لم تنته فصول محاولات كسر استقلالية إدارة المناقصات وإخضاعها لسيطرة رئيس التفتيش المركزي المباشرة في كل أعمالها، إذ عملت رئاسة مجلس الوزراء على استصدار رأي من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل يمنح رئيس التفتيش صلاحيات «الحرص على تقيّد مدير المناقصات بالقوانين وعدم مخالفتها، ومنها أصول التخاطب مع باقي الإدارات»، وإلا فإنه يحق لرئيس التفتيش «اللجوء إلى العقوبات التأديبية بحق مدير المناقصات».


العلية يخاطب الحكومة!
في 28 أيار 2019، أي بعد سنة على انفجار الصراع على الصلاحيات بين المدير العام لإدارة المناقصات جان العلية ورئيس التفتيش المركزي جورج عطية، طلب المدير العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية من هيئة التشريع والاستشارات إبداء رأيها بأصول التخاطب بين إدارة المناقصات ومقام رئاسة الحكومة. وجرى تضمين الملف مراسلات بشأن مناقصات عمومية تعود إلى عام 2011. وأشار مكية إلى أن مراسلات العلية إلى رئاسة مجلس الوزراء تذهب مباشرة من دون المرور عبر رئاسة التفتيش المركزي. لذا، فإن المطلوب «تحديد الوضع الوظيفي والإداري لرئيس إدارة المناقصات من خلال الآتي:
بيان ما إذا كانت هذه الوحدة من وحدات التفتيش المركزي، وبالتالي ما إذا كان يجوز لرئيسها أن يخاطب مباشرة رئاسة مجلس الوزراء أو أن يحيل إليها أي معاملة من دون المرور عبر رئاسة التفتيش المركزي، وما يمكن اتخاذه من تدابير إدارية في حال إصرار رئيس الإدارة على مخالفة أصول التخاطب الإداري، والجهة الصالحة لاتخاذ هذه التدابير».

تسلسلية محدّدة للسيطرة
بحيثيات مقتضبة، أشارت هيئة التشريع والاستشارات المؤلفة من القاضي محمد فواز ومن رئيس الهيئة بالانتداب القاضي جويل فواز، إلى المادة الثامنة من مرسوم إنشاء التفتيش المركزي التي تفوّض إلى رئيس الهيئة ممارسة الصلاحيات المالية والإدارية ضمن إدارته، وعطفتها على المادة 22 من تنظيم التفتيش المركزي التي تنصّ على أنه «تتولى إدارة المناقصات الأعمال المتعلقة بالمناقصات وفقاً للأحكام القانونية والتنظيمية النافذة ويرأسها موظف من الفئة الأولى».
وخلصت الهيئة إلى الآتي: ”بالاستناد إلى المادتين 8 و 22، فإنه يعود لرئيس هيئة التفتيش المركزي ممارسة صلاحيات الوزير في ما يتعلق بتسيير أعمال الهيئة، كما وفي ما يتعلق بالموظفين كافة، ومن ضمنهم مدير المناقصات، الأمر الذي يقتضي معه توصيف العلاقة بين هذين الأخيرين بعلاقة الرئيس بالمرؤوس بمفهوم نظام الموظفين».
بناء على هذا التأسيس، استرسلت الهيئة في ما يجوز وما لا يجوز للمرؤوس والعقوبات التي يمكن أن تفرض عليه: «لا يمنع التخاطب بشكل مباشر بين مدير المناقصات ومدير عام رئاسة مجلس الوزراء شرط ألا يتم التعرض في هذه المراسلات إلى مبدأ عام». وتعريف المبدأ العام بالنسبة للهيئة أنه: «يتناول كل ما من شأنه التأثير على التوجهات الرئيسية للإدارة المعنية إن لناحية علاقاتها ومصالحها مع أشخاص الحق العام والخاص أو لناحية الالتزامات والمهام الملقاة على عاتق هذه الإدارة في إطار حيز المرفق العام الذي تسيّره».

فروقات في الشكل والمضمون
في الواقع، يشير خبراء في القانون الإداري إلى أن رأي الهيئة أقرب ليكون ”غب الطلب“ منه إلى رأي قانوني قائم على حيثيات صلبة. ففي الشكل، إن الرأي الصادر عن قضاة، يفترض ألا يتضمن أخطاء في التسميات الوظيفية، فهو لا يشير إلى المدير العام لإدارة المناقصات، بل يتحدث عن ”مدير للمناقصات“ كما لو أنه مدير من الفئة الثانية لا من الفئة الأولى. كما يقول مرّة أن العلية خاطب رئاسة مجلس الوزراء، ومرة ثانية يزعم أنه خاطب الحكومة(!) ألا يميّز القضاة بين الحكومة ومجلس الوزراء؟ فإذا كانت هيئة استشارية عليا لا تدرك الفرق بين مفهوم الحكومة ومفهوم مجلس الوزراء، فهل يكون لرأيها قيمة قانونية؟
أما في المضمون، فإنه كان على القضاة التمييز بين هيئة التفتيش وإدارة التفتيش المركزي، علماً بأن رئيس إدارة المناقصات ليس عضواً في هيئة التفتيش، كما أن المادة 22 أناطت موضوع المناقصات حصراً بإدارة المناقصات.
أطرف ما في الأمر أن الهيئة خلصت الى نتيجة أن رئيس التفتيش يفرض على المدير العام العقوبة، إما بناءً على اقتراح المدير العام لإدارة المناقصات، وإما بناءً على اقتراح رئيس التفتيش!

هيئة الاستشارات والتشريع لم تميز بين الحكومة ومجلس الوزراء


واقعياً، جذور هذه الصلاحيات المتنازع عليها لا تتعلق بالشكل، بل بمضمون ممارسة العليّة لصلاحيات المدير العام لإدارة المناقصات واعتراضاته على بنود في دفاتر شروط المناقصات العمومية مخالفة للقانون ولقرارات مجلس الوزراء ذات الصلة وتجرُّئه على توثيق هذا الأمر في مراسلات رسمية. والأمر هنا غير محصور بدفتر شروط واحد، بل بدفاتر عديدة غير مطابقة للشروط القانونية ولقرارات مجلس الوزراء بدأت في 2012 واستمرّت إلى اليوم، ومنها مناقصات جمع ونقل نفايات اتحادات البلديات، ومناقصات لوزارة العمل تتعلق بالبطاقات الممكننة وإلغاء مناقصة تجهيزات المطار بصيغتها الأولى، وصولاً إلى الميكانيك والكهرباء… في كل هذه المناقصات كان العليّة معترضاً على البنود المعلّبة ليصبح عائقاً أمام الصفقات المريبة، وبات «ترويضه» أمراً مطلوباً من أكثر من جهة سياسية.
هكذا وُلد مشروع إخضاع إدارة المناقصات لرئاسة التفتيش المركزي، انطلاقاً من تصحيح أصول التخاطب بين إدارة المناقصات وباقي الإدارات التي يجب أن تمرّ حصراً عبر رئاسة هيئة التفتيش المركزي، وهي بدورها ستقوم بتحديد ما يجوز وما لا يجوز، أي إنها ستصبح حاجزاً أمام الاعتراضات على دفاتر الشروط، وهي التي تفصل في النزاعات المتعلقة بتطبيق القوانين والقرارات الحكومية.
عملياً، منح هذه الصلاحية لرئيس التفتيش جورج عطية، معناه تعطيل دور إدارة المناقصات، تماماً كما يحصل في هيئة التفتيش المركزي المعطلة منذ أشهر طويلة.



جان العليّة هو العائق
في أرشيف إدارة المناقصات آلاف من المراسلات الموجّهة من المدير العام لإدارة المناقصات إلى المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء. كلّها لم يجر الاعتراض عليها، لأن المديرين العامين كانوا «مسالمين». فعلى سبيل المثال، إن إدارة المناقصات راسلت رئاسة مجلس الوزراء في 26 آذار 2009 لتصحيح خطأ في قرار مجلس الوزراء رقم 48، وأحال الأمين العام لمجلس الوزراء المرحوم سهيل بوجي هذه المراسلة إلى المجلس. وبوجي نفسه، كان يراسل إدارة المناقصات في العديد من القضايا المتعلقة بتلزيمات طباعة واشتراكات الجريدة الرسمية وتمديد عقود واعتماد الدعوات المحصورة للمتعهدين… لم يشتك بوجي من المدير العام لإدارة المناقصات بالإنابة شكيب دويك، ولا من المديرة العامة بالإنابة دلال بركات… اشتكى حصراً من جان العلية يوم بدأ يعترض على البنود المخالفة التي يجري تضمينها في دفاتر الشروط، وسار على طريق بوجي اللذان خلفاه فؤاد فليفل ومحمود مكية.