إذا كان من الضروري ربط العقوبات الأميركية الأخيرة بما كان قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اختتام زيارة الثانية لبيروت في الأول من أيلول، حيال درسه وحلفائه الأميركيين والأوروبيين فرض عقوبات على الأفرقاء اللبنانيين المعرقلين، فإنّ ثمّة تفسيراً محتملاً لهذا الربط: الاقتصاص من الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس ليس سوى مواكبة أميركية للمبادرة الفرنسية مع جرعة إضافية، هي أن العقوبات في هذا الوقت بالذات - قبل كشف المعرقلين الذين تحدّث عنهم ماكرون - ليست إلا خطوة استباقية لئلّا يطلّوا برؤوسهم.

لرئيس مجلس النواب نبيه برّي وجهة نظر مناقضة، سمعها منه متّصلون به. مفادها أن العقوبات تلك تتوخّى إبطاء الديناميّة الفرنسية لتأليف الحكومة وإخراج لبنان من محنته، كما أن المعلومات المتوافرة لديه من مصادر مهمة تشي بأن لا علاقة للفرنسيين بها.
ما سمعه المتصلون ببرّي أنه هو المعني مباشرة برسالة العقوبات، وخصوصاً أن المُعاقَب هو الرقم واحد الذي يليه في حركة أمل من حيث الموقع الذي يشغله قربه كمعاون رئيسي. أضف أن رئيس المجلس يفصل بين الوظيفة التي ترمي إليها رسالة العقوبات وبين تأليف الحكومة الذي لا يخرج - مهما تكن وطأة التدخلات الخارجية - عن قواعد وأعراف لا يسع أحداً تجاهلها أو القفز من فوقها: نحن مع حكومة اختصاصيين مئة في المئة، بحد أدنى من النكهة السياسية وإن البسيطة. لا نريدهم حزبيين، ولا قريبين من حزبيين حتى. لكن لا نريدهم حتماً يُسقطون علينا وهم ممّن يعيشون في الخارج ولا علم لهم بما هي عليه البلاد. أنا أعطي الاسم. إذا رُفِض أريد تفسيراً مقنعاً لرفضه، فأعطي اسماً آخر، إلى ما شاء الله.
ما لا يخفيه برّي، خشيته من الضغوط على الرئيس المكلف بغية إيصاله الى الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة.
في التوقيت الملتبس الذي أثار أكثر من تكهّن، جاءت العقوبات الأميركية في منتصف مهلة 15 يوماً التي منحها ماكرون للرئيس المكلف مصطفى أديب لتأليف الحكومة. البعض عدَّها خشبة اعتراضية لوقف اندفاعة المبادرة الفرنسية، فيما حسبها آخرون في صلب برنامج المبادرة، بعدما ربط ماكرون في بيروت ما بين العقوبات والفساد. ليست تلك المقاربة الأميركية لمفهوم العقوبات المتمحورة حول محاصرة حزب الله، وتجفيف مصادر تمويله كهدف وحيد ورئيسي منها. في سبيل ذلك، أصدرت واشنطن في ما مضى عقوبات في حق مسؤولين في الحزب ونواب وقياديين أمنيين كجزء لا يتجزّأ ممّا حسبته مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال وتوظيفها في هجمات.

رئيس المجلس: أخشى على الرئيس المكلّف من الضغوط لحمله على الاعتذار


ما حدث أخيراً مع خليل وفنيانوس أنهما عُوقبا بصفة الفساد مقدار معاقبتهما لعلاقتهما بحزب الله. معلومات وافرة من مصادر أميركية وصلت الى مراجع لبنانية رسمية معنية أوردت وقائع عدّها الأميركيون «دامغة في الفساد» - مع إصرارهم على العبارة هذه - عن ضلوع الرجلين. بذلك تقاطع الموقفان الأميركي والفرنسي عند توظيف العصا الجديدة في سياق سياسي يتجاوز القلق الأمني الذي غالباً ما عبّر عنه الإرهاب، الى الدخول في عقر النظام السياسي اللبناني.
بيد أن ما يرافق التأليف من الغرابة غير مشهود قبلاً عن حالات مماثلة. يضع الرئيس المكلف التكليف بين يديه وحده: اجتماع واحد بالكاد في الأسبوع برئيس الجمهورية ميشال عون. لا يجتمع برئيس مجلس النواب نبيه برّي، ما خلا الاجتماع الذي أُعلن عنه قبل العقوبات مع خليل وحسين الخليل. لا اتصال بالنائب جبران باسيل، ولا بأحد سواه. لا مسودة حكومة بعد، ولا أسماء جدية أو للتلهي بها حتى على جاري العادة عندما تتدفق في الأيام الأولى من التكليف.
الطامة الكبرى في اللعبة الغامضة الدائرة، أن البيان الوزاري لحكومة لم تولد بعد، كُشف عنه قبل تسمية الرئيس المكلف، هي ورقة العمل الفرنسية. ورد بعد ذلك اسم أديب كرئيس مكلف قبل أن يختاره النواب ويسميه رئيس الجمهورية. عرفه الفرنسيون عن قرب لأسباب شتى: زوجته فرنسية، حامل بدوره الجنسية الفرنسية. ثم فوق ذلك فإنّ حماه مسؤول جهاز الصحة في حزب ماكرون «إلى الأمام». لم يكن الاسم الوحيد المطروح لترؤس الحكومة، لكنه أضحى الآن أقوى من أي رئيس مكلف سبقه: ليس في حاجة الى أحد، ولا استرضاء أحد، ولا الرضوخ لشروط أحد. ليس ملزماً وضع كل أوراقه على الطاولة، ممسكاً بالمناورة الأغلى ثمناً، وهي أن أحداً لا يعرف أي أوراق بين يديه؟ هل يملكها فعلاً أو في أحسن الأحوال وصلت إليه؟ هل هو حقاً رئيس حكومة من المتوقع أن تهبط أسماء وزرائها بالطريقة نفسها لهبوط الورقة الفرنسية بعد الزيارة الأولى لماكرون لبيروت، وبعيد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب في 10 آب، وبالطريقة نفسها لهبوط اسم الرئيس المكلف. يومذاك، ما شاع أن الرئيس سعد الحريري هو مَن يسمّي الرئيس المكلف بدا ساذجاً للغاية. تحوّل الرئيس السابق للحكومة الى صندوق بريد ما بين باريس وبيروت، مروراً ببيت الوسط يوم اجتمع زملاؤه الرؤساء السابقون.
المفارقة المحزنة أن ما طالب به الحريري كي يترأس الحكومة، مرتين على التوالي بعد استقالته في تشرين الأول 2019 وقبل تسمية الرئيس المكلف أخيراً، ولم يُعطَ تماماً لدياب، يحصل عليه أديب دونما أن يتوقّعه، وفي المهلة الملزمة للأفرقاء اللبنانيين جميعاً ما دام سيف العقوبات مصلتاً على رقابهم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا