نفّذت قوى «حلفاء سوريا» وعدها بالردّ على العدوان الإسرائيلي ــــ الأميركي المشترك الذي استهدف مواقع تشغلها قواتها قرب مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي منذ نحو أسبوع، ما أدّى إلى وقوع عدد من الشهداء والجرحى. ليل أمس، نفّذ حلفاء سوريا تهديدهم، حيث استهدفت طائرات انتحارية مسيّرة غرف مبيت الجنود الأميركيين، إضافة إلى مطبخ ومستودع أغذية داخل قاعدة التنف الواقعة على المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، بالترافق مع صواريخ استهدفت القاعدة ومحيطها، ما أدى إلى سماع دوي انفجارات عدة، بحسب مصادر ميدانية تحدثت إليها «الأخبار»، بالإضافة إلى مشاهدة اشتعال النيران داخل القاعدة، من دون التمكّن من تحديد حجم الإصابات، وتلى ذلك تحليق للمروحيات الأميركية. في وقت أكد «البنتاغون» وقوع الاستهداف، مشيراً إلى أن الهجوم «لم تنتج منه خسائر بشرية في صفوف القوات الأميركية».

لكن اللافت في هجوم الأمس على القاعدة الأميركية، أنه لم يأت رداً على عدوان إسرائيلي «تقليدي»، حيث أن المعلومات العسكرية تشير إلى أن العدوان كان أميركياً ــــ إسرائيلياً مشتركاً، وتمّ تنفيذه من جهة قاعدة التنف الأميركية. كما أن العدوان لم يستهدف مخازن أو شحنات أسلحة، كما يزعم العدو عادة، بل «استهدف غرف مبيت للقوات التابعة لمحور المقاومة، إضافة إلى مطبخ لإعداد الوجبات للجنود، وباحة لركن الآليات العسكرية»، بحسب مصادر عسكرية في «محور المقاومة». وهذا يعني بحسب المصادر: «تجاوزاً للخطوط الحمراء، وقراراً بالاستهداف المباشر بقصد القتل»، وهو ما وقع فعلاً. وفي اليوم التالي للاستهداف، أصدرت قيادة «غرفة عمليات حلفاء سوريا»، بياناً أكّدت فيه أنّها «اتّخذت قراراً بالرد القاسي على العدوان على تدمر»، وأضافت أنه «نتيجة هذا الاعتداء سقط عدد من الشهداء والجرحى من الإخوة المجاهدين»، مشيرةً إلى أنه «لولا الانتشار، لكان عدد شهداء الاعتداء كبيراً جداً». وقال البيان إن قيادة الغرفة «اتخذت قراراً بالردّ على هذا الاعتداء انتقاماً لأرواح الشهداء ودماء الجرحى»، خاتمةً بقولها: «سيكون الردّ قاسياً جداً». وبالتوازي مع البيان الذي توعّد بالردّ، أصدرت قيادة قوات «محور المقاومة» في سوريا، تعليماتها لقوّاتها بتنفيذ خطة انتشار واسعة، تحضيراً لتصعيد قد يعقب الردّ الحتميّ على العدوان.

استهدفت طائرات انتحارية مسيّرة غرف مبيت الجنود الأميركيين داخل قاعدة التنف الأميركي


كما يأتي الرد على العدوان الأخير، ضمن توجّه عامّ لدى قوى «محور المقاومة» في سوريا ــــ انطلق قبيل العدوان الأخير ــــ للتحرّر من قيود فرضتها الوقائع العسكرية في السنوات الماضية، حيث كانت ــــ بحسب المصادر العسكرية ــــ «أولوية هذه القوى العمل على مساعدة الجيش السوري في استعادة سيطرته على الأراضي التي يسيطر عليها المسلحون، وتأمين أكبر قدر من الاستقرار الأمني في البلاد»، لكن «أما وقد تحقّق ذلك بجزئه الأكبر، فقد حان الوقت لرسم معادلات ردع جديدة مع العدو الإسرائيلي، وكذلك الأميركي، عبر الردّ على الاستهدافات المباشِرة والتي يذهب ضحيّتها مقاتلون من تشكيلات قوى المحور». وفي الأسابيع الأخيرة، جرت اتصالات ولقاءات بين قادة في «محور المقاومة» في بيروت ودمشق وطهران، تقرّر إثرها تعزيز تواجد قوات المحور على امتداد الجغرافيا السورية، بعدما كانت قد انخفضت أعداد هذه القوات خلال العام الفائت. وعلى سبيل المثال، بينما يستمرّ عقد اتفاقات التسوية في المنطقة الجنوبية، ويتوسّع انتشار الجيش السوري في كامل محافظة درعا، قامت قوات «محور المقاومة» بتعزيز مواقع انتشار قديمة لها في المناطق السورية المختلفة، وانتخبت مواقع جديدة، كما أُرسلت إلى الجنوب السوري قوّات جديدة ــــ بمرافقة الجيش السوري ــــ بطريقة علنيّة، مع آلياتهم العسكرية ودبّاباتهم وكامل عتادهم، للمرة الأولى منذ اتفاق التسوية تحت الرعاية الروسية، صيف العام 2018.
ويبدو أن قوى «محور المقاومة» ترى أن الظروف الحالية مؤاتية لإحداث تغييرات في المشهد السوري ـــ الإسرائيلي، بسبب الفترة العصيبة التي يمرّ بها كيان العدو، على صعيد علاقته المرتبكة مع الولايات المتحدة، في ما يتعلّق بطريقة التعامل مع ملفّات المنطقة، خصوصاً ما يسمّيه «التهديدات الإيرانية المتزايدة»، إضافة إلى تحسّن الوضع العسكري في عموم سوريا بشكل كبير، ما يمكّن هذه القوى من تبديل أولويّاتها. في المقابل، يدرك العدوّ حجم الخطر الذي يشكّله أي قرار لدى أعدائه في «المحور» بتغيير المعادلات العسكرية التي جَهِد في الحفاظ عليها طوال الفترة الماضية. وفي هذا السياق، يشير الإعلام الإسرائيلي إلى أن «الموضوع الإيراني سيتصدّر المباحثات التي يجريها رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة المقبل في موسكو»، لافتة إلى أن بينيت يعتزم مطالبة بوتين بـ«إبعاد إيران والميليشيات الموالية لها عن خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان، وكذلك الحفاظ على حرية عمل إسرائيل في سوريا».