لا يتوقّف المُحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ طارق بيطار عند حاجِز سياسي. كُلّما وجدَ «المُدعى عليهم» طريقاً للدفاع عن وجهة نظرهم وتثبيتها، أتاهم القاضي من ناحية أخرى. بعدما رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب حضور جلسة الاستدعاء التي كانت مقررة أمس، بتهمة «الإهمال والتقصير والتسبب بقتل مئات الأشخاص»، باغته بيطار بمذكرة إحضار في رسالة «لمن يعنيهم الأمر» أنه سيُكمِل المسار الذي بدأه. وقد حدّد بيطار تاريخ 20 أيلول المُقبِل موعداً لجلسة استجواب جديدة، على أن تتولّى النيابة العامة التمييزية تنفيذ المذكرة. في الشكل، «هذا هو الإجراء السليم الذي يتخذه قاضٍ في حق أي شخص يرفض حضور الجلسة ولا يحضر من ذاتِه، فيلجأ إلى دعوى إحضار ويرسل إليه من يأتي به حيث يُحتجز لمدة قبل 48 ساعة من موعد الجلسة الجديدة» بحسب مصادر قضائية.

لكن بيطار أصدر هذه المذكرة وهو يعلم السيناريو سلفاً. صحيح أن دياب هو الحلقة الأضعف من بين المُدّعى عليهم، كونه بلا حصانة نيابية وليس في ظهره مرجع يمنع إعطاء الإذن بملاحقته، لكن رئيس الحكومة المكلف محميّ بحكم «التوازنات» في البلد. وهو إن لم يكُن يمثّل شارعاً ولا تياراً ولا طائفة، لكنه يجلس على كرسي يتحوّل سريعاً إلى رمز لطائفة، في إطار استنفار العصبيات المذهبية. قبل بيطار، ادّعى سلفه القاضي فادي صوان على دياب، فسارعَ رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ومعه نادي رؤساء الحكومات السابقين إلى «تأمين» دياب وتحصينه طائفياً بحجة الدستور. واليوم، لا شكّ أن المسار الجديد الذي أطلقه قاضي التحقيق لن يصِل الى مكان، فحتى لو لم يكفِ مخرج «تعذّر تبليغه أو الوصول إليه»، فمن هي الجهة التي ستذهب لإحضار دياب من منزله في منطقة تلة الخياط، أو من السرايا الحكومية في حال وجوده هناك؟
بالفعل، لم يتأخر الحريري وشركاؤه في النادي في وضع متراس دفاعي، بإصدار بيان يوم أمس معتبرين قرار بيطار «سابقة خطيرة وإهانة علنية». وإلى السياسة، ذهب رؤساء الحكومات مستخدمين «القرار» للتصويب على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مشيرين إلى أن «مجموعة من النواب تقدّمت باقتراح قانون من أجل رفع جميع الحصانات من أي نوع كانت، ودون أي استثناء بما يعني تعليق المواد الدستورية المخصصة للحصانات النيابية والوزارية والرئاسية وذلك لإحقاق العدالة، ولا سيما أن فخامة الرئيس ميشال عون شخصياً اعترف بأنه علم بوجود هذه الكميات الكبيرة من الأمونيوم في عنابر مرفأ بيروت قبل خمسة عشر يوماً من تاريخ التفجير المريب على وجه الخصوص، وأن فخامته هو الضابط وقائد الجيش السابق الذي يعلم تمام العلم بأنه وحسب القوانين المرعية الإجراء في لبنان يحظر إدخال أيّ كمية كانت من هذه المواد الى الأراضي اللبنانية من دون إذن مسبق من مجلس الوزراء». كما اعتبر الرؤساء في بيانهم أن «هذا الإجراء محفوف بالشبهات السياسية، لأنه يتقاطع مع محاولات لم تتوقف منذ سنوات للانقلاب على اتفاق الطائف وكسر هيبة رئاسة الحكومة وتطويق مكانتها في النظام السياسي»، وختم رؤساء الحكومة السابقون بيانهم، بالقول: «لا للعدالة الانتقائية، لا للقضاء المسيّس، لا للتعرّض لرئاسة الحكومة دون غيرها من الرئاسات والمراكز. نعم للتحقيق القضائي الكامل والنزيه والشفاف والمحرّر من التدخلات والقيود السياسية والطائفية».

الخطوة التالية التي سيتّخذها بيطار بحقّ دياب هي إصدار مذكّرة توقيف غيابي


وبينما قالت مصادر دياب إن «الأخير لم يقرر الخطوة المقبلة في مواجهة قرار بيطار»، قالت مصادر رؤساء الحكومات لـ«الأخبار» إن «دياب لن يكون لقمة سائغة، وهو اليوم يمثّل موقعاً يخصّ طائفة بأكملها»، لافتة إلى أن «الجميع تدخلوا لحماية من يعنيهم، وهو ما حصل مع المدير العام لجهاز أمن الدولة اللواء طوني صلبيا، حيث أفتوا بأن منح الإذن بملاحقته هو من صلاحية المجلس الأعلى للدفاع، ولأنه محسوب على فريق رئيس الجمهورية صدر القرار بمنع الملاحقة».
لا شكّ أن خطوة بيطار سيكون لها تداعيات في السياسة، وخاصة أن مطّلعين على جوّ الاتصالات المتعلّقة بهذا الملف، يؤكدون أن «هناك جهات سياسية تدرس أيضاً الموقف وهي تنسّق مع دياب لتحديد الأطر القانونية التي يُمكن أن يسلكها»، إذ إن «الخطوة التي سيتخذها بيطار لاحقاً ربما تكون إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق دياب». عدا عن أنّ «ما تضمّنه بيان نادي رؤساء الحكومات، الذي يضم رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، صوّب بشكل مباشر على الرئيس عون مطالبين بملاحقته»، متسائلة «ما إذا كان هذا الأمر سيؤثّر على المداولات الحكومية التي تعرّضت أصلاً يوم أمس لاهتزازات».
وغير ذلك، فقد علمت «الأخبار» أن بيطار أيضاً ينتظر تأليف الحكومة في أسرع وقت لأنه حينها «لن يعود مجلس النواب في حالة انعقاد، فسيصبح بإمكانه اتخاذ إجراءات في حق الوزراء السابقين، وهم نواب حاليون، الذين يدّعي عليهم»، إذ هو مكبّل حالياً بالمادة 40 من الدستور التي تنصّ على أنه «لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية نحوَ أي عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن المجلس»، ولذلك فإنه فور تأليف حكومة جديدة «سيصدر قرارات جديدة في حقهم».
خطوة بيطار، رغم أنها تصب في خانة إسقاط الحصانات التي تعرقل عمل العدالة في لبنان، إلا أنها لا تزال مشوبة بعيب الاستنسابية وتجاهل مسؤولية أفراد آخرين من سياسيين وأمنيين وقضاة، معتمداً معياراً غير واضح، أقلّه في العلن. وهو بذلك يمنح «خصومه» ذريعة لتسييس الملف في بلاد «الحصانات» الطائفية والسياسية، ما يعني فتح صفحة جديدة من العراقيل التي تمنع الوصول الى الحقيقة والمحاسبة الحقيقية والجدية. سيكسب بيطار تعاطفاً إضافياً من أهالي الضحايا، وتضامناً من قبل الذين يعتبرون أنه «يخوض حرباً ضد السلطة»، فيزيد ذلك الى رصيده، لكنه في الإطار العام ينضمّ الى حلقة السلطة كشريك في عرقلة التحقيق وتضييع الملف في زواريب المزايدة.