والواقع أن واحداً من أوجه الإبادة الجماعية في هذه الحرب، إقدام الاحتلال على تدمير جميع مراكز الإخصاب التسعة، ما أجهض أحلام مئات الأزواج الفلسطينيين الذين يعانون مشكلات في الخصوبة، وأحبط آمالهم في الإنجاب. ومن بين هؤلاء أيضاً محمود الذي يعيش في مخيم دير البلح وسط غزة، إذ يقول: «عندما علمت بتدمير مركز الإخصاب، شعرت أن كل شيء قد انتهى، وأن حياتي لم يَعُد لها مغزى»، مضيفاً: «كل ما تمنّيته، أن يكون لي طفل، لكن الحرب حرمتني ذلك». وتزوّج محمود قبل ثماني سنوات، لكنه لم يرزق بطفل، الأمر الذي ألجأه إلى مراكز الإخصاب بعد سنوات طويلة من الانتظار. ويتابع في حديثه إلى «الأخبار»: «لقد قطعت وزوجتي شوطاً كبيراً في رحلة الإنجاب، وكنّا على وشك إتمام عملية التخصيب حتى جاءت الحرب»، التي «لم تكن الخسارة فيها مجرد دمار مادي، بل فقدان لحلم الأبوة والأمومة الذي لطالما انتظرناه».
ودمرت غارة إسرائيلية عيادة الخصوبة الرئيسية في قطاع غزة، وقضت على أربعة آلاف نطفة، ونحو ألف عينة سائل منوي. ويقول مدير معمل الأجنة في مركز «البسمة» للإخصاب، محمد عجور، لـ«الأخبار»، إن «تجميد النطف هو إحدى الوسائل الداعمة للإنجاب والتي كانت تمنح الأزواج أملاً في الحصول على أطفال». ويوضح أن المركز يقوم بحفظ النطف في مختبرات وبنوك خاصة لفترات طويلة في ظروف محددة، وبدرجة حرارة تصل إلى 196 درجة ما دون الصفر، «وتُخزن النطف داخل أنابيب خاصة، وتوضع في خزانات تحتوي على النيتروجين السائل، الذي يضمن استقرار درجات الحرارة المنخفضة». ويبيّن أن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت المركز، تسبّبت في تفجير خزانات النيتروجين السائل وتبخره بسرعة، «ما أدى تالياً إلى تدمير أربعة آلاف نطفة، بالإضافة إلى ألف عينة من الحيوانات المنوية والبويضات غير المخصبة»، لافتاً إلى أن مركزه المدمّر يحتفظ بنحو 90% من العينات المحفوظة في مراكز القطاع، «لأنه يُعدّ البنك الرئيسي لتجميد النطف والحيوانات المنوية والبويضات غير المخصبة». كذلك، يشير إلى قصص مؤلمة لأزواج انتظروا أكثر من 20 عاماً على أمل أن ينجبوا، «ولكن قذيفة واحدة بدّدت أحلامهم، وسرقت منهم آخر بصيص أمل، كما قضت على مستقبل نسلهم».
وفي السياق نفسه، تقول الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، «ديوان المظالم»، في تقرير لها، إن «تدمير إسرائيل مركز حفظ الأجنّة المجمّدة، يشكّل جزءاً من إستراتيجية ممنهجة لقطع النسل، تبنّاها الجيش خلال عدوانه على غزة». ووفقاً لمدير عام «الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني» (حشد)، صلاح عبد العاطي، فإن «استهداف الاحتلال، مراكز الإخصاب وحفظ الأجنة يعتبر جريمة حرب بموجب المواثيق الدولية». ويؤكد، في تصريح إلى «الأخبار»، أن استهداف هذه المراكز «يُعدّ انتهاكاً ومساساً بالحقّ في الإنجاب وحماية الحياة، وبالتالي، فإن تدميرها أو استهدافها يعتبر انتهاكاً خطيراً لمبادئ قانونية عدّة».

