يقول أحد الديبلوماسيين الغربيين الذين رافقوا تداعيات تفجير المرفأ إن «ردّ فعل السلطة بأجهزتها كافة لا يبدو على قدر حجم المأساة. وإذا كان هذا الانفجار لن يحدث أي تغيير فيها، فهذا يعني أن التغيير مستقبلاً سيكون معدوماً ضمن أي إطار، ما يؤدي الى أن السلطة ستكون قادرة على القيام بما تريده من دون أي مساءلة محلية أو دولية». كلام الديبلوماسي لا يأتي تشجيعاً على تحرك شعبي، بل خلاصة محاولات لملمة الوضع الداخلي عبر حوارات إقليمية تقودها فرنسا لترتيب الوضع اللبناني، لاستعادة حضورها الاقليمي، ودور واشنطن في حصر اهتمامها بلبنان بالأقنية الاسرائيلية والإيرانية لا غير، ويعكس حقائق ما دار خلال الايام الماضية في بعض الاجتماعات عن استعادة أركان السلطة أنفاسهم بعد صدمة الساعات الاولى، ويضاف الى وجهة نظر شعبية وسياسية انطلاقاً ممّا يشهده لبنان من إعادة تعويم السلطة نفسها.

قبل 15 عاماً، اغتيل الرئيس رفيق الحريري وسقط أيضاً شهداء في الانفجار. على أهمية المحكمة الدولية، فإن لبنان تكبّد ملايين الدولارات لقيامها، والوصول الى قرار يفترض أن يصدر الاسبوع المقبل. حتى أهل الضحايا وجدوا مرجعية دولية أو محلية يلجأون اليها. الاسبوع الفائت استشهد 171 شخصاً وفقد 30 شخصاً، وجرح أكثر من 6 آلاف، دمرت وأصيبت منازل، وكأن سنوات من الحرب العاصفة عملت فيها دماراً. لكن جميع هؤلاء وجدوا أنفسهم أمام حقيقة يتعايشون معها وحدهم من دون سند. فالسلطة السياسية، من كان فيها فعلياً ومن كان خارجها من قوى فاعلة، لم ترَ في الانفجار سوى المطية الملائمة لتعويم وضعيتها. ملايين الدولارات دفعت طوال 15 عاماً، أما اللواء محمد خير فيريد للضحايا والمتضررين أن يرمموا منازلهم وفق دولار سعر 1500 ليرة، فيما أسعار السلع الضرورية للإعمار تكاد تكون خيالية؛ وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة يهديهم قروضاً بالدولار «الوهمي»، ولا يفرج عن أموالهم، من دون أن يتدخل أحد من القوى السياسية الموالية أو المعارضة لكبح جماحهما. بدت السلطة في الساعات الاخيرة كأنها أنهت أيام الحداد الثلاثة التقليدية، وعادت لتتحدث عن تأليف حكومة ومواصفات الوزراء ونوعيتهم، وتمارس مهامها التشريعية والتنفيذية. ولولا خطأ ارتكبه الرئيس حسان دياب بالدعوة الى انتخابات مبكرة، وردّ فعل الرئيس نبيه بري عليه، لكانت الحكومة لا تزال تمارس مهامها. وأمس كشفت السلطة عن وجهها الحقيقي بأنها في واد والناس المفجوعين في واد آخر؛ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يتابع أوضاع كورونا، ورئيس المجلس النيابي يترأس جلسة تشريعية، وقيادات سياسية تمارس لعبة الاتهامات واقتناص الفرص. ليست المرة الاولى التي يخطئ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حساباته، لكنها ايضاً ليست المرة الاولى التي يتخلى فيها عنه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أو الرئيس سعد الحريري. الاول الذي رفع سقف اتهاماته قبل ايام من الكارثة وبعدها، لتحسين واحد في المئة من موقعه مع حزب الله تحديداً في اللعبة، ويعيد وصل ما انقطع مع رئيس الجمهورية، والثاني لاستعادة موقعه في السراي الحكومي، علماً بأن أجواء الاطراف الثلاثة قبل الانفجار، كانت تلمح الى قيام محاولات لإعادة جمع الصفوف تزامناً مع قرار المحكمة الدولية. إلا أن الجميع، يتصرف في السياسة وكأن لا دماء ولا جثث ولا ضحايا ولا مصابين ولا بيوت مهدمة وشوارع أزيلت، مثلهم مثل التيار الوطني الحر الذي يتصرف رئيسه جبران باسيل وكأن الفاجعة لا تعني التيار. ما يتصرفه باسيل منذ الكارثة لا يتعلق سوى بالحضور السياسي للتيار في المعادلة الحكومية، وما يقوله عن تحميل الآخرين مسؤولية الفساد والتستر على حاكم مصرف لبنان، تعمية على مسؤولية التيار ورئيس الجمهورية بالتمديد لسلامة. يتصرف التيار وكأن الضحايا في بيروت ليسوا ضحايا. المهدمة بيوتهم ومؤسساتهم يسألون كهرباء لبنان عن موعد إصلاح الاعطال وإنارة ما تبقى من منازلهم، والمؤسسة ووزارة الطاقة المحسوبة على التيار، يعدان الناس كل يوم بالكهرباء التي لا تبصر النور. العائلات المنكوبة تفتش عن أي وسيلة لشراء حاجياتها الضرورية، مطاعم المؤسسات الاجتماعية تعمل من دون توقف لتأمين الطعام للمئات، وعشرات المتطوعين الذين لا يزالون يعملون مع مؤسسات اغاثة محلية ودولية، ومع ذلك، وبعد مرور أسبوع، لم تجد هذه العائلات نواباً أو وزراء أو مسؤولين سياسيين ممن استفادوا من خيرات الدولة على مدى سنوات طويلة، يقدمون لهم المساعدة الفعلية للترميم وشراء حاجات ضرورية، ولم يجدوا الدولة بقربهم بعد. مآسي العائلات المنكوبة في ساعات قليلة تكاد تعادل مأساة حرب تموز وحرب السنتين والإلغاء وحرب الإخوة في شوارع بيروت، حين لم تكن الدولة قائمة بأجهزتها. لكن هذه «الحرب القصيرة» حصلت في ظل وجود سلطة متكاملة، تظهر فيها مسؤولية السلطة بكل مواقعها السياسية والعسكرية والقضائية، وتأتي بعد حرب مالية واقتصادية عمرها أشهر، قضت على مدّخرات اللبنانيين. ومع ذلك، ما إن تغيب كاميرات التلفزيونات حتى تستأنف القوى السياسية عملية ممنهجة لاستكمال بقائها أو عودتها الى السلطة، بعدما روّضت الناس بالأمن والإهمال والفساد. وهذا يضع الناس أمام خيارات البيع، لأن منعه عن البيوت التراثية يبدو كأنه تبرئة ضمير ميت. فالناس يحتاجون الى المساعدة المالية والى منازل يسكنونها قبل الشتاء، والتجار يعملون من دون كلل في شوارع ومنازل غير مصنّفة تراثية. أما خيارات الانعزال السياسي، بمعنى التخلي عن الدولة، فقائمة. وخيار الهجرة هو اليوم أقوى، وسيكون أهم إنجاز للعهد وتياره في أن يصبح «المنتشرون» الطائفة التاسعة عشرة الأكثر عدداً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا