أما في شمال القطاع، فتتواصل عملية الإطباق على مخيم جباليا وكافة مناطق محافظة الشمال، لليوم العاشر على التوالي. وبينما لم يعلن جيش العدو عن أهدافه من هذا الهجوم المفاجئ، فإن الوقائع تظهر مجهوداً حربياً قوامه التخريب وتدمير أكبر قدر ممكن من الكتلة العمرانية في المخيم، ما يفضي إلى تحويله إلى منطقة غير صالحة للحياة. وعلى ذلك الطريق، يستخدم الاحتلال أدوات شديدة العنف والبدائية، إذ تحمل جرافات الاحتلال براميل بلاستيكية كبيرة محشوة بالمتفجرات، ويُزج بها وسط الأحياء العمرانية، ثم يتم تفجيرها، ما يتسبب بخراب العشرات من المنازل وتدمير كلي للبنى التحتية. وفي حالات أخرى، يزج جيش العدو بالروبوتات المفخّخة في المناطق التي يخشى أن يلاقي فيها مقاومة أو كمائن.
ووفقاً لشهود عيان من داخل المخيم تحدّثوا إلى «الأخبار»، فإن جيش العدو لم يقم منذ بداية التوغل بعمليات نشطة على صعيد المداهمات والاعتقالات والتمشيط، وقد انحصر تموضعه في حي القصاصيب وسط المخيم، ومنطقة الإدارة المدنية شرقاً، وحيي التوام والصفطاوي غرباً. ومن تلك النقاط، ينطلق في تنفيذ عمليات تفجير واسعة للأحياء والأبنية، فيما يعتمد على الوسائل التكنولوجية مثل طائرات ال»كوادكابتر» والمسيّرات ووسائط المدفعية، في الاستحكام الناري وفرض الطوق على تحرّك الأهالي الذين لا يزال عشرات الآلاف منهم في داخل المناطق المحاصرة.
على خط مواز، نفذ جيش الاحتلال مسرحية مخادعة، بزعمه إدخال 30 شاحنة من الطحين إلى المناطق المحاصرة، وذلك بعد انتقاد نائبة الرئيس الأميركي والمرشحة للرئاسة، كمالا هاريس، عبر منصة «إكس»، حملة التجويع. غير أن مصدراً حكومياً في القطاع أكد، لـ»الأخبار»، أن شاحنات الطحين أُرسلت إلى مدينة غزة وليس إلى المناطق المحاصرة في شمال القطاع، والتي لم يدخل إليها منذ ثلاثة أسابيع أي نوع من المساعدات، فيما منذ عشرة أيام لم تصل إلى الأهالي قطرة ماء واحدة. وكانت ذكرت مصادر عبرية أن وزير الجيش الإسرائيلي، يوآف غالانت، أبلغ نظيرة الأميركي، لويد أوستن، أن جيشه يقوم في شمال القطاع بعملية عسكرية بحتة، ولا ينوي تطبيق «خطة الجنرالات» ولا يعمل على تجويع السكان، وقد فتح معبر زيكيم لإدخال المساعدات. وهنا، لا بد من التوقف عند جملة من الحقائق:
- فشل جيش العدو حتى اللحظة في دفع سكان شمال القطاع إلى النزوح الجماعي صوب الجنوب، بل إن عدد العائلات التي نزحت منذ بداية العملية البرية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
- يقوم الاحتلال بأكبر عملية تشويه وتغيير ديموغرافي في شمال غزة، حيث دمر المئات من المباني والشقق السكنية والأبينة، وهو ما يمنحه فرصة عسكرية أفضل لتنفيذ عمليات سهلة من دون عوائق، بمعنى أنه يوسّع مساحة المنطقة العازلة المكشوفة إلى داخل الأحياء المأهولة.
- يسعى جيش العدو إلى صناعة واقع طارد للحياة، يحرم سكان القطاع أسباب تمسّكهم بالبقاء، ويدفعهم إلى استثمار أي فرصة للهجرة في أي وقت تتوقّف فيه الحرب.
- القتل بلا حسابات وتعمّد إيقاع أكبر قدر من الضحايا من مختلف فئات المجتمع، هو هدف بحد ذاته؛ إذ تكرّرت منذ بداية الحملة البرية الأخيرة عمليات القتل العشوائي والاستهداف من دون أي داعٍ.
في مقابل كل ما سبق، لم تعطِ المقاومة جيش العدو، منذ بداية العملية البرية، هامش تثبيت قواته والعمل بهدوء، إذ نفذت، أمس، عدداً من المهمات القتالية. وأعلنت «كتائب القسام» تمكن مقاوميها من تفجير جرافة «دي ناين» بعبوة شديدة الانفجار قرب مدرسة حفصة في حي القصاصيب وسط مخيم جباليا، فيما تحدّثت «سرايا القدس» عن خوض مقاوميها اشتباكات عنيفة من مسافة صفر مع قوات العدو المتوغّلة في حي الفالوجا. كذلك، نشرت «كتائب القسام «مشاهد أظهرت مقاوميها وهم يفجرون ناقلة جند بقذيفة «تاندوم» في شمال بيت لاهيا، ووزعت أيضاً مشاهد للكمين المركب الذي استهدفت فيه 12 جيباً وآلية عسكرية شرق مخيم جباليا.
ودفع هذا الضغط العسكري وصمود أهالي شمال القطاع، المسؤولين الإسرائيليين إلى التأكيد أنه لم تكن هناك نية لتنفيذ «خطة الجنرالات»، على رغم أن كل الشواهد والأدوات التي استخدمت طوال 10 أيام مضت، لم تكن إلا خطوات إجرائية لتنفيذ تلك الخطة.

