الكثير من المفارقات تحدث في لبنان. الحقيقة أنّ هذه المفارقات ليست عبثية على الإطلاق، بل إنها، بمعظمها، شكل من أساليب الغش والتحايل والمخادعة. مراسلة صحافية تابعة لإحدى القنوات اللبنانية سألت وزير الطاقة ما إذا كان الأخير قد أعدّ خطّة بديلة مهمتها توفير الطاقة للبنانيين في حال استهدفت إسرائيل المنشآت الحيوية. جاء جوابه بأنّ لا خطة رئيسية حاضرة أصلاً حتى يكون هناك خطة بديلة. تصريحٌ أثار الكثير من الضحك، بل اعتُبر بمثابة نكتة مجنونة لدى جزء كبير من اللبنانيين الذين حمّلوه مسؤولية سيناريو سيّئ لم يحدث أصلاً، أي قصف إسرائيل لمعامل الكهرباء. في حال أغارت إسرائيل على محطات الكهرباء، فالحق إذاً يقع على وزير الطاقة.
حادثة حصلت منذ زمنٍ ليس ببعيد. قامت إحداهن، تزعم أنها صحافية، بالتحريض على فرق الإسعاف، فأغار الطيران الحربي الإسرائيلي في اليوم التالي وقتل 11 مُسعفاً. عندما طُلب من الأجهزة الأمنية المختصة إيقاف المحرّضة، أو على الأقل التحقيق القضائي معها، أصدر الكثير من الأحزاب والجمعيات، بيانات إدانة واستنكار بحجّة تعرّض «حرية التعبير إلى الخنق والتضييق».
المسألة الأكثر إثارة هي الآتية: لم يمر الكثير من الوقت حتى ننسى مصطلح حفظناه جيداً أكثر من حفظنا للنشيد الوطني، ينتمي إلى خطاب التفرقة القائم على ثنائية «هم» و«نحن» وهو «لا يشبهوننا». الغريب أنّ من أمعن في خطاب «لا يشبهوننا»، هو اليوم كثير الحرص على من كان «لا يشبهه» القابع في الطرقات؛ على المهجرين الذي يقطنون مراكز الإيواء. «يأتونكم بثياب الحملان لكنهم ذئاب خاطفة».
لا علاقة لهذا المقال بتحليل هذه الظواهر أو تعقّبها ولا مقاربتها نقدياً. إنه محاولة لتقفي أثر الثقافة السياسية التي تقف وراء أولئك الذين يتفقون على أمرٍ واحد: محاربة «حزب الله» في عزّ حربه مع إسرائيل. هؤلاء يتألفون من مجموعات. منهم من ينتمي إلى نهج 14 آذار السياسي. منهم شعراء ومثقفون وناشرون يخجلون الاعتراف بميولهم إلى الـ 14 الآذارية، فيتلطّون وراء خطاب إنساني رائج تارةً وينتهجون الصمت المطبق طوراً. وهناك جزء مؤلف من إعلاميين وثوّار 17 تشرين، يجاهرون بمواقفهم المتعاطفة مع إسرائيل. يمكنك عزيزي القارئ، قراءة المقطع الأخير أولاً، ثم العودة إلى المقطع الأول فالثاني، ويمكنك أيضاً القراءة كرونولوجياً. نتمنى لك قراءة ممتعة.
حالة الوضوح عند سمير قصير
لا يزال الكثير من المثقفين الذين ينتقدون اليوم الحرب، منهم مَن لم يطق انتصار 2006، وآخرون أصغر سناً يخالون أنّ على «حزب الله» تعلّم الديبلوماسية من رفيق الحريري لأنه بحسبهم، في الديبلوماسية فقط ننتصر على إسرائيل، يتفقون جميعهم على الرجوع إلى كتب سمير قصير، وإلى كتاباته الصحافية، لتعليل مواقفهم الاحتجاجية هذه. فالعودة إلى سمير قصير تعني بالنسبة إليهم محاولة للقبض على الوضوح، أو استعادته في الأزمنة الضبابية، إذ سبَق لقصير نفسه أن أطلق نداء «عودوا (أيها الرفاق) إلى الشارع، تعودوا إلى الوضوح». لكن المترفّع، يفضّل الانزواء في غرفته وقراءة ما يحبّ قراءته، أو ما نصحوه به، عوَضاً عن الاحتكاك المباشر بالإسمنت. لذلك، تراهم يستجيبون لدعوة الكاتب الراحل بأسلوبهم الخاص، والأرجح أنه لم يكن ليعترض على بقائهم في الغرف أصلاً وقراءة كتبه؛ فما دام الاعتراض على «حزب الله» جائزاً، فالوسيلة، كل وسيلة، تبررها الغاية المراد الوصول إليها.
يبدو أنّ الرؤية الواضحة وسمير قصير يترافقان سوياً، حتى صار الوضوح مقروناً بما أضاء عليه الثاني في كتاباته. مثقفون و«يساريون»، يوجّهون اليوم، الإدانة المقذعة للمقاومة بعدما وجدوا الحقيقة تبرق كالماس في طروحات سبق لسمير قصير أن طرحها. غير أنّ ثمة لبساً يحيط بطروحات قصير، وبدعواته أيضاً، سياسية كانت أم تعبوية. هو التباسٌ، أو غشاوةٌ إذا ما أميط اللثامُ عنها. صار عالم سمير قصير غير واضحٍ كما هي المزاعم، أو كما يتصورون الوضوح على أنه كذلك.
لقد تزامن حضور كل من رفيق الحريري وسمير قصير في مرحلة التسعينيات. عمل كل واحد منهما على حِدة في البدء: الحريري في مشاريع اقتصادية (اعتبرت) عصرية، وسمير قصير في اشتغال معاصر في السياسة والسوسيولوجيا. الاقتصاد العصريّ، والفكر المعاصر اجتمعا في نهاية المطاف، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يلتقي الشخصان معاً ويناضلا سياسياً في مطلع الألفية الثالثة. إذا كان جوهر مشروع رفيق الحريري القادم من السعودية، إضفاء ثقافة سعودية على لبنان، فجوهر مشروع سمير قصير النظري جاء كتعريب لفرنكوفونية شغلت بال مؤلفها في مقاهي باريس وجامعاتها. هذا لا يعني الاشتراط على الكتابة بلغةٍ فرنسية ولا التأثر بتراث نظري فرنسي أو حتى تبنيه. إنّ التعريب للفرنكوفونية يعني التحلّي بـ«عقل فرنسي» يوائم ميول المؤسسة النظرية السائدة، فتوظيف «ملكات» هذا العقل لحلّ المعضلات أو الإشكالات العربية. كتابه «تأملات في شقاء العرب» مثلاً ـــــ عدا عن أنه تقليد رث لأفكار صادق جلال العظم النقدية ــــــ ينزلق في هاوية التناقض الصارخ، وسقوطه هذا يشي بالكثير. في حين أعلن أن هدفه نقد «منطق الضحية» الذي لطالما امتاز به العرب، سار قصير مساراً تبسيطياً أودى به في نهاية المطاف إلى التماهي مع الجلّاد بل إلى تقمّصه. غير أنّ النقد إن عنى شيئاً، ففي ثنائية الضحية والجلاد، يعني ملاحقة الثاني لا الأول، ثم نقده وتفكيكه للإفلات من سطوته.
مع سمير قصير صار لزاماً على القضايا العربية، ومنها الحرب الأهلية اللبنانية، لكي تكتسب مشروعيتها، وراهنيتها، وحقّها في الوجود، أنْ تخاطب الغرب، بالأحرى أنّ «تتغربن». بوسع المتأثر بأي إرث نظري كان، أنّ يوظّف التراث الذي تأثر به في مسائل مفكَّر فيها؛ قد يقع في فخ الإسقاط، أو قد ينجح في توظيف الإرث الذي آثر فيه عبر محايثته للمسألة المفكَر فيها. شاء قصير أن يبتعد عن الإسقاط وعن المحايثة في آنٍ، ولو بدا أقرب إلى الأولى ومهما أفصح أنه ينتمي منهجياً إلى الثانية. لقد ظنّ قصير، بما أنّ الغرب طافحٌ بالأنوار، أنّ القضايا العربية سينعكس عليها النور في حال قام بـ«صقلها»، فتلقى عندئذٍ الوضوح المطلوب عوضاً عن غرقها في ظلمةِ واقعها وظلال شخوصه. بيد أن هذا الصقل لهو تنعيم للقضايا كشرط من شروط قبولها في المؤسسة لإعطائها الاعتبار الذي تستحقه. على هذا النحو، يغدو الوضوح بمنزلة النظر إلى المسائل العربية بعيون غربية. أما الموضوع المُعلن عن وضوحه فمعناه، في السياسة، انحياز أيديولوجي أعمى. إنّ الوضوح يعني أيضاً إعادة تشكيل القضايا بالأسلوب الذي يفرضه الغرب «الحديث» وإلا عوقبت هذه القضايا بالظلام الدامس، أو كان مصيرها الطمس التام.
هكذا، كان سمير قصير مقتنعاً أن طريق «الحداثة» لا يمر بشارع مونو فقط، بل بالانخراط في المسائل «الكونية» وزجّ القضايا العربية داخل هذا المعترك ولو كان ثمن هذا الانخراط تشذيب القضايا، والتعامل معها تعامل «المتغربن»، كذكره معلومة خاطئة في كتابه «تاريخ بيروت» مفادها أنّ اللبنانيين اعتبروا عند بداية نشوء الأحزاب ورواجها، أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي اللبناني حزبٌ واحدٌ، وأنهم لم يفرقوا بين الحزبين. وقد تكون حماسة سمير قصير الفائضة لعمارة المعماري (للمستعمِر) الفرنسي ميشال إيكوشار، الذي أراد هدم منطقة الأوزاعي ومحيطها في الستينيات، بوصفها مدينة شعبية بالتعريف الحديث للمصطلح، وإعادة بنائها من جديد كوحدات سكنية للعمال قبل أن يجهض مشروعه، أبرز مثال على «التغريب» والدخول إلى نادي «الكونية» هذا.
على أنّ ما يجعل الزيغ، في حالة قصير، هو ما يطفو وليس الوضوح، مردّه تقديم الأخير نفسه على أنه يساريّ النزعة والتوجه، أو التعريف به بوصفه كذلك. أكان يسارياً على طريقة اشتراكية سان سيمون الهجينة؟ ربما. ديموقراطيّ؟ بالتأكيد، على طريقة الياس عطالله. لقد ترك سمير قصير وراءه الحريصين على «نقاء» بيروت، ممّن يخشون عدم تعرّض «صورة» بيروت لخدش، وفي حال طرأ على هذه المدينة أي ضرر فذلك، طبعاً، بسبب «حزب الله». إنهم يتأسفون الآن لما يجري في لبنان، إنهم آسفون حقاً لما جرى لهؤلاء الذين لقوا حتفهم: «الضحايا»، لا الشهداء، فبحسب سمير قصير، إنّ «البطولة» مرض عربي يجب اجتثاثه.
ثمة ما هو غير واضح عند «اليساريين» الذين تغويهم كاريزما سمير قصير، مثلما أنّ هناك جواباً واضحاً وضوح الشمس عن سبب غياب اليسار لمن يسأل عن غياب حضوره إلى جانب المقاومة اليوم: إذا نجح سمير قصير بشيء، فقد نجح في خصي اليسار. لا على الصعيد الأيديولوجيّ أو اللغوي فقط، بل على الصعيد السياسي كذلك. صار اليسار يرادف معه المعارضة، أي إن المعارض بمجرد أنه اعترض غدا تلقائياً يساريّاً. هكذا تحوّل لقاء قرنة شهوان مثلاً، إلى مجلس ثوري أممي، ينهي بياناته الجذرية بمباركة بطريركية.
ثمة هالة من الغموض تلفّ مصطلح «الحداثة» عند ذكرنا لسمير قصير. طروحات الأخير توحي بأنه كان رومنسيّاً أكثر ممّا هو حداثيّ، في تصورات طرحها تعود إلى أولى مراحل الثورة الفرنسية حيث مشكلة السلطة كمفهوم سياسيّ، تقع فقط على الملك حيث الأخير المعروف ببطشه واستبداده وفظاعته. لقد اختزل سمير قصير الدولة اللبنانية بكونها جهازاً أمنياً، فالتخلص من الهيمنة السورية، ومن المقاومة، أو العسكرة بشكل عام كفيلٌ بإرساء أسس ديموقراطية. لا كلام عن «الأجهزة الأيديولوجية» كما تشترط التنظيرات الحداثية، ولا شرح عن الأيديولوجيا اللبنانية كذلك، فقط «الأجهزة القمعية» بتعريف ألتوسير. ذلك أنّ قصير، ورفاقه، حريصون على (تميّز) أيديولوجيا النظام اللبناني (الفرنسي) ومؤسساته؛ على ماهية هذا النظام وعلى النطاق الذي تجري فيه الممارسة السياسية. إنهم حريصون كل الحرص على الديموقراطية اللبنانية التي تميّز لبنان عن محيطه التوتاليتاري، وتزيد من استثنائيته المذهلة.
إنّ الهدف من العودة إلى طروحات سمير قصير اليوم، واستعماله كقوة نظرية لنقض «حزب الله»، وانتقاد دخوله الحرب، ليس تحذلقاً شوفينياً يبتغي الحط من المقاومة كمكوّن سياسيّ اجتماعي فقط، إنما استعانة بقناع يقوم بإخفاء الوجه الحقيقي لصاحبه. في ديموقراطية لبنانية حيث الأزمات تعيد إنتاج نفسها دائماً لأن جوهر المشكلة ثابت، فإن وضوح سمير قصير ينفع كثيراً للّحاق بركاب أيّ موجة سياسية معاصرة، مثلاً: شاب ينتمي فكرياً إلى الجبهة اللبنانية جعلت منه 17 تشرين ثائراً وضدهم «كلهم يعني كلهم»، وفي مرحلة أخرى، شاب آخر متحمس لاتفاق أيار 1984 يردد مقولة «لا للحرب» ويرتدي لباساً أبيض. إنه «متحضر» وديموقراطيّ، حزين على ما حلّ ببيروت، ولا يريد العيش مع «أصحاب القمصان السود». اليوم يُراوح انتماء من يعود إلى وضوح سمير قصير ما بين التوجهين الواضحين تمام الوضوح المذكورين آنفاً.
«مثقفون نون»
لم يعد الموت حقاً عادلاً ومتاحاً للجميع أكثر ممّا هو إرغام على تذوّق طعم الجحيم قبل انطفاء العينين. عندما تقع القنبلة التي نسمع كل خمس دقائق أنها وقعت على الرؤوس، تذوب الحناجر قبل أن تطلق الصراخ. يحترق الجلد، اللحم يشطّ، حتى ظلال الراكض الهارب من الحريق لا يبقى له أثر، فالركض يزيد من اللهيب المشتعل ويسرّع من التفحّم. فقط جثث متفحمة التصقت أعضاؤها الذائبة بنايلون الخيم. تقع القنبلة وتترك صدى مدوياً وراءها: صوت الخرس. الفم المغلق؛ الشاهد على أحداث الجحيم أبكم. كان بوكوفسكي يقول «هناك الكثير من الشعراء، لكن القليل من الشعر». أما هنا، فثمة فائض من الشعراء وجثة مدفونة في قبرٍ تزينه الورود اسمها الشعر. بعد الهولوكوست وغرف التعذيب، أي بعد مرحلة نكء إنسانية الإنسان الأوروبي، أعلن أدورونو أن «لا شعر بعد أوشفيتز». فالشعر، عند الأخير، تحوّل إلى فعل همجي: ما الغرض من وصف وجهٍ أزرقَّ لونه مثلاً نتيجة تنشّقه للغاز؟ ولماذا تبدو مقولة الفن للفن، في لحظة الإبادة، بمثابة القتل البطيء الذي يمارسه الجلاد؟ أدورنو، وغيره ومنهم شعراء، طرحوا هذه الأسئلة حتى بات هناك شبه إجماع، على أنّ الشعر بعد أوشفيتز وجب عليه أن يكون مختلفاً عما سبقه.
في خضم حرب الإبادة التي نعيشها اليوم، تبدو الأسئلة الشعرية؛ تلك المتعلقة بطبيعة الشعر ووظيفته، وشكله وأسلوبه، كالطلاسم. وعلى ما يبدو أنّ معظم الشعراء قد اعتكفوا عن كتابة الشعر. فنحن أمام «حدث»، وهو مؤلف من لحظتين: لحظة مقاومة ولحظة إبادة، ويشكلان معاً لحظة سياسية، لكن بما أنها كذلك، فإنّ صمتهم يبدو «أوشفيتزيّاً» جداً، ومعادلتهم التي يمكن اختصارها كالآتي: لا شعر ما دام هناك سياسة، فائضة القبح والفظاعة.
تغدو السياسية عند هؤلاء إذاً مفهوماً «أنتي ــ شعر»؛ ضد الشعر، أي على النقيض منه. حتى الموقف من إسرائيل قد لا يسلم من هذه المعادلة. التغزل بملوك الخليج، وتبجيل «البريق» الإماراتيّ، لا يعدّ سياسة، إنه كلام شخصي حميم من نوع الإطراء والمديح لحداثةٍ تذكرهم بقصيدة النثر؛ حداثة خارجة عن الأنساق والأوزان والبحور، سائلة، يعني تتيح توقيع اتفاقيات استسلام. على الأرجح فإنّ السياسة، كما يرون، تقيّد حرية الشاعر، بالتالي، متى ما أبدى واحدهم رأياً غير سياسي، وهذا بطبيعة الحال سياسة، جاء على شكل الاعتراض. كأن الشاعر محكومٌ برفض قطعي، بعدمية مفرطة بعدميتها: «دائماً قل لا، قل لا على كل شيء». هكذا، تصبح السياسة كأنها قصيدة غير مكتملة. قصيدة طافحة بـلا النافية، غير أنّ انزياحاً من نوع ما يطرأ على النفي عندما يتعلق الأمر بقضايا التحرر والمقاومة، تصبح لا النافية أقرب إلى لا الناهية، وهكذا دائماً العودة الى العدم من جديد. سرياليون، وعبثيون، ومنهم دادائيون، جميعهم نسوا منبع القصيدة التي يكتبونها، وعلّة نشأتها. أداروا ظهرهم إلى مانيفستوهات تريستان تزارا الثورية، ومناشير أندريه بروتون الاشتراكية، أمّا العبثيون فحدّث ولا حرج. نتكلم عن شعراء امتلأت قصائدهم لمدة عقدٍ من الزمن بمعجم الحروب؛ باستعاراتٍ عن القنابل، وعن القذائف، ورومانسية النجاة حين تشهر البندقية في الوجه. نحن إزاء شعراء يعجزون عن تعريف ماهية السياسة وماهية الشعر كذلك. غير أنّ الدماء تسيل كشلال متدفق، والأيام تنذر باقتراب الإبادة علينا، وعليه، يعيد بعض هؤلاء الشعراء تذكيرنا بأن ثمة فائضاً من الموت، فيرددون الخطاب الإنساني الرائج الطافح بعبارات صارت كليشيهات: «ضحايا»، «مجزرة»، «أشلاء»، «أطفال قتلوا».
نحن إزاء ضحالة لغوية مثيرة للشفقة، وعلى أحد أخذ هذه الحرب بمنزلة شأن شخصي وأن يشنّ حرباً لغوية عليها بالمقابل. إذا كانت «اللغة مسكن الكينونة» و«الإنسان راعي الكينونة»، بحسب هايدغر، كيف يكون الشعر شعراً في عالمٍ باذخٍ بـ«حيونة الإنسان»؟ كيف بوسع اللغة أن تبقى سليمة، وصالحة للنطق، بعد إعلان وزيرة خارجية ألمانيا «يمكن لإسرائيل قتل المدنيين لحماية نفسها»؟
اللغة مهددة بالبقاء. لم تعد اللغة مسكن الكينونة أو فسحة رحبة متعالية على الخوف والكرب. هناك مجرمٌ أحمق يسكن داخل اللغة، يبيت فيها، وعلى أحد طرده سريعاً. اللغة مهددة بالبقاء، وهناك من يقوم بإبادتها؛ ليست لغة الشماتة السائدة عند طبقة المثقفين «ما بعد حداثيين» العرب إلا دليلاً على ذلك. المثقف هو من يمتهن تركيب الكلام ومن يهندسه، المثقف «ما بعد الحداثي» يصبّ اهتمامه على تقعيد الشماتة، بل على خلق بلاغةٍ تليق بمكنوناته كشامت، بلاغة قادرة على الإفصاح، والتبيان والمبالغة. كل هذا يجري تحت أنظار وإشراف الجمعيات الحقوقية والمدنية، التي تدفع للـ«ما بعد حداثي» أجر تفاصحه الشامت.
أما الحقوقيون والمجتمع المدني؟ قل «باي » للكاميرا. رغم كل المجازر والفاجعة المتحققة، لا تزال اللغة الحقوقية مليئة بالرعونة، مكسوّة بالنعومة، وكثيرة اللزوجة. لغة رمادية، بالأحرى بيضاء، ذاك أنها محايدة، تتجنّب خوض سجالات مثل: من هو على حق، الضحية أم الجلاد؟ وهذا، طبعاً، بفضل الصوابية السياسية الباحثة، بشكلٍ حثيث، عن موضوعية إلهية. لا تزال لغة الحقوقيين نظيفة، مهفهفة كأنها من لندن، تقتفي أثر الجرم المرتكب في وسط الإبادة حتى تقارنه مع مواثيق الشرعية الدولية ودساتير الأمم المتحدة. طبعاً إنها العقلانية المفرطة التي تأخذ في الحسبان شظية الصاروخ أكثر من الطائرة المحمّلة بالصواريخ. فالثانية يقف وراءها فاعل، بالتالي إنها ورطة سياسيّة، ومجمَع الحقوقيين بريء من السياسة، إنها، أي السياسة (العربية) إثم، لكنهم في كل الأحوال، يتقاضون أجورهم من أحزاب سياسية غربية. نخبك!
دائماً انهِ حديثك بنكتةٍ. صوت الخرس. الفم مغلق؛ الشاهد على أحداث الجحيم أبكم. النكتة: مجلات ومنصات ثقافية وأدبية، عربية ولبنانية، «على الدرجة صفر من الكتابة» -ابتعد جانباً يا بارت- درجة صفر من الكتابة بمعنى صفر كتابة حول كل ما يحدث. شاء بعض محرري هذه المواقع فتح باب المساهمة المالية، الحرب صعبة بكل تأكيد، والقلق كل القلق لئلا تتهجّر مجلاتهم من العالم الافتراضي وتصبح ذكرى مرمية على أرصفة الشوارع، أو لئلا تهجر ثيماتهم فضاءات الأدب و... الفلسفة.
الحرب صعبة بكل تأكيد. ثمة لوازم كثيرة ناقصة إلى جانب الفرش والمخدات، مثل: سؤال الأسلوب، دور الأدب، الكتابة وسط الكارثة، الكتابة عن الكارثة. والسؤال الآن للمثقف «ما بعد حداثي»: بعيداً من هوايتك بتوزيع البقلاوة وعشقك لطعم الحلوى ومرارة المصطلح، هل ترى أننا أمام نازية جديدة؟
لربما كان التعويل على إيجاد أجوبةٍ عن هذه الأسئلة برسم مجلاتٍ ومنصاتٍ أدبية وفنية، الظاهر لقد ابتلعها الخرس، وربما لهي أسئلة مؤجلة لوقت لاحق: تكتب على شكل بروبوزيل فتحصل على تمويل اللازم، أو أنها ستطرح في ورش الكتابة الإبداعية مع أساتذة جامعيين لم يجدوا عملاً بعد تقاعدهم. أساتذة يهادنون في زمن الحرب، يثورون أيام السلم.
عن «عواء» طوني كتورة وما يطلبه المستمعون
استهل ألن غينسبرغ قصيدته «عواء» بالشطر الآتي: «لقد رأيت أفضل العقول في جيلي وقد دمرها الجنون، يتضورون عراةً ومهسترين». آلن غينسبرغ الذي يعد واحداً من عرّابي «جيل الـبيت»، أطلق في قصيدته «عواء»، صرخة داخلية غاضبة على مجتمع أميركي انتهازيّ، مدمَّر، حيث يكون العابرون على قيمه، والهامشيون معرضين للعطب والإصابة بالجنون. في مرحلة الانهيار اللبناني (المديد) وفترة الكورونا التي تزامنت معه، في تلك السنة التي تفشّى فيها الإفلاس المالي، والمضاربات النقدية، إضافةً إلى الإجراءات الوقائية التي فُرضت كالحجر الصحي والبقاء داخل المنازل، ضربت الهستيريا الخلايا العصبية عند الكثير من اللبنانيين، والجنون الذي وصفه كمال خير بك كـ «شبح يزهر في القلب وينمو في العيون»، بدا كأنه الجائحة المتحوّرة الجديدة التي ستصيب الجميع. بينما كان مفروضاً على الجميع البقاء على مسافة بعيدة، وعدم الاحتكاك بأحد، وخصوصاً عبر الملامسة والتقبيل، صار الإنترنت آنذاك بمنزلة العالم الموازي حيث تجري الأحداث، والثورات، والتحليلات. آنذاك، خرج علينا من وراء الشاشات، شخص يدعى طوني كتورة، عرّف عن نفسه بأنّه مطرب. طربٌ يتماهى من حيث الجودة مع النتاج الشعري الخاص بالشاعرين الزوجين تينا وأنيس زبيدة.
في فايسبوك، راح كتورة ينظم الحفلات وينقلها للمشاهدين عبر البث المباشر؛ على الكيبورد كان كتورة يعزف، يهز برأسه كأنه مصاب برعشة مزمنة، ويغنّي أغنيته التي حازت رواجاً كبيراً «عاو عاو عاو... الكلب عم يعوي». لم تحظ أغنيته هذه بشهرة كبيرة فقط، بل وجدت ترحيباً، ونقداً فنياً هائلاً من قبل ثوار 17 تشرين، وإعلاميين ينتمون تحديداً إلى فئة الصحافيين الاستقصائيين. وقد وصل الأمر إلى حد أن وصف أحدهم ظاهرة كتورة بأنها «فعلٌ احتجاجي على الانهيار اللبناني». تحوّل طوني كتورة إذاً، بين ليلةٍ وضحاها، إلى بوب ديلان، فيما صارت أغانيه، بفضل التأويل الإعلامي، أشبه بـ«الـفولك»، أي أغنيات الاحتجاج الشعبية التي سادت أميركا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
لعلّ لجوء كتورة إلى صوت الكلب، والاستعانة بهذا الصوت كعنصر للتعبير عما يبتغي التعبير عنه، وهو بالمناسبة تعبير عن حفلة الجنون اللبنانية الخالصة. يعيد التذكير مثلاً بما سبق وفعله ألن غينسبرغ، حيث قصيدته «عواء» كانت إطلاق العنان لصوت اليأس الشديد والرفض الساخط، وخصوصاً أننا، في الحالتين، على أعتاب الجنون. بيد أنّ الصوت الذي استعان به طوني كتورة الفقير لغوياً والمعدم إبداعياً، أقرب إلى النباح من العواء. ذاك أنّ كتورة عاجزٌ عن التعبير عن الجنون، وعن محاكاته، مهما نجح في إظهار الجنون أو تمثيله. إذا كان العواء صياحاً ممدوداً، دالاً على الرهبة واليأس، فإنّ النباح لهو صرخات متقطعة، عالية المستوى بطبيعة الحال، ومن الصعب على أحدنا حسم معناها، إن كانت تشير إلى الغضب، أو الفرح، أو الجوع. برز طوني كتورة في سياق 17 تشرين، إذ لامس الإفلاس الفنّ واللغة، أو ربما فضحت 17 تشرين إفلاس كلّ من الفنّ واللغة، والجنون الذي كنا نخشى تفشيه أو حدوثه، لم يبرز في كتورة فقط، إنما في الهذر والهذيان حول مسائل عدة، من بينها توصيف طوني كتورة بما تم توصيفه، عدا طبعاً حفلة الجنون التشرينية.
كان محبّو طوني كتورة، والإعلاميون الذين رافقوا مسيرته صاخبين. يشهرون قبضة اليد: رمز الثورة، والتعاضد الثوري. كانوا مسيّسين. يرفضون الهيمنة والفساد ويطالبون بعنادٍ وثقة بوطن حرّ مستقلّ إما في تظاهراتهم على «الرينغ» أو في بوستات فايسبوك. اليوم، الأمر مختلف. رغم أنّ أغنية كتورة انتهت، يبقى أن صداح الكثير من هؤلاء لا يزال عالياً، فمطالبهم برمتها التي يصدحون لها، يختصرها مطلبٌ واحد: الاستسلام السريع. وإذا كانت مشاركتهم في 17 تشرين مشاركة في حفلة الجنون الكبير، فإنهم اليوم يشاركون في حفلة الخيانة «اللحدية».
لو عدنا إلى الوراء قليلاً، وأعدنا النظر في مجريات الماضي القريب، لوجدنا أنّ هناك جهداً كبيراً بُذل لتحويل أي تباين سياسي، مهما كان حجمه، مع «حزب الله »، وجمهور المقاومة، من اختلاف قد يروم إلى الخلاف، نحو حالة العداء التامة. على أنّ هذا التحول لن ينقطع بل سيمتد. ما دام نشيد طوني كتورة مرتكزاً على صوت الكلب، لم يعد الغناء، القائم على النباح، مع كتورة كافياً، ذاك أننا في زمن الحرب لا «الاحتجاج»، وساحة الحرب التي تستضيف خونة لحديين ليست نفسها ساحة التظاهرة التي تحوي مجانين متحمّسين. هكذا، سيحضر، على إثر هذا التحول، ما يُقال عنه باللغة: التكالب، والتكالب يعني المجاهرة بالعداوة؛ إبراز الأسنان الحادة المسنونة المستعدة للعض والنهش. ثمة اليوم، في وسط الحرب، من يتكالب على مفهوم المقاومة ككلّ، وعلى جمهورها كذلك، في الإعلام وفي السياسة والثقافة.
في رواية جاك لندن «نداء البرية» ينجح البطل وهو الكلب «باك» في تجاوز محن شديدة الشقاء. قد يشعر القارئ للوهلة الأولى، أن تجاوز «باك» لهذه التجارب مستحيل، وأنّ موته على وشك الحدوث، إذ إن حياته لن تكتمل بعد نهاية الفصل الأول. لكن «باك» يلبّي نداء البرية. يكتشف أنّ بداخله قوّة لم يكن يعرفها، أتاحت له العبور من عالم القساوة إلى موطنه المريح. من يتمسّك بأغنية هابطة، بنباح متقطع، بهزة رأسٍ أو برعشة، فليقرأ عن «باك»، أو فليستمع إلى مطربٍ آخر أكثر اتزاناً، إذ يقال من ضمن ما يقال، إنّ المتكالِب قد يعض نفسه في حال أخفق، وهذا يسبب داء الكَلَب، الأمر الذي قد يودي بحياته.
عنوان أغنية للفنان
اللبناني مخول قاصوف

