ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لماذا نعاقَب جماعيّاً: قانون يشرّع المجازر

لبنان
|سياسة
حفظ المقالة
الأخبار
الثلاثاء 15 تشرين اول 2024
الخط
ريبال سالم*
«كان ذلك في بلاد الفلاحين، على تلال البلقان،
مجموعة من الأولاد، ماتوا شهداء في اليوم ذاته.
جميعهم ولد في السنة ذاتها،
وتابعوا جداول الدراسة ذاتها،
وارتادوا الاحتفالات ذاتها،
وتلقّوا اللقاحات ذاتها،
وماتوا جميعاً، في اليوم ذاته»
ــــ من قصيدة «حكاية دموية»، للشاعرة الصربية ديسانكا ماكسيموفيتش، حول مجزرة كراغوييفاتس


في 21 تشرين الأول 1941، اعتقلت القوات الألمانية التي اجتاحت صربيا أكثر من 2700 فتى ورجل مدني من مدينة كراغوييفاتس في صربيا، واقتادتهم إلى حقل، وأعدمتهم بالأسلحة الرشاشة طوال 7 ساعات. جاءت الإعدامات ردّاً على كمين نصبه مقاومون صربيون قبل بضعة أسابيع للقوات الألمانية (استطاعوا فيه إيقاع أكثر من 35 جندياً ألمانياً بين قتيل وجريح)، وعملاً بالقاعدة التي وضعها النظام الألماني للجم التمرد في البلدان المحتلة، وهي «إعدام مئة شخص لكل جندي ألماني يُقتل، وخمسين لكل جندي يُجرح». ولا تزال هذه المجزرة أحد الأمثلة الأكثر شيوعاً عن العقاب الجماعي.

التبرير القانوني للعقاب الجماعي
في كتابه «لماذا ينجح الإرهاب» (2002)، يدافع ألان ديرشوفيتز دفاعاً شرساً عن جدوى العقاب الجماعي في فلسطين. فهو يعتبر أنّ نسبة «مقاتل/غير مقاتل» ترتفع في المجتمعات التي «تُؤوي الإرهاب»، وأن هذه المجتمعات، وإذا سمحت للإرهابيين بالعيش فيها، ودعمتهم، وجعلت ممن يُقتل منهم شهيداً وعلّقت صوره، تصبح شريكة في الإرهاب، وأنه لا يعود هناك داعٍ لرسم خط فاصل بين المقاتلين والمدنيين. بل على العكس من ذلك، يجب أن يعاقَب «من يرسلهم إلى القتال، ومن يستفيد منهم، ومن يؤثر عليهم» - أي ببساطة، كل المجتمع.
ألان ديرشوفيتز هو أحد الأعمدة الثقافية للّوبي الصهيوني الأميركي، ومستشار قانوني للحكومة الإسرائيلية، كونه أحد أهم أساتذة القانون والمحامين في الولايات المتحدة (وهذه ليست مبالغة، فحتى فريق جوليان أسانج القانوني طلب منه الدفاع عن مؤسس «ويكيليكس»). ودائماً ما وجد ديرشوفيتز حججاً قانونية تبرر الاحتلال الإسرائيلي؛ فهو اعتبر هذه السنة مثلاً أن هناك «مهلة إسقاط قانونية» للقضية الفلسطينية، وأنها انقضت وانقضى معها حق الفلسطينيين بالعودة. في «لماذا ينجح الإرهاب» (وهو من أكثر الكتب إجراماً ولاإنسانيةً، ولا يمكن إلّا أن يشي باختلال نفسيّ إجرامي)، يضع ديرشوفيتز آليات قانونية لردع حركات المقاومة، من التعذيب الجسدي «الأخلاقي»، مروراً بالعقوبات الاقتصادية الشاملة، إلى القتل والتدمير الجماعي. وأخذ الإسرائيليون فعلياً بالكثير من هذه الآليات، وطبقوها على الفلسطينيين.
يقول ديرشوفيتز إن المجتمع الذي يستفيد من الإرهاب، يجب أن يتحمل مجتمِعاً مسؤولية الإرهاب، وإن ما يزيد من ضرورة العقاب الجماعي هو صعوبة التمييز بين الإرهابي وغير الإرهابي، فمن الأفضل إذاً أن يعاقَبوا جميعاً. وهو أيضاً، في المناسبة، صاحب فكرة إنذار الناس قبل تدمير بيوتهم، وهي الإستراتيجية التي يستخدمها الإسرائيلي اليوم في غزة والضاحية الجنوبية. وبالنسبة إليه، فإن هذا الإنذار هو بمنزلة حلّ للمعضلة الأخلاقية التي واجهتها إسرائيل عند هدم بيوت الفلسطينيين بحجة إيوائها مقاومين؛ رغم أنه لا يجد شخصياً معضلة أخلاقية في ذلك، إذ يرى أنه لا يحق لامرأة أن تبكي على ركام بيتها «بعدما كانت تحتفل بتفجير مطعم إسرائيلي».
التبرير الأخلاقي الذي يقدّمه ديرشوفيتز للعقاب الجماعي، يعود إلى وظيفتي النظام الجزائي التقليدي، وهما الردع والعقاب. فهو يرى أن العقاب الفردي لا ينفع ضد حركات المقاومة في فلسطين لسبب بسيط، وهو أن المقاوم الفلسطيني لا يخشى التهديد بالموت (وهذا في رأيه دليل تخلّف، على عكس تقدّمية الإسرائيلي «المحب للحياة»). أمّا إذا هُدّد بهدم بيته، أو اعتقال شقيقه، فهذا قد يشكّل رادعاً مهماً. ما ينظّر له فعلياً ديرشوفيتز، هو قانون جزائي ذو نوع خاص يطبّقه الإسرائيلي على الفلسطيني، ليردعه عن مخالفته، ويعاقبه وعائلته ومجتمعه كاملاً إذا خالفه. وهو يشكّل أيضاً، كما سنشرح لاحقاً، القانون الدولي الفعلي في عالمنا.

من يشرّع اليوم؟
القانون أداة حكم، وليس إلا شريعة الحاكم. ومخطئ من يعتقد أنّ ثمة ركائز إنسانية سامية لا نقاش فيها، تنبثق منها القواعد القانونية التي تحكم المجتمعات. ومخطئ أيضاً من يعتقد أن القانون هو بنية منفصلة عن السياسة والمجتمع، وهو واجب التطبيق لأنه، ببساطة، قانون، وأنه على كل من يخالفه أن يتحمل عواقب فعله بلا اعتراض.
الشريعة الدولية الفعلية اليوم ليست القوانين الدولية المعلقة على جدران مقرات الأمم المتحدة، بل هي شريعة يضعها النظام الحاكم الدولي، أي النظام الرأسمالي الغربي (وإذا كنت تعترض على هذا التوصيف أو تعتقد أن هناك نظاماً آخر يحكمك – أو يحتلّك على حد قول البعض – فيكفيك أن تفتح محفظتك وتنظر إلى العملات التي تحملها معك). ومن يستحق العقاب ليس من يخالف القانون الإنساني الدولي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بل من يخالف القانون الدولي الفعلي، أي القانون الذي تفرضه الولايات المتحدة (وضمناً إسرائيل) على العالم، والذي يخدمه أمثال ألان ديرشوفيتز.
فأن يرتضي الفلسطيني أو اللبناني لنفسه أن يبقى فقيراً يعيش من فتات القيمة التي ينتجها في عمله، لا سيادة له على أرضه ولا على اقتصاده ولا قدرة له على التحكم في مستقبله، فهذا، وإن كان ظالماً، إنما هو ضمن هذا القانون الدولي. وأن يرتضي الفلسطيني أو اللبناني لنفسه بأن يكون حقلاً للتجارب العسكرية، وأن يرى منزله ومدينته مدمّرين لمجرد كونه في الطرف الخاسر من عملية الهدر الاقتصادي، فهذا أيضاً ضمن القانون. أمّا مخالفة هذا القانون الدولي، ورفض الخضوع لهذا الظلم، فهما ما يستحق العقاب. والعقاب الجماعي هنا ليس مجرد نزعة انتقامية سادية كما يصوّرها البعض، أي إن الإسرائيلي لا يقتل اللبناني والفلسطيني لأنه مجنون ويريد حرق الأخضر واليابس، بل العقاب الجماعي هو الوسيلة المعتمدة – المنطقية والعقلانية في العقل الغربي - لحماية هذا النظام ومنع تعريضه للخطر.

حول سؤال «ما ذنب المدنيين؟»
يشرح أستاذ القانون جورج فلتشر كيف أن العقاب الجماعي، بمعناه القانوني الجزائي، ارتبط في الروايات القديمة الإغريقية والتوراتية بمفهوم الذنب الجماعي، على شكل «وصمة» أو «تلوّث». يعني بذلك أن الخطيئة التي يرتكبها الفرد تنعكس أحياناً تلويثاً لشعبه بكامله، وأن هذا الشعب سيتلقى عقابه لمجرد احتوائه المذنب، فلا تمييز بين الفرد والجماعة في هذا السياق. إن المسؤولية التي يحملها كل فرد في هذا الإطار هي مسؤولية وضعية، ولا دخل لإرادته فيها. وعملاً بهذا المبدأ، يبرَّر كيف يعاقَب شخص لم يشارك ولم يدرك حتى العمل المعاقَب عليه. وبهذا المبدأ ذاته، يقوم القانون الدولي الفعلي بتبرير العقاب الجماعي.
المسألة تكمن اليوم في مدى تأثر عقل الإنسان الفلسطيني واللبناني وغيره، بمبدأ الذنب الجماعي. نسمع يومياً، في فلسطين كما في لبنان، أن مدنيين سقطوا جراء غارة استهدفت عنصراً في المقاومة، ومخزناً لسلاحها. العبرة هنا ليست في ذنب المدنيين، أي غير المقاتلين، في وجودهم بالقرب من مقاتلين وسلاح. صحيح أنّ من بين المدنيين الذين يُقتلون بحجة وجودهم على مقربة من سلاح حزب الله أو عناصره، يوجد مَن يدعم المقاومة، ومَن يعاديها، ومَن يرضى بقدر الاستشهاد على يد إسرائيل، ومَن لا يرضى به… العبرة هي في أنك، إذا سألت نفسك عند سقوط هؤلاء: «ما ذنب المدنيين بوجود سلاح حزب الله أو عناصره بينهم؟»، فأنت بذلك قبلت بالقاعدة القانونية التي فرضها العدو عليك، وقبلت بأن هؤلاء المدنيين «لُوّثوا» بوجود عنصر أو سلاح حزب الله بينهم رغم عدم إدراكهم ذلك، وأن هذا يبرر ضمناً فعل إسرائيل. عبر فرض هذا المنطق، تنزع إسرائيل نفسها من معادلة المسؤولية - رغم أنها هي التي تُسقط أطنان المتفجرات على رؤوس المدنيين - وتقع مسؤولية العقاب على من يقاتلها، بل يصبح هذا الأخير هو الذي يختار طوعاً اجتلاب العقاب على مجتمعه كله.
العبرة الفعلية، وما يجب أن نعرفه، هو أنه إذا دمرت إسرائيل مبنىً سكنياً كاملاً بحجة قتل مقاتل واحد أو تدمير أسلحة مزعومة، فقتلت في هذا المبنى مئة مدني، فهؤلاء المدنيون ليسوا «أضراراً جانبية»، إنما هم أيضاً أهداف تساوي بوزنها الهدف الأساسي الذي تزعم إسرائيل وجوده. العقاب الجماعي لم يكن يوماً هدفه معاقبة المقاتل، إذ كما يعترف به ديرشوفيتز، لا جدوى فعلية من قتل أفراد قبلوا بالقتال حتى الموت. أمّا المدني المقتول، والبيت المدمّر، والأرض المحروقة، فهؤلاء ليسوا ثمناً لمصادفة وجود من يقاتل إسرائيل بين الناس؛ بل هم ثمن استعداد إسرائيل والولايات المتحدة لارتكاب بشاعات تتجاوز تصوّر الإنسان لإبقاء سلطتها على كل هؤلاء الناس وإخضاعهم.

* جامعي لبناني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك