدة». وهو يعتقد أنّ ذلك «عادل، ولا أعرف حتى إن كانوا سيربحون منه، فهم أيضاً يتكبدون كلفة الطباعة والشريحة والخسارة، من دون أن يتحولوا إلى موزعين في السوق... هي كلمة حقّ تُقال». لا جواب لدى الوزير عن السبب الذي قد يدفع شركة تبغي الربح إلى الاستثمار في مشروع إيراداته «قليلة»، ولكن بالنسبة إليه «كوزارة وشركتين لا ندفع فرنكاً... أيّ مشروع يدرّ أرباحاً للشركتين، ولا ضرر منه، سأقوم به»، مُطَمئِناً إلى أنّه «إذا بتبرمي الدني، حقّاوي قدي ما رح تلاقي، لما تعدّلت أول مرة قلت خلص كفاية». النتيجة؟ «المشروع لم يُلغَ ولم يبدأ العمل به. القصة الآن بين محمد زيدان وصاحب الخدمة (InMobiles)».


مشروع عيتاني الجديد!
شركة «InMobiles» هي واحدة من الشركات الثلاث التي تُقدّم خدمات «القيمة المضافة» في قطاع الاتصالات. أسّسها شربل ليطاني وموريس الفرن، قبل أن ينضم إليهما في الـ2010 رجل الأعمال هشام عيتاني. بعدها بسنوات، ضمّت الشركة إليها مجموعة Leap. امتلاك عيتاني 40٪ من أسهم الـ«InMobiles»، كان السبب الرئيسي لوصف الخدمة بأنّها «مشروع عيتاني» الجديد لتسلّم مورد جديدة من موارد الدولة، بعد علامات استفهام عدّة رافقت المناقصات التي فاز بها، إن كان في دفاتر السوق وجوازات السفر البيوماترية والبطاقة الذكية للعمال الأجانب وخدمة «الفايبر أوبتيك»... يقول نقيب تجار الخلوي وشركات الاتصالات في لبنان علي فتوني، إنّ «قمة الفساد أن تُلزَّم مقدرات البلد لشركة واحدة». إلا أنّ «InMobiles» تُدافع عن نفسها، بالقول إنّ عيتاني مُساهم مثله مثل غيره، وهو لا يملك الحصة الأكبر في الشركة، ولا صلاحية له للتوقيع على أي قرار. ولـ«التصديق» على كلامها، تقول إنّ شركة «اينكريبت» للطباعة، التي يملكها عيتاني، لن تطبع بطاقات الـ«SIM 24»، بعد أن «قدّمت السعر الأعلى».