وحده الأمن لا يزال مستتبّاً... إلى حين. عدا ذلك، تعيش السلطة انحلالاً كاملاً يعززه الانهيار المستمر في سعر صرف الدولار، آخذاً في طريقه أي أمل بمستقبل أفضل. لا مبادرات ولا خطط ولا أفكار لمواجهة الانفجار الاجتماعي المحتمل، والناتج عن فقدان السيطرة على الأسعار، حتى صار كثر غير قادرين على تأمين الأساسيات المعيشية لأسرهم. يترافق ذلك مع استمرار العتمة، التي صارت على خطين، دولة واشتراك. أما البنزين، فبدأت السوق السوداء تنظم نفسها، على وقع أخبار عن انفراج قريب، بسبب دخول ١٥٠ مليون ليتر إلى السوق. لكن، بالنسبة إلى المعنيين، صار واضحاً أن لا أفق لأزمة المحروقات، طالما أن الترقيع والقرارات العشوائية مستمران. في مناطق عديدة، لم يعد غريباً مشهد تولّي موزعي البنزين مهمة البيع للمستهلكين مباشرة، وبأسعار تفوق السعر الرسمي بكثير، بدلاً من التفريغ في المحطات. يدفع الموزع لصاحب المحطة ضعف الربح الذي يفترض أن يحققه، ثم يقوم ببيع الصفيحة بالسعر الذي يريده. أين وزارة الاقتصاد؟ الجواب نفسه يتكرر، لا قدرة للوزارة، بعديدها المحدود على مراقبة كل البلد.

أمام كل ذلك، وبغضّ النظر عن قدرة رفع الدعم على إنهاء الأزمة، لكن المشروع لا يزال عالقاً بانتظار البدء بتنفيذ قانون البطاقة التمويلية، الذي ينتظر بدوره أن تقر اللجنة الوزارية التي يرأسها الرئيس حسان دياب وتضمّ وزراء المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، آلية تحديد المستفيدين منها. وبحسب، المعلومات فإن اللجنة التي أعطيت في القانون ١٥ يوماً لإنهاء عملها، لم تعقد سوى اجتماع وحيد، على أن تعقد الثاني هذا الأسبوع، ويفترض أن يقدم وزيرا الشؤون الاجتماعية والاقتصاد فيه، خلاصة ما سبق أن درسوه في ما يتعلق بالفئة المستفيدة. لكنّ المشكلة الأكبر التي لا تزال تعيق السير بالمشروع، هي عدم حسم مسألة التمويل بالكامل. وبالعودة إلى المفاوضات التي سبقت إقرار المجلس النيابي للبطاقة، كان قد اتفق على أن تستهدف ٥٠٠ ألف مستفيد يضافون إلى نحو ٢٠٠ ألف سيستفيدون من برنامج البنك الدولي لتمويل شبكات الأمان الاجتماعي. ورغم ما قيل عن تمويل هذه الأسر من خلال تحويل وجهة استعمال قروض مجمّدة من البنك الدولي، فإن المعلومات تشير إلى أن المضمون حالياً هو تحويل القرض الخاص بالنقل الحضري، والذي تبلغ قيمته ٣٠٠ مليون دولار، نحو دعم ٣٠٠ ألف أسرة. لكن هذا المبلغ لن يُخصص لدعم تمويل البطاقة، كما تردّد سابقاً، بل سيُخصص لضم هذه الأسر إلى مشروع شبكات الأمان الاجتماعي. يبقى ٢٠٠ ألف أسرة. حتى اليوم، تؤكد مصادر مطلعة أن التمويل لم يتأمّن لها. ففيما تصر الحكومة على أن يتحمل مصرف لبنان مسؤولية تحويل الاعتماد المخصص للبطاقة إلى الدولار، على أن يحصل المستفيدون على أموالهم بالدولار أيضاً، لا يزال المصرف يرفض ذلك، مصراً على أنه مستعدّ لتأمين المبلغ بالليرة.

كارتيل الأفران يهدّد: اصمتوا إذا رفعنا سعر الخبز!


وإلى أن تحل هذه المعضلة، يبدو أن مشروع البطاقة التمويلية لن يبصر النور قريباً، بما يعني عملياً استمرار حالة التشظّي المجتمعي، واستمرار هدر الأموال على ما بقي من دعم لا يستفيد منه سوى التجار والمهربين.
المشكلة الأكبر التي تتكرر عند كل مطبّ أن القابعين في سدة المسؤولية، ولا سيما منهم وزير الاقتصاد راوول نعمة، يفتقرون إلى أي حس اجتماعي، هم الذين يزنون الملفات بالأرقام. انطلاقاً من ذلك، لم يستوعب نعمة أن ربطة الخبز ليست رقماً. هي خط الدفاع الأخير عن الأسر الفقيرة والمعدمة. لذلك، فإن تحول الخبز إلى سلعة تسعّر حسب سعر الدولار، لا يتناسب مع الحد الأدنى مع مسؤولية الدولة. ومع إدراك الجميع أن الحكومة من رئيسها إلى وزرائها قد تخلوا عن مسؤولياتهم، لكن كان يفترض، على الأقل، على قاعدة حماية الناس من الجوع، أن يحموا ربطة الخبز. إلا أن الواقع أن هذه الربطة، بالرغم من استمرار دعم استيراد القمح على سعر ١٥٠٠ ليرة للدولار، ارتفع سعرها من ١٥٠٠ ليرة مع بداية الأزمة إلى ٤ آلاف حالياً. لكن حتى ذلك لم يعد يرضي كارتيل الأفران، ومن خلفه حارس مصالحهم راوول نعمة. فقد شدد اتحاد نقابات المخابز والأفران، في بيان أمس، على أن سعر صرف الدولار وأسعار كل المواد التي تدخل في صناعة الخبز تتأثر بارتفاع سعر الدولار إلى عتبة العشرين ألفاً، فضلاً عن كلفة اليد العاملة التي تضاعفت والصيانة التي تُدفع بالدولار نقداً على أساس سعر السوق السوداء. ولم يفت الاتحاد الإشارة إلى ما قام به نعمة للحفاظ على «سلامة الوضع التمويني من خلال دعم مادة الطحين وتأمين القمح المدعوم واستمرار الأفران بالعمل لتأمين الرغيف للمواطن». كذلك، لم يتردد الاتحاد في التحذير من مغبّة انتقاد جشعه، فدعا «كل من يتناول القطاع بسوء إلى عدم التطاول عليه في ظل الأزمات المتراكمة!». البيان لا يفهم منه عملياً سوى أن الاتحاد، بالتضامن مع نعمة، سيرفع سعر الربطة مجدداً، متناسين أنهم على افتراض أن كلفة ربطة الخبز الأبيض قد ارتفعت، فإن التعويض يتم من خلال سرقة الطحين المدعوم واستعماله لإنتاج أصناف غير مدعومة، وتباع بأسعار «حرّة».
أمام هذا المشهد السوداوي، لم يجد رئيس الحكومة المكلّف ما يدفعه نحو تسريع الحسم، تشكيلاً أو اعتذاراً. لا يزال يراوغ ويهدر الوقت، محملاً كل البلد تبعات خياراته. ولذلك، بالرغم من أن الأسبوع الماضي كان يفترض أن يحمل معه بعض الأجوبة كما أشيع، لا تزال الحكومة تترنّح بين «أيام حاسمة» و«اعتذار وشيك» و«تشكيلة خلال أيام». لكن، طالما أن احتمال التشكيل لم يكن واقعياً طيلة الفترة الماضية، بسبب حسابات خارجية للحريري وحسابات داخلية له ولخصومه، فإن لا شيء يوحي بأن ثمة بديلاً عن الاعتذار. بل على العكس، تشير مصادر مطّلعة إلى أن الرئيس سعد الحريري لا يزال مقتنعاً بضرورة الاعتذار، ولذلك يريد أن يسوق اعتذاره أمام المصريين، الذين يتحفّظون على هذه الخطوة، أسوة بالروس. أما داخلياً، فلم تتأخر الهدنة الإعلامية بين تيارَي المستقبل والوطني الحر. إذ فتح تصريح النائب جبران باسيل أول من أمس الباب أمام سلسلة من الردود بين التيارين. باسيل قال: «إذا أردنا أن ننتظر هوى الرئيس المكلف نكون نتفرّج على النحر اليومي للبنان أكان في موضوع الأدوية أو المحروقات أو غيرها ونحن نناشده منذ أن كُلّف بأن يؤلّف واليوم عناصر التأليف باتت متوافرة ونحن ذلّلنا كل عقبات التشكيل الداخلية وعلى حسابنا». أما «المستقبل»، فاعتبر في ردّه أن «باسيل يتحدّث عن النحر اليومي للبنان وتغيب عن عبقريته السياسية أن المسلخ الوطني مقره الرئيسي في بعبدا، وأن رئيس البلاد هو مؤسس التيار الوطني الحر المعنيّ الأول بمآسي اللبنانيين، وأن ملائكة جبران في الحكومة يصولون ويجولون في كلّ الوزارات، وأن وزارة المحروقات أحرقت سنسفيل البلاد منذ تربّعه هو شخصياً على عرشها…».