بالنسبة إلى المرشحة الديموقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية، كامالا هاريس، بات الأمر محسوماً في ما يتعلق بعدم الدخول في أي مواجهة فعلية مع رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قبل موعد الانتخابات الشهر القادم. إلا أنه لم يعد في مقدور الحزب الديموقراطي الإيحاء، خداعاً، بأنه يدفع في اتجاه خفض التصعيد في الشرق الأوسط، أو إدخال المزيد من المساعدات إلى قطاع غزة، أو أي من الإجراءات التي تهدف إلى التغطية على التواطؤ الأميركي في حربَي غزة ولبنان، ولا سيما بعدما تكشّف إعطاء الإدارة الديموقراطية نفسها «الضوء الأخضر» للإسرائيليين لغزو لبنان، ومسارعة المسؤولين الأميركيين، في الفترة الماضية، إلى «تبرير» كل موقف يصدر عنهم في ما يتعلق بالوضع الإنساني المتردي في القطاع، بالتأكيد أنّه لا يشكل «هجوماً» على حكومة الاحتلال. وتكتسب المراوغات الأميركية، في هذه المرحلة، أهمية خاصة في ما يتعلق بنتائج الانتخابات، نظراً إلى أنّ استطلاعات الرأي تظهر تقارباً وثيقاً جداً بين هاريس ومنافسها الجمهوري، دونالد ترامب، ولا سيما في الولايات المتأرجحة التي ستحسم السباق إلى البيت الأبيض، علماً أنّه سيكون لأصوات العرب – الأميركيين في تلك الولايات، طبقاً لمراقبين، تأثيرها الوازن في النتائج.
على أنّ هاريس، التي حظي حزبها بتأييد نسبة كبيرة من العرب – الأميركيين في الانتخابات السابقة، تُولي، على ما يبدو، أهمية أكبر بكثير لـ«داعمي» إسرائيل في الداخل الأميركي. وفي السياق، تنقل صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن فرانك لوينشتاين، حليف بايدن ومبعوث الشرق الأوسط السابق في إدارة باراك أوباما، قوله إنّه «من الواضح أنهم يريدون تجنّب أي مواجهة علنية مع نتنياهو بشأن لبنان أو غزة، يمكن أن تؤدي إلى رد فعل سلبي من أنصار إسرائيل قبل الانتخابات»، في إشارة إلى المسؤولين الديموقراطيين، فيما يُظهر السلوك الأميركي، في الأسابيع الماضية، صحة وجهة النظر المشار إليها. فعلى سبيل المثال، أصدرت الإدارة الأميركية، حديثاً، جملة من البيانات حول الممارسات الإسرائيلية الأخيرة، والتي أثارت ردود فعل دولية عنيفة، بما في ذلك مهاجمة إسرائيل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، وقصفها «مستشفى الأقصى» في غزة، جنباً إلى جنب إصدار «الأمم المتحدة» تقريراً يشير إلى عدم سماح قوات الاحتلال بدخول أي طعام إلى شمال القطاع منذ ما يقرب من أسبوعين. على أنّه ومع ذلك، تمت «معايرة» تلك التصريحات بعناية بالغة، لتجنب أي إيحاء بـ«الانفصال الحاد» عن نتنياهو.
وطبقاً لـ«واشنطن بوست»، فإنه وبعدما نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية محتويات «رسالة سرية»، بعث بها وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، تحث إسرائيل على السماح بإدخال المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة، مهدّدين بفرض قيود محتملة على المساعدة العسكرية الأميركية لإسرائيل، لم تمضِ سوى ساعات حتى خرج متحدثون باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية للتوضيح أنّه «من غير المفترض اعتبار تلك الرسالة بمثابة تهديد»، وسط تطمينات إلى حكومة الاحتلال بأنّه «لن يتم اتخاذ أي إجراءات في الأيام الـ30 المقبلة»، ما يعني أن أي «إجراء عقابي محتمل مؤجل إلى ما بعد الانتخابات»، من دون أن يفصحوا ما إذا كانت «القيود على الأسلحة» مطروحة على الطاولة حتى. والجدير ذكره، هنا، أن الصحيفة استندت في سرديتها حول سلوك الإدارة الأميركية، إلى مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولاً من الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى مسؤولين في حملة هاريس.
من جهتها، وفي مقابلة أجرتها أخيراً، أشارت رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، في معرض حديثها عن الحرب في غزة، إلى أنّ «الموت أمر محزن»، محاولةً على الضفة الأخرى «ابتزاز» الناخبين العرب، مشيرةً إلى أنّ على هؤلاء أن يكونوا «ممتنين»لأن الديموقراطيين «سارعوا إلى حمايتهم»، بعدما اقترح ترامب فرض «حظر سفر على المسلمين» إلى الولايات المتحدة، وساعية، بالتالي، إلى التخفيف من وطأة الحرب الدائرة في غزة على خياراتهم المحتملة الشهر القادم.
الناخبون العرب
وفي تقرير منفصل، لفتت الصحيفة الأميركية نفسها إلى أنّ الانقسام بين المسلمين والأميركيين العرب والحزب الديموقراطي قد بلغ «نقطة انهيار»، في وقت تشير فيه الاستطلاعات الأخيرة إلى أنّ معظمهم لن يصوتوا لمصلحة كامالا هاريس، ما ينذر بـ «تحول صارخ»، بعدما شكّل هؤلاء الناخبون إحدى الدوائر الانتخابية الرئيسة للحزب في عهد ترامب. وطبقاً لأحد الاستطلاعات التي شملت الناخبين المسلمين، قال 29.4 في المئة إنهم يخططون لدعم هاريس، في حين أظهرت دراسة استقصائية للناخبين «المسلمين المتدينين والخريجين» أنّ نسبة 14 في المئة منهم تدعمها. وبصورة أعم، يعتزم 42 في المئة من العرب - الأميركيين التصويت للمرشحة الديموقراطية، في أرقام «بعيدة كل البعد عن الغالبية الساحقة التي صوتت لبايدن في عام 2020». وخلال محادثات أجرتها الصحيفة مع العرب والمسلمين في جميع أنحاء البلاد، بدا أن مزاج هؤلاء بات «مظلماً ويائساً»، في أعقاب تجاهل الديموقراطيين المستمر رغبة العدد الأكبر منهم؛ إذ يعتقد 77 في المئة منهم أنّ على واشنطن أن تمتنع عن إرسال المزيد من الأسلحة إلى تل أبيب. وتأتي هذه المعطيات في وقت بلغ فيه الاحتدام في السباق الرئاسي أعلى مستوياته؛ إذ أفادت وكالة «بلومبرغ» بأنّه في استطلاعات رأي أجرتها بالتعاون مع شركة «مورنينغ كونسلت»، في الولايات المتأرجحة السبع، نال كل من المرشحَين تأييد نحو 49% من الناخبين، مع هامش خطأ لا يتجاوز الواحد في المئة.

