أوّل غيث الميدان

نجيب نصر الله
الخميس 17 تشرين اول 2024
الخط
لم تكن مشكلة العرب يوماً في عسكرهم وإنما في سياسيّيهم. فعطب البنى السياسية، وانعدام وطنية رجالاتهم واستعدادهم للارتهان «المجاني» للأميركي، ومن قبله البريطاني والفرنسي... كل ذلك هو أصل البلاء العربي وسببه الرئيسيّ. ولو كانت البنية السياسية الحاكمة في الأقطار العربية غيرها لكانت النتائج حتماً مختلفة. بل إن الأميركي ما كان ليجرؤ على الاستهانة بالعرب وبمصالحهم، على نحو ما يجري اليوم من استباحة أميركية غير مسبوقة ليس لعموم المصالح العربية فحسب، وإنما أيضاً للدماء والأرواح. ولأمكن، أساساً، منع سقوط فلسطين وما تلا هذا السقوط من كوارث أركعت مصر وحطّمت العراق وأثخنت سوريا وهشّمت ليبيا... وصولاً إلى يومنا هذا الذي تباد فيه غزة ويُستفرد بلبنان.
وخلافاً للأكذوبة الخبيثة التي انطلت على كثيرين منا، وقالت بمسؤولية العسكر العربي عن «ضياع» فلسطين، وعن غيرها من الهزائم التي سبقت هذا الضياع أو لحقته، فالواقع أن السياسيين والحكام العرب هم وحدهم من يتحمّل المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن كل تلك الإخفاقات والهزائم. فهم من عطّل القدرات وحال دون توظيفها، وهم من مرّر المشاريع التآمرية التي لم توفّر عاصمة من عواصم المواجهة، وهم من رعى وموّل الهجرات الصهيونية إلى فلسطين ودعمها عبر أميركا والغرب بالمال والنفوذ، وهم من حال بين الجيوش وإسرائيل... بل يمكن القول إن التآمر الرسمي العربي على فلسطين قد فاق بأشواط التآمر الأميركي والغربي عليها.
إن الأدوار التآمرية والخيانية التي لعبها «الملوك والرؤساء العرب»، من آل سعود إلى الحسن الثاني إلى جعفر النميري إلى أنور السادات... هي امتداد للأدوار التي يلعبها اليوم كل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وعبد الفتاح السيسي وعبدالله الأردني ومحمد المغربي... وهي التي توفّر اليوم للعدو الأميركي القدرة على دكّ المدن وحرق القرى وتدمير البلدات في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا.
إنه الفوات التاريخي الذي صنعه هؤلاء وأمثالهم. الفوات الذي ما كان ليكون على هذا القدر المأساوي لو لم نُبتلَ كأمة بأمثال هؤلاء المهزومين الذين يحرصون على الهزيمة بأشد من حرصهم على ثرواتهم المسروقة ومناصبهم المغتصبة.
اليوم، أمام المعركة الكبرى التي يخوضها أحرار لبنان وفلسطين واليمن والعراق وسوريا ومعهم إيران، فإن الخشية ليست من الميدان بقدر ما هي من حكام العرب وسياسيّيهم الذين يسهرون على الإيقاع الكامل بالمنطقة ويسخّرون للمهمة «الإبراهيمية» المكلّفين بها كامل طاقاتهم.
نعم، لم تكن الخشية في يوم من الأيام على الميدان ولا منه. ففي كل معركة فعلية تسنّى للمقاتل العربي خوضها، كانت النتائج أكثر من مشرّفة، بل وموضع تقدير من العدو نفسه. وما يجترحه الأبطال في غزة ولبنان واليمن دليل حاسم على قدرة المقاتل العربي وشدة بأسه ومدى بسالته.
إن الخوف، كل الخوف، اليوم، كما بالأمس، هو مما يدور في الغرف المغلقة التي تحاول الالتفاف على منجزات الميدان اللبناني والغزاوي. ففي الأمس غير البعيد تكفّل الخائن أنور السادات بتبديد انتصار تشرين ومن ثم تحويله إلى هزيمة موصوفة أفضت إلى كامب ديفيد وقادت لاحقاً إلى جعل «المارد المصري»، وهو كان كذلك فعلاً، بمثابة ذيل لمحميات الخليج ومشيخاته التافهة، ومن رئيسها الحالي سمسار جزر وعقارات لقاء بقائه في منصبه. واليوم ثمة محاولات لبنانية وعربية لمحاصرة الإنجازات الميدانية التي يصنعها أبطال لبنان وفلسطين. لذلك يتوجب على كل من يشارك بمكائد الغرف السوداء وألاعيبها أن يتنبّه جيداً، إلى أن ما كان ممكناً في زمن السادات وأمثاله لن يكون ممكناً اليوم، بل إن دون ذلك أهوالاً وأهوالاً لن يكون بمقدور أحد منعها. وعلى سياسيّينا ألا يتدخلوا في عمل الميدان وأن يعوا أن المقاومة قادرة وستبقى كذلك، ولن تتساهل مع أدنى تدخل.
لم تكن ضربة «بنيامينا» إلا أول الغيث الموعود، وعيّنة أولية عن بأس الرجال الثابتين على عهد المقاومة ووعد سيّدها الشهيد. وللعلم فإن الضربة هذه ستحفر في الوعي الإسرائيلي كما حفرت عملية أنصارية وغيرها من العمليات. فالضربة التي جاءت في توقيت غاية في الدقة بدّدت مرة جديدة أوهام القوة والتفوق الإسرائيلييْن.
الضربة التي فاجأت العدو وأفقدته روعه هي أول الحساب المفتوح. ومن شأن بضع ضربات مماثلة أن تفرض على العدو وقف النار والتراجع والتسليم بما يحاول الهرب منه ومعه من معه من دول عدوان وأساطيل حرب.
وليعلم الجميع أن ميدان لبنان وفلسطين وسائر الميادين المتمّمة غير ميدان الأمس العربي. وقادة اليوم غير قادة الأمس.
