على أن المشهد الذي حرص العدو على تصويره من الأرض والجو، بوصفه أكبر إنجازاته في هذه المعركة التي لا يزال يدفع فيها أثماناً باهظة، ما كان له أن يتمّ من دون تنفيذ مجازر جماعية في مراكز الإيواء والمنازل المأهولة. إذ قصف العدو وأحرق، أمس، سبعة مراكز إيواء، يحتمي فيها عشرات الآلاف من النازحين، فيما تسبّب القصف العشوائي بمجازر طالت النساء والأطفال، الذين لم يجدوا خياراً في نهاية المطاف، سوى الخروج خوفاً من الموت حرقاً أو قصفاً.
على أن عشرات الآلاف من النازحين الذي أُخرجوا من المخيم، لم يرضخوا لما اشتهى جيش العدو وأراد. فهؤلاء الذين وُجّهوا عنوةً للخروج إلى جنوب القطاع، كسروا أوامر النزوح، واستقرّت بهم القدم في أقرب مكان من المناطق المحاصرة. وإزاء تلك المشهدية، قال المراسل العسكري لموقع «والا» العبري، إنه إذا لم يتنقّل الفلسطينيون من جباليا جنوباً إلى المنطقة الإنسانية، فسيتم تعريف العملية التي استهدفت محافظة شمال القطاع، على أنها غير فعّالة من الناحية العملياتية.
وفي الميدان، حفل، يوم أمس بجملة من «الأحداث الصعبة»، وفق توصيف مواقع المستوطنين، حيث أعلنت «كتائب القسام» تمكّن مقاوميها من تنفيذ كمين مركّب ومحكم. وقال الإعلام العسكري: «رصد مجاهدونا وصول ناقلة جنود ودبابة وجرافتي دي ناين محملتين بعدد من مكعبات المواد المتفجرة شديدة التدمير إلى حيز المقتلة، فاستهدف المقاومون الجرافة الأولى بقذيفة الياسين 105، والجرافة الثانية بعوة شواظ، ما تسبب بانفجار مكعبات المتفجرات بالرتل المتقدّم وتدميره وإيقاع طاقم الآليات بين قتيل وجريح». ولفتت «سرايا القدس»، بدورها، إلى أن مقاوميها تمكّنوا من تفجير آلية عسكرية بعبوة ناسفة زرعت مسبقاً بالقرب من مسجد الفوز في حي الصفطاوي غرب مخيم جباليا، فيما أفادت «كتائب المجاهدين» باستهداف دبابة «ميركافا» بقذيفة مضادة للدروع غرب المخيم. أيضاً، تمكّن مقاتلو «القسام» من دك مقر قيادة العدو شمال مدينة غزة بقذائف الهاون، بينما سجّلت وسائل الإعلام العبرية إطلاق صاروخ واحد من مناطق شمال القطاع التي تشهد العملية العسكرية، في اتجاه مستوطنة سديروت في «غلاف غزة». كذلك، وزع الإعلام العسكري لـ»القسام» مشاهد أظهرت تمكّن مقاوميها من استهداف دبابة وقنص جندي في مناطق التوغّل شمالاً.
ولا يشير هذا الجهد العملياتي إلى تمكّن المقاومة المستمر من إعادة ترميم قدراتها فقط، وإنما إلى مواءمتها هجماتها وتوزيعها وفق مبدأ الفرصة الأفضل، على طول مدة العمليات العسكرية. إذ لوحظ، في خلال هذه العملية، أن رِتْم الضغط العسكري أخذ منحًى تصاعدياً، وحرص أصحابه على تنفيذ عمليات دقيقة ومؤثرة بشرياً، تحقّق مبدأ الاستنزاف ورفع تكلفة استمرار العملية البرية على الصعيدين البشري واللوجستي.
وكان ألقى مقتل قائد لواء المدرعات بظلاله على تحليلات المراسلين والمحللين، إذ كتب عاموس هارئيل، وهو المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»، في تعقيبه على شدّة المواجهات، أن «استمرار القتال في مخيم جباليا يُظهر مدى المبالغة في الادعاءات الإسرائيلية في شأن استكمال النصر على حماس، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على المناطق التي ينسحب منها الجيش. وفي غياب أي بديل سياسي لحماس، تعود الحركة وتتشبّث بالسيطرة على المناطق». أما صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فنقلت عن ضباط يقاتلون في جباليا قولهم: «لقد تفاجأنا من قيام حماس بترميم أنفاق قمنا بتدميرها سابقاً»، فيما قال أور هيلر، وهو المراسل والمحلل العسكري في «القناة الـ13»: «يجب قول الحقيقة، اغتيال السنوار لم يكن له تأثير ميداني، ودليل ذلك الاشتباكات العنيفة والمعقدة التي يخوضها الجيش في جباليا».

