«كيف تغلغلت الحكومة البريطانية - تقريباً - في كلّ القطاعات المهمة في لبنان؟ كيف سمحت أجهزة الأمن اللبنانية بذلك؟ هل فشلت في ملاحظة وجود عشرات الشركات البريطانية التي تتلقّى الأوامر من سفارة المملكة المتحدة في بيروت؟ الإجابة البسيطة، وهي أنّ أجهزة الأمن والاستخبارات اللبنانية تتجاهل التدخل الأجنبي، لأنّها تعجّ بالجواسيس البريطانيين». هي أسئلة وخلاصة، وردت في خاتمة الجزء الثاني من وثائق «حصان طروادة - التسلّل إلى لبنان»، التي سرّبها مُناضلون ضدّ «الاستعمار البريطاني الجديد». سمّوا أنفسهم «أنونيمس» و«الفيلق»، مؤكدين: «لا نُسامح ولا ننسى». أغضبتهم العمليات الاستعمارية الجديدة لبريطانيا في الشرق الأوسط، التي «تسبّبت في الكثير من الحُزن وسقوط القتلى، ولا نُريد زيادة نسبة الخسائر». هؤلاء «المجهولو» الهوية، «المعروفو» القضية والانتماء، أمهلوا أجهزة الاستخبارات البريطانية «بعض الوقت» لإجلاء عُملائها من لبنان، «قبل أن نكشف أسماءهم. لقد بدأت للتوّ حربنا ضدّ الاستعمار البريطاني الجديد». والبداية ليست إلّا فضح برنامج ظاهره يتعلّق بمكافحة الفساد وتعزيز «الآليات الديمقراطية»، فيما الغاية الوحيدة منه هي إحداث الفوضى وقلب النظام. بريطانيا تُريد «إحراق» لبنان، مُستنسخةً الاستراتيجية التي اعتمدتها في سوريا منذ ما بعد الـ2011.

الجزء الثالث من «برنامج الإصلاح السياسي اللبناني» يتعلّق بـ«تعزيز الآليات الديمقراطية للإصلاح والمساءلة والحوار». وتُحدّد الوثيقة الصادرة عن وزارة الخارجية البريطانية أنّ الميزانية الإرشادية للمشروع «FY1919/20» هي 500 ألف باوند (667 ألف دولار أميركي)، وأي تكاليف تتخطّى المليون و200 ألف باوند (مليون و602 ألف دولار أميركي) على مدى الـ22 شهراً (يدخل حيّز التنفيذ في تموز 2019 وينتهي في 31 آذار 2021) لن تتم الموافقة عليها.
تتضمّن الوثيقة دعوة إلى حضور لقاء في السفارة البريطانية في بيروت يوم الخميس 11 نيسان 2019 لـ«هيئة صندوق النزاع والاستقرار والأمن (CSSF)»، وبنوده الرئيسية: «تعزيز الآليات الديمقراطية للإصلاح والمساءلة والحوار، النساء السياسيات القائدات، مشاركة الشباب السياسية».

«أنونيمس» توجّه تهديداً إلى الاستخبارات البريطانية: سنكشف أسماء جواسيسكم في لبنان


تُريد الحكومة البريطانية التعاقد مع «شريك تنفيذي» مهمته التخطيط وإدارة وتنفيذ مشاريع تهدف إلى «تعزيز الآليات الديمقراطية للمساءلة والحوار في لبنان، وتعزيز الحوار بين مجلس النواب ومؤسسات الدولة من جهة، والمجتمع المدني ورجال الأعمال من جهة ثانية، بما يسمح بتجاوب السياسيين مع التحديات الوطنية وتنفيذ الإصلاحات الضرورية لاستقرار لبنان على المديين القصير والمتوسط». فمن الأمور المطروحة، «العمل مع البرلمان لتطوير خطته الاستراتيجية وتحديد احتياجات اللجان النيابية»، على أن تكون المشاركة «بين صانعي القرار والمجتمع المدني وقطاع الأعمال محور تركيز البرنامج، ما يسمح للبرنامج (البريطاني) بالدخول إلى مؤسسات الدولة». وقد حُدّدت ثلاثة برامج «إصلاح سياسي»، هي:
- زيادة الحوكمة السياسية والاقتصادية استجابة لمعايير المساءلة والشفافية.
- تعزيز التنوع السياسي.
- وضع خطاب وطني جديد.
أولوية المشروع - بحسب ما ذُكر - «مناقشة السياسات والإصلاح التشريعي في اللجان النيابية لدعم الاستقرار وتنفيذ مقررات مؤتمر سيدر»، على أن يؤخذ بعين الاعتبار:
- حاجات النساء وأولوياتهن.
- مناصرة وجود نساء قياديات في لبنان.
- الاستفادة إلى أقصى درجة من الخبرات المحلية.
- التواصل مع سفارات بريطانية أخرى ومشاريع تمويل ومبادرات سياسية.
- تعزيز المنظمات المحلية وتمكينها.
لبرنامج «التواصل الاستراتيجي اللبناني» أربعة لاعبين شاركوا في إعداد الساحة اللبنانية لـ«الغزو» السياسي البريطاني: «تحليل المعرفة البحثية - ARK»، «إيكوريس - Ecorys»، «أم أند سي ساتشي - M & C Saatchi»، «تورش لايت - Torchlight».



«ARK»: استغلال ملفّ النفايات للخرق سياسياً

(مروان طحطح)

تُعرّف «ARK» عن نفسها بأنّها «منظّمة إنسانية غير حكومية أُنشئت لمساعدة الفئات الأكثر ضعفاً»، بالتعاون مع حكومات أميركا وكندا وبريطانيا وهولندا، والأمم المتحدة. بحسب «أنونيمس»، أنفقت «المنظمة غير الحكومية» بين الـ2012 و2018، قرابة 20 مليون باوند (26 مليوناً و729 ألف دولار أميركي) مموّلة من الضرائب البريطانية، لتنفيذ مشاريع حكومية في سوريا ولبنان. الشركة تضع استراتيجيات تواصل في لبنان منذ عام 2015، وقد «أوصت» الحكومة البريطانية سابقاً بتبنّي موضوع مُعالجة النفايات الصلبة «لأنّه شعبوي ويُمكن استغلاله سياسياً واستخدامه لتعزيز مفاهيم المواطنة لدى الشباب». أما في ما خصّ برنامج «التواصل الاستراتيجي» للبنان، فقد وضعت الخارجية البريطانية بيان الشروط المطلوب بناءً على تحليل الفئة الواجب استهدافها الذي أعدّته «ARK»، تحت عنوان «تعزيز الاستقرار الاجتماعي بين المجتمعات اللبنانية المضيفة واللاجئين في لبنان، وتسويق استراتيجية حول تماسك المجتمع». عمل الشركة في لبنان يستهدف فئة الشباب بشكل خاص، وتحديداً في طرابلس وصيدا والبقاع الأوسط، تُعرف منهم مجموعة «أنا هون»، التي تقرّر في المرحلة الجديدة توسيع عملها لتشمل بيروت أيضاً. المبادرات الأخرى التي عملوا عليها: تشجيع الناخبين الجُدد على الاقتراع، إنشاء مجلة إلكترونية في المخيمات الفلسطينية، إجراء أبحاث ودراسات حول مختلف نواحي المُجتمع اللبناني لصالح الحكومة البريطانية. كما أجرت «ARK» نيابةً عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) دراسة حول التوترات بين المجتمعات اللبنانية المضيفة واللاجئين السوريين، وبناء شبكة إعلامية من مؤسسات إعلامية ووسائل تواصل اجتماعي، والتعاون مع منظمات المجتمع المدني، لتسويق خطاب «الاستقرار المُجتمعي». تُدير «ARK» أيضاً مشروعاً سياسياً في لبنان، مموّلاً من الولايات المتحدة، مُراهنةً على «الاستفادة» من جهود البلدين المُشتركة لإنجاح البرنامج.


«إيكوريس» تريد بقاء النازحين السوريين
«إيكوريس - Ecorys» شركة أبحاث واستشارات أوروبية، تُعلن أنّ مُهمتها هي «تحسين السياسات العامة والظروف الاقتصادية والاجتماعية في جميع أنحاء العالم». وضعت استراتيجيات تواصل عدّة في لبنان، ممولة من الاتحاد الأوروبي، وتستهدف ملفّ اللاجئين السوريين، أبرزها «الصندوق الاستئماني الأوروبي - مدد»، وبرنامج «العدالة الاجتماعية». تصف الشركة نفسها، بفضل العلاقات التي نسجتها «ضليعة بالوضع الاجتماعي اللبناني»، مُعتبرةً أنّ استراتيجيتها للتواصل ستقوم على «التخفيف من التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين، من خلال العمل مع المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية والإعلام في التسويق لذلك». الهدف ليس «انسانياً»، بل توفير الأجواء الملائمة لعدم عودة السوريين إلى بلادهم.


«ساتشي» حريصة على السرّية
شركة الإعلانات العالمية «أم أند سي ساتشي - M&C Saatchi، كانت شريكةً في مشروع بريطانيا لدعم كيانات المعارضة السورية المسلحة والمدنية، وتُقدّم كأحد الشركاء الرئيسيين في استراتيجية التواصل لقلب النظام اللبناني. يصفها «أنونيموس» في الوثائق المُسربة بأنّها «تُشارك في عمليات سرية تستهدف المجتمعات نيابةً عن وكالات الاستخبارات». في لبنان، فرع لـ«ساتشي» كان له دور «سرّي» في الاستراتيجية البريطانية للبنان.
حدّدت «ساتشي» ثلاثة مخاطر سياسية للمشروع: انحراف البرنامج عن مساره بسبب تدخّل السلطة، ردّة الفعل اللبنانية السلبية على التدخلات الأجنبية وتحديداً من «جلالة الملكة» (بريطانيا)، خضوع الشركاء المحليين للضغوط السياسية. لذلك، قالت «ساتشي» إنّها ستُحيط عملها بسرية، وتؤمّن الحماية لشركائها المحليين، و«ستتم مراقبة تقارير وسائل الإعلام المحلية حول المنظمات البريطانية والدولية العاملة في لبنان».


«مشعل» المعارضة السورية في لبنان
الشركة الرابعة المُشتركة في برنامج الاستراتيجية البريطانية للبنان، هي «تورش لايت - Torchlight» (المشعل / المصباح)، مقرّها عمّان، وكان قد كشف عنها «أنونيمس» في وثائق سابقة بأنّها عملت في سوريا على تقديم المساعدة للجهاديين، بالتعاون مع «ألباني - Albany» و«ماغنيتا - Magenta». ويعد «أنونيموس» بأنّه في المرحلة المقبلة، سيتم الكشف عن أسماء أعضاء «Torchlight» الذين شاركوا في عملية «السيطرة على أجهزة الأمن والمخابرات اللبنانية».
عملت الشركة البريطانية سابقاً في لبنان، وتملك علاقات قوية مع الدول المانحة ووزارة الشؤون الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية. تُصوّب عملها على اللاجئين وتمكين المرأة وحمايتها والطفل من العنف.
سيتولى إدارة الفريق المعني بمتابعة الاستراتيجية البريطانية، أوغيستس ليرستين (Augustus Lersten)، وبحسب «أنونيموس»، هو مُدرّب عسكري عمل سابقاً في سوريا، وانضم إلى المكتب الإعلامي «للجيش السوري الحرّ».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا