أجل، إنه إنجاز لبناني جديد. لا نتحدث هنا عن أكبر صحن «حمص» أو عن خلطة أعشاب «سحرية» قُطفت من أعالي الجبال ليُصنع منها دواءً شافياً من كورونا، بل عن إنجاز حقيقي.


هو تطبيق ذكي، يسمح للدولة اللبنانية، في حال استخدمته، بتتبّع انتشار الفيروس وكبحه، من دون الحاجة الى فرض الحجر المنزلي على كلّ السكان.

اسم التطبيق Corona Map، أعدّه وسيم جابر، وهو باحث ودكتور في تكنولوجيا وفيزياء النانو في المعهد العالي للفيزياء في باريس، ومن تنفيذ وبرمجة المهندس حسين الموسوي، خبير استراتيجي في الأمن السيبراني ومدير شركة برمجة في بيروت.

بعد أن يتم تنصيب التطبيق على هاتف المستخدم، يقوم الأخير بالإجابة على عدد من الأسئلة الصحية المرتبطة بأعراض فيروس كورونا، كما يتم سؤاله عن اذا ما تواصل مع أفراد وفدوا من خارج البلاد أو كان عليهم أيّ من عوارض المرض.

ومن خلال تلك الأجوبة، يخلق التطبيق كود QR خاصاً بالمستخدم، وفيه كل معلوماته الصحية، الأمر الذي يسمح للجهات المختصّة مثل الأجهزة الأمنية والصحية، بالقيام بعملية مسح Scan للكود الموجود على هاتف المستخدم خلال مروره على الحواجز الأمنية، ما يسمح لهم بمنع أي انتشار للفيروس في الوقت الفعلي، كما يمكن إجراء ذلك أيضاً على مداخل المتاجر الكبرى وأماكن التجمّعات.

بعض واجهات التطبيق



إضافة إلى ذلك، يمكن للتطبيق إخطار السلطات المعنية مثل وزارة الصحة أو الصليب الأحمر اللبناني، عن أية معلومات صحية أدخلها مستخدمٌ ما واعتبرتها خوارزميات التطبيق الذكية أنها بالفعل دليل على الإصابة أو الاشتباه في الإصابة، ليتم بعدها إرسال فريق طبي لمعاينة الحالة ونقلها إلى المستشفى إذا توجّب ذلك.

كل تلك البيانات يتم تجميعها في خادم Server للحصول على ما يُسمى بالبيانات الكبرى Big Data، والتي بالتعاون مع قدرة التطبيق على تتبّع المستخدمين جغرافياً طيلة الوقت، ستغذي بدورها خوارزميات ذكية تقوم بالتنبؤ عن احتمال إصابة شخص بالوقت الفعلي. بمعنى آخر، إن تم استخدام التطبيق من قبل جميع السكان، وبما أن البيانات الصحية وعملية التتبّع الجغرافي للمستخدم موجودة بالفعل، يمكن للسلطات المعنية، رصد احتمال إصابة مواطنٍ ما، بعد أن تواجد بالقرب من مواطن مصاب أو مشتبه في إصابته بالفيروس، ما يعطي السلطات المعنية الأسبقية لمواجهة الفيروس وجعله متأخراً دائماً بخطوة أمامها.

وفي مقابلة أجرتها «الأخبار» مع جابر، يقول إن «التطبيق لا يقلّ شأناً عمّا قامت به الصين»، إذ بالفعل هكذا كبحت جمهورية الصين الشعبية انتشار الفيروس على أراضيها، وذلك عبر إنشاء تطبيق مشابه جمع البيانات الصحية للمستخدمين وتتبّعهم جغرافياً، كما فرض الحجر على المصابين أو المشتبه في إصابتهم بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، ما كبح انتشار الفيروس ومكّن الدولة الصينية من استعادة الحياة شيئاً فشيئاً.

يقول جابر إنه يتمنّى من السلطات المعنية التواصل مع فريق العمل، للاستفادة من التطبيق والذي لا تقف حدود استخداماته عند فيروس كورونا، إذ أن جباية البيانات الكبرى من خلاله بالغة الأهمية، وإذا ما تمت تغذيتها بذكاء اصطناعي في المستقبل، فسيسمح ذلك للدولة اللبنانية بالحصول على ذكاء اصطناعي مختصّ بمواجهة الأزمات الوبائية في المستقبل، ما يعطي لبنان أحد أهم الأسلحة التكنولوجية لمواجهة أيّ وباء، بكلفة قليلة وبالاعتماد على أبناء الوطن. كما أن التطبيق سيكون ممتازاً إذا ما تمّ العمل به بدايةً مع اللبنانيين الوافدين من الخارج ويمكن استخدامه لضبط ملف المساجين، فيما لو اطلقت الدولة سراحهم منعاً لتفشي الفيروس داخل السجن. وبحسب جابر، إن بيانات المستخدمين ستكون ملك الدولة اللبنانية حصراً، وهي مرتبطة فقط بحالتهم الصحية. وصحيح أن التطبيق جاهز من الناحية التقنية، الا أنه لم ينشر بعد على متاجر Apple وGoogle للتطبيقات.

في المحصلة، أثبتت التجربة الصينية حتى اللحظة أنها الأنجح في مواجهة الفيروس، وبالفعل بدأت بلدان عدة بتطبيق استخدام أشكال مشابهة من آلية العمل تلك في كل من روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وفلسطين المحتلة. إن هذا التطبيق لبناني مئة في المئة، وعلى الرغم من قلّة الإمكانات في بلد «موادّ أولية ما فيه»، يثبت هذا التطبيق أن الخبرات موجودة ومتاحة، وهي قادرة على تجنيب البلد لأيّ كارثة.