النبطية... حاضرة جبل عامل وروحه


المدرسة الأولى في النبطية
في عام 1880، عيّن الوالي حمدي باشا على سوريا، وقد مرّ بالنبطية في عام 1883 وأعجب بموقعها وحركتها التجارية، وأعلنها قائمقامية صغيرة بعدما كانت مديرية، واختار الزعيم المعروف رضا أحمد باشا الصلح حاكماً لها. وقد بادر إلى تأسيس مدرسة أهلية على المناهج الحديثة بإدارة مصطفى حكمت أفندي العكاري الطرابلسي. وقد ضمت المدرسة حوالى ستين تلميذاً من النبطية وقرى جبل عامل. وزودها بأساتذة من بيروت وطرابلس وكان يزورها كل يوم تقريباً. وكانت الدروس تقتصر على النحو والصرف والأدب العربي والحساب والتاريخ واللغة التركية (لغة الدولة الرسمية)، ثم تولى التدريس والإدارة السيد محمد علي إبراهيم بعد استقالة المدير الأول، والذي طور التعليم وأخذ يُلقي دروساً في المنطق والبيان والفلسفة على طريقة ابن سينا، وبعض الطبيعيات، ثم درس كتاب «النقش في الحجر» تأليف الدكتور كرنيليوس فندايك.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، أقفلت أبوابها، وأتى بهيج بك الفضل معلماً أول للمدرسة من قبل «جمعية المقاصد» حيث جرى استئجار منزل موسى سلوم كبناء مدرسي مؤقت، ريثما أعيد بناء المدرسة على أنقاض المدرسة الأم بعدما تداعت خلال إقفالها. وبعد افتتاحها، تولى إدارتها معلم من طولكرم في فلسطين، يدعى عارف أفندي ومعه الشيخ حسن حوماني الذي كان يعلّم الدين والأدب والصرف والنحو، ثم وضعت سلطة الانتداب الفرنسي يدها على المدرسة في عام 1920 وأصبحت تحت رعاية «نظارة المعارف» وهي التي تنفق على معلميها، وعينت لها مديراً يدعى توفيق عواد ومعه ثلاثة معلمين يتقنون اللغة الفرنسية هم: ميشال الخوري، ملحم عازوري، ويوسف الحاج، وكان معهم معلم قرآن ولغة عربية يدعى مصطفى عبد النبي من صيدا. وهنا حلّت اللغة الفرنسية لغة «الانتداب» مكان اللغة التركية. وكان منهاج التعليم لغة فرنسية واستظهار، لغة عربية واستظهار، وتاريخ، وجغرافيا، وحساب، وعلوم. وكان الطلاب حينها يجلسون على حصُر على الأرض قبل استحضار مقاعد خشبية باستثناء كرسي واحد للمعلم.
وكان معظم أساتذة المدرسة في حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من خريجي دار المعلمين القديمة، وعلى مستوى ثقافي عال، وكان بينهم شعراء وأدباء وكوادر حزبية، وعلى سبيل المثال: الشاعر والأديب إبراهيم فران، الشاعر جعفر محسن الأمين الشاعر نور الدين حيدر بدر الدين، عبدالله سليمان ظاهر (مؤلف الكتب المدرسية)، كاظم الحاج علي (مدير الإذاعة اللبنانية)، حسن باشو (مدير مكتب رئيس الحكومة رياض الصلح)، الكاتب أحمد غربيّة، المؤرخ الشيخ علي الزين، الأديب حبيب صادق، الدكتور نمر صباح (أول من نال دكتوراه في التربية والآداب في النبطية من باريس).

وكانت الدراسة في المدرسة الابتدائية تنقسم إلى الصفوف التالية: قسم الحضانة، تجهيز أول، تجهيز ثان، إعدادي أول، إعدادي ثان، متوسط أول (سنة خامسة)، متوسط ثان (شهادة السرتفيكا). وقد بلغ عدد تلاميذها في العام الدراسي 1928-1929، 395 طالباً ومن أراد متابعة دراسته كان عليه الذهاب إلى مدارس صيدا أو بيروت. وبقيت المرحلة الابتدائية حتى العام الدراسي 1941-1942 حيث التقى فريق من الطلاب في صيف عام 1942، في منزل الشيخ أحمد رضا. وبتشجيع منه التقوا الزعيم رياض الصلح الذي كان يزور الشيخ كعادته مع ابنته علياء، وطالبوه بفتح مرحلة متوسطة للتخفيف من أعباء الطلاب وأهاليهم فوعدهم بذلك. وكان لهم ما أرادوه مع بداية العام الدراسي الجديد، وكانت المرحلة المتوسطة تتألف من ثلاث سنوات.
المجالس الأدبية والثقافية والمجلّات
اشتهر مجلس العلّامة الشيخ أحمد رضا وذاع في الثلاثينيات والأربعينيات وكان يؤمّه المستشرقون والأدباء والزعماء السياسيون، لما له من مكانة أدبية مرموقة ومكتبة غنية بالمخطوطات، وللأسف ضاعت واندثرت بعد وفاته. ومن أشهر زواره: رئيس «المجمع العلمي العربي» في دمشق محمد كردعلي، والبحاثة محمد جميل بيهم، والزعيم رياض بك الصلح، وشكيب أرسلان، وصديق العمر الشيخ أحمد عارف الزين، وأدباء وعلماء من الشام والعراق ومصر وفلسطين ممن كانوا يتوافدون إليه وإلى منزل الشيخ سليمان ظاهر. ومن الجدير ذكره الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري حين تبلّغ قرار إبعاده عن لبنان في عام 1951 كان وقتها في منزل الشيخ أحمد رضا، بعد إلقائه قصيدته الشهيرة في بيروت في ذكرى الزعيم عبد الحميد كرامي ومطلعها: «باق وأعمار الطغاة قصارُ».
وبرز أيضاً مجلس الشيخ عبد الحسين صادق بعد بنائه لحسينية البلدة في عام 1910، والتي أصبحت مجلساً أدبياً واجتماعياً رفيع المستوى. فاللقاءات التي كانت تعقد، كانت تضمّ مختلف أدباء وعلماء جبل عامل وبلاد الشام والنجف في تلك الحقبة، حيث كانوا ينزلون ضيوفاً على الشيخ. وقد زاره في مطلع الثلاثينيات أمير البيان شكيب أرسلان واعترف له بشاعريته. كما كان هناك مجلس قديم العهد يعود إلى القرن الثامن عشر في دارة آل الفضل وهم من الزعماء المعروفين على صعيد جبل عامل، وقد استمر دورهم حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي. كانت دارة آل الفضل عامرة باللقاءات الشعبية والسياسية والاجتماعية مطلع القرن العشرين. وخلال هذا القرن أنجبت النبطية العشرات من الأدباء والشعراء والفنانين ورجال السياسة والمفكرين والعلماء، وكانت هناك محاولات لإصدار عدد من المجلات الأدبية والاجتماعية، وكانت أولاها في عام 1936 مجلة «النبطية» وهي بحجم الجيب، ومطبوعة على الآلة الكاتبة وبخط اليد، وصدر منها ثلاثة أعداد لصاحبيها كاظم حبيب الحاج علي ومحمد بدير. أما المجلة الثانية وهي متطورة من حيث الطباعة والإخراج، فهي «الناشئة»: مجلة مدرسية أدبية، صدر منها أربعة أعداد ابتداءً من آذار 1944، وكان يشرف على المجلة ورئيسها الفعلي الأديب إبراهيم فرّان عبر إنشائه في عام 1944 «نادي الإخاء». وقد قام النادي بعدد من النشاطات الثقافية عبر محاضراته القيّمة التي كانت تُجرى في مركزه المُستأجر في «لوكندة زهرة الجنوب» في الساحة العامة، وقد انضم إلى النادي العشرات من الشباب المثقفين وأساتذة المدرسة الابتدائية الوحيدة في النبطية آنذاك.
نادي الشقيف أبرز أندية النبطية
حصلت «جمعية نادي الشقيف» على ترخيص لها في نيسان من عام 1963. في البداية، جرى استئجار شقة بملك توفيق فخر الدين مقرّاً للنادي، حيث كانت تعقد الاجتماعات، وبعدها انتقل المركز في عام 1966 إلى شقة أكبر في بناية أنيس فهد (نزلة الديماسي)، بقي فيها حتى بناء مقر للنادي على جبل الرويس. من أبرز النشاطات الثقافية والفنية التي جرت في حقبة ستينيات القرن الماضي محاضرات ولقاءات ثقافية وشعرية لكل من الشعراء: سعيد عقل، السيد نور الدين بدر الدين، نزار قباني، فؤاد الخشن، ياسر بدر الدين، الشاعر العراقي بلند الحيدري، الشاعر السوداني محمد الفيتوري، الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، الأديب ميخائيل نعيمة، الفنان حسن علاء الدين (شوشو)، الشيخ جعفر صادق، الأديبة نور سلمان، الدكتور مالك بدر الدين، الدكتور علي شلق.

وقد جرى مهرجان شعري من تنظيم النادي وأقيم في ثانوية الصباح في عام 1966 بحضور كل من: زهرة الحر، موسى الزين شرارة، عبد الكريم شمس الدين، أحمد سليمان ظاهر، عبد الحسين عبدالله، بولس سلامة، ومعارض رسم لكل من: زعل سلوم، حمزة الحسيني، عصام بوخدود، ادمون سكاف، وجيه نحلة وعلي بدر الدين. كما كان هناك حفلة موسيقية لشيوخ الطرب، وفرقة الغيتار الأزرق على مسرح «سينما ريفولي». ثم بدأ التفكير جديّاً في بناء مركز مستقل للنادي، ففي أواخر عام 1966 جرى شراء قطعة أرض على مرتفع جبل الرويس في المدينة وعلى التلة المعروفة باسم «تلة حمادي» من عضو النادي السيد محي الدين طه بنصف ليرة للمتر المربع، وتبرع محي الدين طه، بنصف ثمنها أيضاً لمصلحة النادي، وسجلت الأرض باسم عادل صباح وحبيب وهبي لتسهيل المعاملات الرسمية والإنشاءات.
في المرحلة الأولى، جرى شق طريق إلى التلة ورصفها بالحجارة من قبل متطوعين من شباب وصبايا المدينة، ومن عائلات الهيئة الإدارية، ثم جرى تعبيدها وإيصال الكهرباء إليها بمساعدة النائب أنور الصباح. وتكفّل الإشراف على البناء مجاناً المهندسان مهند صباح وصادق صادق والمعمرجي علي حيدر وهبي. ثم بدأت مرحلة التمويل لبناء النادي عبر تبرعات من الأعضاء والمغتربين ومن ربع حفلات فنية ورحلات ترفيهية أقيمت لهذه الغاية، ومن ضمنها حفلة فنيّة للشاعر زين شعيب.
مسرح وشعر
عمل عادل الصباح بعد استلامه رئاسة النادي في عام 1972 على تفعيل الحركة الفنية، وقام بتأسيس فرقة فنية لنادي الشقيف متعاوناً مع نخبة من طلاب دار المعلمين، والمربية فريحة الحاج علي، والمربية ليلى نصار. وكان المسؤول المباشر عنها حسن رشيد نصار، كما جرى اتصال مع الشاعر والمؤلف المسرحي طعان أسعد (من بلدة عرمتى) لإعداد عمل مسرحي خاص بالفرقة باسم «عتمة الليل».
وكان اشتراك البنات عملاً نادراً في الفرق المسرحية في ذلك الوقت في النبطية باستثناء الفرق المدرسية، وقد ذهب عادل صباح بنفسه إلى منازل البنات لطمأنة أهاليهن وإعطاء الثقة بالمشاركة. كما جرى التعاون مع مدرستي فريحة الحاج علي وليلى نصار لانتقاء فرقة الدبكة، وكان للمربية فريحة الحاج علي دور مهم في اختيار الفتيات. وقد بلغ عدد المشاركين بين ممثلين وكومبارس وفرقة دبكة حوالى 75 شخصاً.
وكانت أول مسرحية بفرقة متكاملة مع أغانٍ وموسيقى وقصة وأدوار مختلفة، وجرى تسجيل الأغاني في استديوهات الإذاعة اللبنانية. وقد عرضت على مسرح مدرسة الراهبات لعدم وجود مسرح في نادي الشقيف، وكانت مدفوعة الأجر. ثم عُرضت المسرحية على المسرح الروماني في صور، كذلك عُرضت على مسرح العربية لمدة يومين بإشراف المسؤول الفني حسن رشيد نصار ثم جرى تقديم مقاطع منها في المهرجان الاغترابي الذي جرى في النادي في عام الجامعة 1973 مع بث مباشر من تلفزيون لبنان.
كذلك، أقيم في صيف العام نفسه مهرجان الشعر الجنوبي بالاشتراك مع «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» بمشاركة الشعراء الشباب: محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع، عبد الكريم شمس الدين، السيد محمد حسن الأمين، حسن عبدالله، محمد فرحات عصام عبد الله وإلياس لحود. وبعد نجاح المسرحية الأولى، جرى الإعداد لمسرحية ثانية في عام 1975، بعنوان «نواطير بلا كروم» بالتعاون أيضاً مع طعان أسعد، وجرت التسجيلات في استديو بيروت بمشاركة المطربة الشهيرة حينها سماهر والملحن والمطرب عازار حبيب، والمطرب نايف علي من طرابلس وإخراج علي يونس من بلدة عنقون، وعُرضت على مسرح نادي الشقيف بعد تجهيزه. وقد شارك فيها كل من: صفاء عادل صباح، حيدر بعلبكي علي سلوم، عصام وشكري رحال، سلام حبيب جابر، رفيق علي أحمد، أمال كالوت، وكانت هذه المسرحية على مستوى عال من الاحترافية بعدما أصبح عندها خبرة من المسرحية الأولى، بالإضافة إلى دفع تكاليف للمدربين والمشرفين عليها، ومن مدربي الفرقة حسن بدر الدين من بلدة حاروف، وسكان الغبيري، والعضو في فرقة كركلا الشهيرة، وبمساعدة حيدر بعلبكي الذي كان له دور أساسي في إعداد هذه المسرحية.
أسس اتحاد الشباب الديموقراطي فرقة «المسرح الشعبي» وأقامت أول عمل لها بعنوان «الفجر» في عام 1973، كذلك مسرحية «ومرقت الغيمة» التي نالت نجاحاً كبيراً بعدما عرضت على مسرح «سينما ريفولي»، ثم عرضت على مسرح قصر الأونيسكو في بيروت في الثامن من آذار 1975 في مناسبة يوم المرأة العالمي. كما عرضت مسرحية أخرى بعنوان «كفر جبروت» في بلدة جباع بعدما ترك عدد من أهالي النبطية البلدة وتهجروا إليها بفعل القصف الإسرائيلي اليومي على المدينة. وقد انتقل النشاط الفني من النبطية إلى جباع وجرى استثمار مقهى لعرض نشاطات النادي، وكانت المسرحية ثمرة نشاط مشترك بين نادي الشقيف واتحاد الشباب الديموقراطي ونادي المرج، وهي من إعداد وإخراج فيصل فرحات وعرضت في شهر آب من عام 1977 على ملعب المدرسة الرسمية.
وكذلك، عُرضت مسرحية «الغربال» في صيف عام 1974 من تأليف فيصل جميل وإخراج حسين ياغي وتناولت الحالة الاجتماعية والسياسية والمحسوبيات والرشاوى وغير ذلك من الأوضاع التي يعيشها لبنان. وقد نالت المسرحية تنويهاً من النقاد ورحّب بها كل من يعقوب الشدراوي وروجيه عساف، خصوصاً بعدما علما أن كل الممثلين فيها من الهواة، وقد عرضت في تشرين أول من عام 1974 بغياب فيصل جميل صاحب الدور الأساسي في المسرحية كونه غادر إلى تشيكوسلوفاكيا بمنحة تعليمية لدراسة الطب. عرضت المسرحية على مسرح نادي الشقيف ثم في كفررمان على مسرح نادي التحرر. وفي إحدى المرات، استدعى الأمن العام الممثلين الأساسيين للتحقيق بعدما علم بمضمون المسرحية الانتقادي للدولة، وتدخلت السيدة فريحة الحاج علي بما لها من رصيد اجتماعي وتربوي وأفرجت عن الممثلين الذين كانوا قيد التحقيق وقبل توقيفهم بشكل رسمي.
السينما
يحّدد المؤرخ والمصور الجنوبي كامل جابر بدايات الفن السابع في النبطية بسنة 1943، حين أنشأ حسيب جابر السينما الأولى في النبطية باسم «روكسي»، في خان سعيد محمد نحلة، تحت إدارة ولده أديب الذي كان مولَعاً بالسينما. ودشّنت نشاطاتها بعملين مسرحيين بعنوان «الحجاج بن يوسف» و«أيام سفر برلك»، من تمثيل عبد الله كحيل مع عدد من أولاده وأبناء المدينة. وبعد عام واحد، توقفت سينما «روكسي»، لتستبدلها سينما «أمبير» (1944) في مكان ملاصق، لثلاثة شركاء هم: حسن ويوسف الخليل وشفيق طه، واستمر نشاطها حتى عام 1952. لتقوم من بعدها وبمبادرة من علي حسين صبّاح في عام 1957 دار سينما «كابيتول» من 420 مقعداً. كما قامت في العام ذاته دار أخرى عُرِفت باسم «سينما أبو أمين» نسبةً إلى كنية صاحبها، لم تعمل سوى أشهر قليلة، وكان على روّادها مشاهدة شاشتها وهم قعود على الحصائر «البورية». وفي تاريخ 13 كانون الثاني 1960، دشّن الراحلان عادل صباح ويوسف خضرا سينما «ريفولي»، ومقاعدها 523 بين صالة وبلكون. وظهرت في مطلع الثمانينيات سينما «ستارز» للراحل محمد الزيون فران، ولم يطل أمرها.
* المراجع:
علي حسن مزرعاني ـــ «الحركة العلمية والثقافية والاجتماعية في النبطية ومنطقتها-1805-2023» (دار الأمير ـــــ 2023)
مقالة لكامل جابر بعنوان: «السينما في النبطية... من الأبيض والأسود إلى الألوان والاندثار» ــــ 2022 على موقع: manateq.net
