ولم يخرج الفلسطينيون من شمال القطاع استجابةً لبيانات جيش العدو وتهديداته، بل إنّ كل الذين رصدتهم كاميرات العدو، «أُخرجوا» بعدما هاجمت الدبابات مراكز الإيواء، وساقت طائرات «الكواد كابتر»، الأهالي العزل، بالنار إلى المسار المحدد. وفي حال أكره الجمع على النزوح، فإن الجميع أيضاً يؤثرون المبيت في الشوارع وعلى أرصفة الطرقات منذ 23 يوماً، على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه. أما الأهالي الصامدون في المناطق المحاصرة، والذين تناهز أعدادهم الـ 100 ألف، فإن موعدهم اليومي مع الموت، لا تحدّده القذائف التي لا تتوقف ولا القصف بالطائرات المسيّرة، وإنما المجازر الجماعية الكبرى. إذ ينفّذ العدو عمليات الإبادة بحق المئات من الأسر من خلال قصف مربعات سكنية يسكنها المئات من النازحين والأهالي، ويترك هؤلاء للموت نزفاً حتى آخر قطرة من دمائهم. وقد نفذت الطائرات الحربية، أول من أمس، ثلاث مجازر جماعية كبرى، طاولت الأولى خمسة منازل لعائلة أبو شدق في مدينة بيت لاهيا، وراح ضحيتها 35 شهيداً والمئات من الجرحى. ووفقاً للزميل محمد المصري، فقد دمرت الطائرات الحربية خمسة منازل مأهولة تستضيف نازحين، فيما لم تصل أي سيارات إسعاف أو دفاع مدني لإخلاء المصابين الذين نزف أكثرهم حتى الموت، بسبب تعطيل الاحتلال عمل طواقم الإسعاف والدفاع المدني، بعد تدمير سياراتها واعتقال كل الطواقم الطبية من مستشفى «كمال عدوان». أما المجزرة الثانية فقد ارتكبها العدو في محيط مدرسة الفاخورة، حيث قصف عدداً من المنازل المأهولة المبنية من الصفيح خلف مدرسة الفاخورة، ما تسبب باستشهاد 11 مواطناً وإصابة العشرات. وفي ثالث مجازره الكبرى، قصف منزلاً لعائلة غباين في مشروع بيت لاهيا، يسكنه نازحون من عائلة الكحلوت، ما تسبب باستشهاد العشرات.
ولعل الأمر المشترك بين المجازر الثلاث، هو أنها نُفذت جميعها في الظلام، من دون تغطية صحافية، وأن الشهداء عايشوا الموت منذ الإصابة حتى نزف آخر قطرة من دمائهم، قبل أن يصل أول من اكتشف المجزرة إليهم وهم جثامين هامدة.
الخط
غزة | تتخطى أهداف العملية البرية المستمرة منذ 23 يوماً في محافظة شمال غزة، الحدود العسكرية التي يزعم جيش العدو أنها محصورة فيها. وفي الأيام الأولى من التوغل، استخدمت صحيفة «هآرتس» العبرية مفردة غريبة في وصف الأهداف المضمرة، حيث قالت إنها «عملية إيحائية»، شارحةً أحداث الأيام الأخيرة، ولا سيما صور التهجير والتنكيل بالأهالي المدنيين، والذين رفضوا الاستجابة لتهديدات الاحتلال وأُخرجوا من تحت مدفع الدبابة. كذلك، يشارك الصحافيون الإسرائيليون المشاهد التي توثقها وتنشرها كاميرات الجيش، مرفقين إياها بتعليقات، على غرار ما كتبه الصحافي في «القناة 14»، عميت سيغال، معلّقاً على إحدى صور التهجير بالقول: «واقع جباليا هو مستقبل الضفة». وهكذا، يُظهر الإيحاء المطلوب من العملية أن حكومة الاحتلال تجرّب حدود ما يمكنها فعله على طريق حسم الصراع في مختلف الساحات؛ وأهمها الضفة الغربية، من خلال القيام بخطوات صادمة، وقياس ردة الفعل الدولية والغربية ومستوى الاستجابة الإقليمية مع تلك الخطوات. وإذا كان الأهالي في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون يدفعون اليوم ضريبة وقف مخطط التهجير من دمائهم، فإن مناطق أخرى في فلسطين وخارجها، قد تكون في يومٍ ما مضطرة إلى دفع أثمان مضاعفة مقابل تعطيل الكباش الإسرائيلي.

