انهمك شبّان منذ ساعات الصباح بوضع مظلات وسط ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) للوقاية من الأمطار التي كانت زخّات منها قد بدأت بالهطول فجراً، «خشية أن يتعرّض المعتصمون في الساحة لنزلات برد لأن الطقس سيكون ماطراً حسب نشرات الطقس»، يقول عمر، الشاب الناشط في الحراك. ساعات قليلة وكانت مساحة واسعة من الساحة قد غُطّيت بمظلات تجمّع تحتها عشرات المعتصمين.

أسبوع مضى على اعتصام المحتجّين في السّاحة من غير أن تفتر همتهم أو تقلّ حماستهم أو تبدو عليهم علامات الكلل. «من تعب 30 سنة، لن يتعبه أسبوع أو شهر»، يقول محمود مشيراً إلى «أننا اعتصمنا مرات كتيرة تحت المطر خلال اعتصامات 14 آذار... كنت مع تيار المستقبل وتركت». آخرون في الاعتصام أيضاً كانوا من مؤيدي التيار الأزرق، و«تركناه بسبب عدم صدقيتهم»، يقول خالد القادم من محلة باب الرمل في طرابلس، ويسأل: «كيف تمكّن الرئيس سعد الحريري بسحر ساحر من خفض عجز الخزينة خلال 72 ساعة من 7 في المئة إلى أقل من واحد في المئة. لماذا لم يفعل ذلك سابقاً، ومن يضمن أنه سيلتزم بما يقول؟».
التوافد إلى ساحة الاعتصام لم تخفّ وتيرته رغم الطقس الماطر. وسهّل فتح الطرقات في المناطق المحيطة بطرابلس وصول متظاهرين جدد غالبيتهم من طلاب الجامعة اللبنانية وجامعات أخرى.
يلفت بلال، الشاب الجامعي الذي ينشط بين مجموعات الحراك المدني في الساحة، إلى أن طرابلس «فيها أغنى ناس، لكن أهلها أفقر شعب في لبنان. التوظيفات في المدينة محدودة جداً، والبنى التحتية سيئة، ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية كثيرة. يوجد ألف سبب وسبب تجعل أهل المدينة يخرجون ليعبّروا عن وجعهم والظلم اللاحق بهم».
مؤشرات كثيرة تدلّ على أن المعتصمين لن يتركوا الساحة قريباً. إذ وصلت إلى الساحة أمس شاحنات نقل مكشوفة محمّلة بحمامات جاهزة «بعدما عانى المعتصمون كثيراً في الأيام السابقة»، يقول أحد الشبّان وهو يساعد في إنزالها من الشاحنة. ولدى سؤاله عمن أرسلها للمعتصمين، أجاب: «فاعل خير». وإلى امتلاء جوانب الساحة بعربات باعة العصير والكعك والقهوة وغيرها، وصلت أيضاً وجبات طعام وسندويشات قدّمتها بعض المطاعم التي نُشرت أسماؤها على وسائل التواصل «شكراً لهم على تأييدهم للمعتصمين»، على حدّ تعليق أحد الشبان الذي كان يوزع تفاحاً من شاحنة وصلت إلى الساحة للتو.

توزيع سندويشات وحمّامات جاهزة للساحة من «فاعل خير»


زخم إضافي تلقاه المعتصمون في السّاحة بعدما زارها وفد من رجال دين مسلمين ومسيحيين للتأكيد على وقوفهم إلى جانبهم، من بينهم مشايخ من الطائفة العلوية، بعدما كانت السّاحة قد غصّت بشبّان علويين توافدوا إليها تضامناً مع أهل مدينتهم «لأن مصائب الفقر والتهميش والحرمان تجمعنا»، يقول أحدهم.
المعتصمون في السّاحة لم ينسوا أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يتحمّل الجزء الأكبر من الأزمة الاقتصادية التي يعانونها، بسبب سياسته، فنظموا لليوم الثاني على التوالي مسيرة من السّاحة نحو فرع مصرف لبنان في طرابلس، الذي يبعد عنها أقل من 200 متر، وهم يهتفون ويردّدون: «يسقط يسقط حكم المصرف».