العقدة التي يواجهها العدو في المخيم الذي يؤوي أكبر التجمعات السكانية في شمال وادي غزة، رغم أن 70% من أبنيته وبناه التحتية مدمرة فعلاً، هي أن سكانه رفضوا إخلاءه في ذروة المجازر الإسرائيلية في بداية الحرب، ويرفضون اليوم في خضم العملية الكبيرة، حتى النزوح إلى خارجه. ووفقاً لمتابعة «الأخبار» الميدانية، فإن أقل من 30% من السكان الذين تقع منازلهم على خط النار الأول، نزحوا من منازلهم بشكل داخلي، إلى أقرب نقطة من المخيم، ولم يسلكوا الطريق الذي رسمه العدو للوصول إلى جنوب القطاع. أما البقية، فقد صمدوا في منازلهم في المخيم والأحياء الشرقية والغربية منه، على رغم أنهم محاصرون من الجهات الأربع، ويتعرّضون لقصف جوي ومدفعي متواصل. والواقع أن هؤلاء وصلوا إلى قناعة جماعية، بأن أي خطوة تبدو مؤقتة ومحدودة ببضعة أيام أو أشهر، قد تتطوّر إلى سنوات. وعليه، فإن عبارة «الشمال أو السماء» هي أكثر ما يردده الأهالي ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، في إعلان موقفهم المستمر من النزوح الجبري إلى الجنوب.
في الميدان، شدّد الاحتلال، أمس، حصاره على المخيم، وقطع منفذه الوحيد بالسواتر الترابية، كما قصف الطريق الذي يربطه بباقي مناطق الشمال بأكثر من مئة قذيفة مدفعية. وفي داخل المخيم والأحياء المحيطة به، كثّف العدو من استهداف مراكز الإيواء والمنازل ومحيط مستشفيي «العودة» و»كمال عدوان». ووفقاً للمصادر الطبية، فإن العدوان المستمر منذ خمسة أيام تسبّب باستشهاد ما يزيد عن 120 فلسطينياً. وفي المقابل، عملت المقاومة ضمن «تكتيك القتال الجديد» الذي تحدّث عنه المحللون العسكريون الإسرائيليون، والقائم على الاقتصاد الشديد في استخدام الذخيرة والحفاظ على الذخر البشري. وأعلنت الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة تنفيذ سلسلة من المهمات القتالية، أخذت معظمها طابع الكمائن المؤثرة. إذ أكدت «كتائب القسام» تمكّنها من تفجير دبابة «ميركافا 4» بقذيفة «الياسين 105»، في حي الإسراء غرب مخيم جباليا. كذلك، تحدّثت عن تفجير مقاوميها عبوة رعدية مضادة للأفراد بقوة خاصة أثناء محاولتها تفخيخ منزل وتفعيل روبوت مفخخ. وقالت الكتائب إنه «فور تقدّم قوة النجدة إلى المكان، تم استهداف الدبابة بقذيفة الياسين 105 قرب مفترق الصفطاوي غرب مخيم جباليا». بدورها، أعلنت «سرايا القدس» أنها قصفت مستوطنة «نتيف هعسراه» في غلاف غزة برشقة صاروخية، وتمكّنت من إسقاط ثلاث طائرات من دون طيار في سماء مدينة خانيونس. كذلك، أعلنت «كتائب المجاهدين»، بالاشتراك مع «كتائب شهداء الأقصى»، دك القوات المتركزة في محور «نتساريم» بصاروخي «107». وذكرت «مجموعات الشهيد عمر القاسم»، من جهتها، بالاشتراك مع «كتائب الشهيد أبو علي مصطفى»، أن مقاوميهما استهدفوا القوات المتوغّلة في مخيم جباليا بقذائف الهاون.
ويُسجّل في كل العمليات الميدانية التي شهدتها الأيام الماضية، أن هيكلية المقاومة وقنوات التواصل ما بين الميدان والقيادة وحتى «الإعلام الحربي»، تعمل على أعلى مستوياتها، وهو ما يؤكد أن الأذرع العسكرية تستطيع عقب كل عملية توغّل، إعادة ترميم بنيتها وامتصاص ما تتعرّض له من ضربات، ومواءمة تكتيكتها مع طبيعة كل مرحلة وما تمتلكه من إمكانيات.

