تشهد إسرائيل هجوماً سياسياً وإعلامياً يستهدف صانعي القرارات في طهران ودمشق، ويهدف إلى رفع مستوى القلق لديهم، من مفاعيل أي ردّ إيراني وتداعياته على اعتدائها في مطار «تي فور» السوري. وكما يتضح من المتابعة، يشارك في الهجوم المركَّز والمدروس، القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب، إضافة إلى أهم الخبراء والمعلقين الذين يعزفون على منطق موحد، مؤكدين أن إسرائيل ستردّ بنحو واسع على أي ردّ إيراني، على أن يكون ردها مخصصاً لاستهداف كل الوجود الإيراني في سوريا، يضاف إليه لمزيد من الإرباك والقلق، أيضاً بنية الدولة والنظام في سوريا.

لهذه الغاية، استدعت الناطقة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، معلقين اثنين من كبار المعلقين في الشؤون العسكرية والأمنية، في موقع «واللا» الإخباري، وكذلك موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وزودتهما بصور جوية وإحداثيات لما قيل إنه الانتشار الإيراني العسكري في سوريا، إن لجهة الانتشار الصاروخي المتوسط المدى، أو لجهة ما قيل إنها قواعد للطائرات المسيرة، وغيرها من المواقع.
وتجنّد كبار الخبراء الأمنيين إلى جانب المعلِّقين الإعلاميين الاثنين لصناعة رأي عام داخلي مؤيّد لخيارات الحكومة، في موازاة التهويل على متخذي القرارات في طهران ودمشق. الهدف هو محاولة تظهير إسرائيل موحدة في مواجهة التهديد الذي تشكّله الساحة السورية، بعد انتصارات دمشق وحلفائها على الجماعات الإرهابية. ويجري الترويج، في سياق ذلك وموازاته، بنحو مكثف لمفاهيم يُعمَل على زرعها في الرأي العام الإسرائيلي، وأيضاً الرأي العام الدولي، أنه إذا واصلت سوريا مسارها التصاعدي في عودة سيطرة الدولة وإعادة بناء قدراتها العسكرية والصاروخية (ومعها حلفاؤها على الساحة السورية)، فسيؤدي ذلك إلى فرض «طوق خانق حول عنق إسرائيل»، بحسب تعبير ليبرمان، وإلى «قوس شمالي» بتعبير بنيامين نتنياهو، أما بحسب تعبير الخبراء الإسرائيليين، فقد يؤدي أيضاً إلى أن يسلب إسرائيل قدرة الدفاع عن عمقها في مراحل لاحقة ما بعد انتصار المحور المعادي لها في سوريا.

أول المؤشرات التي حضرت في وسائل الإعلام كان أسلوب تشييع الشهداء


ويبدو أن قرار الهبّة التهويلية التي يشنها السياسيون والعسكريون وأيضاً الخبراء والإعلاميون، تبلور بعدما أيقنت إسرائيل ــ بحسب المعلومات والتقديرات التي استندت إليها ــ أنّ الرد الإيراني على اعتدائها مقبل ولا جدال فيه. أول المؤشرات التي حضرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول التوجّه الإيراني، كان أسلوب تشييع الشهداء الإيرانيين في طهران، إضافة إلى مواقف صدرت عن مسؤولين إسرائيليين وعدت وهددت بالرد، وكذلك البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية قبل أيام. أما النقطة الحاسمة، من جهة التقدير الإسرائيلي، فتمثلت في الموقف الصادر عن الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله.
ومحاولة التهويل الإسرائيلية، بالإيحاء أن تل أبيب جاهزة للذهاب بعيداً في حالة الرد على اعتداءاتها، جاءت من خلال رسائل متعددة القنوات والمضامين، وتهدف إلى حشر الطرف المقابل ووضعه بين حدين: إما التكيّف مع المعادلة التي تحاول فرضها على خلفية اعتداء «تي فور»، أو الاستعداد لتلقي ضربات أشد من تلك التي تقدر تل أبيب أنهم يسعون إلى الرد عليها. فرضية العمل الإسرائيلية، من خلال الخيارين، أن يتبنى الطرفان السوري والإيراني خيار تجنّب ما يؤدي إلى ردود إسرائيلية أشدّ قسوة.
وتهدف إسرائيل بمعية فرض المعادلة، إلى قطع الطريق على الدولة السورية لإعادة بناء قدراتها وتطويرها، بما يمكنها من مواجهة التهديدات الخارجية، وعلى رأسها التهديدات الإسرائيلية، خاصة أنّ أي عملية بناء وتطوير للقدرات، ستأخذ بالحسبان حجم المخاطر وطبيعتها وتطورها، وأيضاً التجربة الناجحة التي قدمها حزب الله في ردع العدو، رغم الفارق الموضوعي بين ساحتي لبنان وسوريا، لمصلحة الأخيرة (سوريا) على مستوى الجغرافيا والديمغرافيا. ما يعني إسرائيلياً، أنه في حال نجاح سوريا في عملية إعادة البناء بالاستناد إلى هذا الكمّ من التجارب، ستجد نفسها في مأزق استراتيجي يقيّد هوامش القدرة العدائية على الساحات السورية واللبنانية والإقليمية.
الحد الأقصى في الأماني الإسرائيلية أن ينكفئ الطرفان السوري والإيراني، عن تجاوز الحدود التي تحاول إسرائيل فرضها، وهكذا يتجنبون، ومعهم إسرائيل، خوض مواجهة عسكرية واسعة قد تترتب عن أي رد على اعتدائها الأخير. وفق هذا السيناريو، تكون إسرائيل قد حققت أهم هدف استراتيجي لها، عبر تحييد الساحة السورية وإبقائها مستباحة أمام أي عدوان إسرائيلي لاحق. والحد الأدنى الذي يمكن نظرياً افتراض حضوره في حسابات المؤسسة الإسرائيلية أن تلتزم سوريا وإيران عدم الرد الجاد، نتيجة هذا المستوى من الاستعدادات، ومن التهويل، تجنّباً لرد إسرائيلي مضاد وقاس.
لكن في تقييم أكثر مباشرة، يأخذ موقف الطرفين المتقابلين ومكانتهما وتوثبهما، لا الموقف الإسرائيلي وحده، يتبيّن ويتضح أن الضربة الإسرائيلية وحدها لا يمكنها أن تنتج معادلات، فضلاً عن فرضها من دون الاستمرار فيها، مهما كانت نتيجة الضربة الأولى وشدة إيلامها. الواضح أن محور طهران ــ دمشق من خلال التوثب والتهديد بالرد، حتى في مرحلة ما قبل الرد نفسه، أفشل المعادلة التي تحاول إسرائيل فرضها. فشل استطاعت طهران أن تنتزعه من حسابات القادة الإسرائيليين، من خلال نقلهم من موقع المتوثب للاعتداء إلى موقع دفاعي ينتظر الرد على اعتدائها، وبين خيارين اثنين: إما الكف عن هذا المستوى من الاعتداءات، أو تحمّل تكرار سيناريوهات المواجهة التي توصل في نهاية المطاف إلى الكف عن الاعتداءات. لن يجري التكيّف والتسليم بالسقف الذي تحاول إسرائيل فرضه. كل محاولة تكرار اعتداء إسرائيلي ستقترن بجوّ حافة المواجهة الواسعة، وهو مستوى من المخاطرة لا يمكن الردع الإسرائيلي أن يتحمله.