عام 2005 حاز الرئيس نجيب ميقاتي في الاستشارات النيابية الملزمة على 57 صوتاً في ذروة الانقسام بين قوى 8 و14 آذار، وعام 2008 حاز الرئيس فؤاد السنيورة على 68 صوتاً هو العائد لتوّه كما الافرقاء الآخرون من قطر بعدما ابرموا اتفاق الدوحة وفي ظل الانقسام نفسه رغم اجماعهم على بنود الاتفاق وتوقيعها، وعام 2011 حاز ميقاتي على 68 صوتاً حينما قيل انه سيكون رئيس حكومة اللون الواحد. قبل هؤلاء جميعاً، كان صاحب الرقم الادنى تاريخياً هو الرئيس عمر كرامي عام 1990، بأن حاز 31 صوتاً فقط في برلمان كان عدد اعضائه 67 نائباً بفعل تناقصه منذ عام 1976. بذلك يصبح احتساب الارقام والاصوات غير ذي قيمة، في تكليف لا يكتمل الا عندما يتمكن الرئيس المكلف من تأليف الحكومة، المهمة الرئيسية المنوطة به. والواقع ان الرؤساء المكلفين حملة الارقام المتدنية تلك، استطاعت حكوماتهم انجاز اكثر مما كان متوقعاً منها في ظروف بعضها كان استثنائياً، الا انهم غامروا. حكومة كرامي شرّعت العلاقات المميزة اللبنانية - السورية وأخصها المعاهدة وعيّنت النواب، والحكومة الاولى لميقاتي اجرت اول انتخابات نيابية لا دور لدمشق فيها بعد جلاء جيشها فانتقلت الغالبية من فريق الى آخر، وحكومة السنيورة طبقت اتفاق الدوحة الذي حلّ بالممارسة محل اتفاق الطائف ولا تزال بعض اعرافه نافذة.

مع ذلك، ليس قليل الاهمية ان يكون تكليف دياب مشوباً بعيب افتقاره الى غطاء سنّي واسع، وليس كافياً حتماً التعويل على ستة نواب سنّة هم اقرب الى الثنائي الشيعي منهم الى ما بات يُعرف بـ«الشارع السنّي» الذي لم يصبح ذائع الصيت على نحو ما هو عليه، سوى بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. في ذروة صعود الرئيس الراحل، لم يُسمَع معه ومن خلاله عن «شارع سنّي» يُنجده، او يعوّل عليه، او يفتعل به اضطرابات امنية في معرض اعتراضه على واقعة ما. كان رئيس الحكومة الذي لا يُستغنى عنه حينذاك، من غير ان يعدّ نفسه مرة زعيماً اوحد للسنّة، ولا سمحت له دمشق ان يفعل في ظل زعماء المناطق كطرابلس وصيدا وسواهما. مرتان خرج الحريري الاب من السرايا بإرادته، وإن في سياق افتعله ضده خصومه عامي 1998 و2004، من غير ان يحتاج الى استغاثة الشارع السنّي او تحريكه مذهبياً. في المرتين هاتين، اختار المعارضة التي تمهّد لعودته اقوى. تكاد تكون مرة واحدة خاض الحريري معركة سياسية ظاهرها سنّي، بيد ان باطنها سياسي بامتياز، هي انتخابات 2000. اصر على اسقاط رئيس حكومة الانتخابات سليم الحص بأي ثمن، واخذ بجريرته اسقاط تمام سلام، فيما هو من خلال هذه المواجهة لم يكن يحرّض الشارع السنّي مقدار توجيه معركته الحقيقية نحو عهد الرئيس اميل لحود الذي اقصاه عن السرايا قبل سنتين.
في المرتين اللتين خرج فيهما الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة، اشعل الشارع السنّي وراءه. الاولى عندما خسر في استشارات نيابية ملزمة امام ميقاتي بفارق ثمانية اصوات في كانون الثاني 2011، قادته الى تأليب الشارع الطرابلسي ضده. والثانية في اليومين المنصرمين بعيد تكليف حسان دياب تأليف الحكومة وفي الغداة، مع ان الحريري كان اعتذر مرتين على التوالي عن عدم ترؤس الحكومة في 26 تشرين الثاني وفي 18 كانون الاول. الا ان عينه ظلت على السرايا.
ما حدث البارحة اوحى بأنه وجّه اكثر من رسالة، ووضع الاصبع على اكثر من دلالة:
اولاها، بالتزامن مع زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط دافيد هيل لبيروت، ومباشرته محادثاته مع المسؤولين اللبنانيين بمَن فيهم رئيس حكومة تصريف الاعمال، اتت اعمال الشغب في عدد من احياء بيروت وشوارعها كما في بعض مناطق الشمال والبقاع الاوسط امتداداً الى الطريق الساحلية بين بيروت وصيدا، كي تبعث برسالة الى هيل مفادها ان السنّة اللبنانيين يرفضون رئيساً للحكومة وراءه حزب الله. هي ايضاً، في دلالتها، تأكيد على ان هذا الفريق يعارض الحزب ومتأهب لمواجهته، ويرفض سيطرته على السلطات اللبنانية، كي يقول من ثم ان الحكومة المقبلة هي حكومة حزب الله. على نحو مطابق تماماً لما حصل في طرابلس مع ميقاتي قبل ثماني سنوات، وبالحجج نفسها التي سيقت الى السفيرة الاميركية الجديدة الواصلة الى لبنان لتوها حينذاك لورا كونيللي.

مكالمة مدير المخابرات السعودية بجعجع قطعت الطريق امام الحريري


ثانيها، ليس سراً ان الحريري يدرك ان اقصاءه عن السرايا ليس قراراً محلياً محضاً او فحسب، خصوصاً وان الاكثر استعداداً للتخلي عنه هو الفريق الاكثر اصراراً على عودته الى رئاسة الحكومة، اي الثنائي الشيعي الذي كان وراء اسقاط حكومته عام 2011، ثم وراء اسقاطه في الاستشارات النيابية الملزمة التي تلت. هذه المرة اتت الضربة من الظهير الذي هو السعودية، تولى حزب القوات اللبنانية نقل الرسالة بدقة. ليل الاحد/ الاثنين 16 كانون الاول، تلقى رئيس الحزب سمير جعجع مكالمة هاتفية من مدير المخابرات السعودية خالد حميدان يطلب منه عدم التصويت لترشيح الحريري لرئاسة الحكومة، في الموعد المقرر للاستشارات النيابية الملزمة صباح ذلك الاثنين. ثم صار الى تأجيل الاستشارات بناء على طلب الحريري بعدما فاجأه قرار جعجع عدم تسميته وهو كان يتوقّعه. استسلم الحريري لفحوى الرسالة تلك بأن اعلن بعد 48 ساعة عدم ترشحه لترؤس الحكومة. الذريعة المعلنة افتقاره المحتمل الى اصوات الكتلتين المسيحيتين الكبريين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، رغم حصوله سلفاً على اقل بقليل من ثلث الاصوات المسيحية ما يرسّخ ميثاقية التصويت له، وقد شجعه الثنائي الشيعي على المضي في الخيار. بيد ان الدلالة الفعلية للرسالة ان ظهيره الاقليمي الذي فقده لم يعد يريده في هذا المنصب. لعل آل الحريري هم الاكثر دراية بما قد تعنيه رسالة كهذه يصعب عليهم استفزازها.
ثالثها، بعدما اعتذر عن عدم ترؤس الحكومة سئل الحريري عمن يرشّح. في يوم اعتذاره الاربعاء المنصرم، طُرحت امامه اسماء محتملة لخلافته من بينها دياب الذي اجتمع به ليل اليوم نفسه في بيت الوسط. لم يسمّه كمرشح يكفله، بل لم يبدِ ممانعة حيال الاسم ما عكس انطباعاً امام مراجعيه باحتمال اتخاذ موقف الحياد حياله، وإن آثر عدم المشاركة في حكومته. بيد انه سارع الى الاحتكام الى الشارع لبضع ساعات كي تتوقف حركة الاعتراض عند هذا الحد، قبل ان تُشق الطريق امام الرئيس المكلف لتأليف الحكومة.