تصعيد غير مسبوق على جبهةِ الأزمة الأوكرانية، بعد أربع سنوات من الجمود، أدّى إلى استنفار أطلسي وعالميّ، وإلى تمهيدٍ لإعلان حالة الطوارئ في أوكرانيا.

استنفار أوكرانيا وحلفائها، خصوصاً الأوروبيين، جاء بعد حادثة احتجاز روسيا لثلاث سفنٍ أوكرانية في مضيق كيرتش، المعبر الوحيد بين بحر آزوف والبحر الأسود والقريب من شبه جزيرة القرم. وبعد مرور أكثر من 24 ساعة على الحادثة، تصرّ أوكرانيا على المطالبة بالإفراج عن سفنها الحربية الثلاث التي احتجزتها روسيا مع طواقمها وتدعو إلى فرض عقوبات جديدة على روسيا، فيما تدافع موسكو عن موقفها، مؤكدةً أن تصرفها «يتطابق تماماً» مع أحكام القانون الدولي. وفتحت موسكو قضية جنائية «في ما يتعلق بانتهاك سفن حربية أجنبية المياه الإقليمية لروسيا الاتحادية».
يتزامن ذلك مع ردود فعل غربية شاجبة، فيما يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً طلبته كل من روسيا وأوكرانيا، كما أعلن «حلف شمال الأطلسي» من جهته، عقد اجتماع استثنائي مع أوكرانيا اليوم في بروكسيل على مستوى السفراء. القلق الأوروبي دفع اليوم بألمانيا وفرنسا، بالدعوة إلى التوسط بين أوكرانيا وروسيا لتفادي تحوّل التوتّر بين البلدين إلى «أزمة خطيرة»، وفق ما أعلن وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس.
يأتي هذا التطوّر في ظلّ استمرار النزاع في شرق أوكرانيا، الذي يريد الانفصال عن البلاد وتحقيق استقلاله، ومعارضة كييف لذلك، منذ أربع سنوات، مع تعثّر المساعي السلمية لإيجاد حلّ للأزمة، واتهام أوكرانيا وأوروبا لروسيا بأنها تدعم الانفصاليين في الشرق.

ما الذي حصل في مضيق كيرتش؟
تختلف الروايتان الأوكرانية والروسية في شأن ما حصل صباح أمس في مضيق كيرتش، على حدود بحر آزوف. وفيما تتهم أوكرانيا روسيا بأنها أطلقت النار على سفنها العسكرية من دون سبب، تؤكد موسكو أن ما أدّى إلى هذه النتيجة هو الاستفزاز الأوكراني في مياهها الإقليمية.
وعلى رغم اختلاف الروايتين، إلا أن النتيجة واحدة: احتجاز روسيا ثلاث سفن عسكرية أوكرانية، وهي سفينتان حربيتان مصفحتان وسفينة جرّ بالإضافة إلى حوالى عشرين بحاراً كانوا على متنها، وذلك بعد إطلاق النار عليها. تؤكد روسيا أن السفن الأوكرانية قد دخلت المضيق بطريقةٍ غير قانونية، وأن الزوارق الأوكرانية لم تبلغها مسبقاً بخططها وتجاهلت التحذيرات بالتوقف وناورت على نحو خطير.
لاحقاً، أعادت روسيا فتح المضيق أمام سفن الشحن، بعدما كانت قد أغلقته لمنع السفن من المرور من البحر الأسود إلى بحر آزوف.
التوترات في بحر آزوف ليست جديدة، فقد أغلقت روسيا من قبل مضيق كيرتش القريب من شبه جزيرة القرم التي انضمّت إلى موسكو قبل عدة سنوات. وفي الأشهر الماضية، بدأت روسيا بتفتيش كلّ السفن العابرة من وإلى المرافئ الأوكرانية عبر المضيق.
ويأتي ذلك على خلفية احتجاز أوكرانيا لزورق صيد من القرم في آذار/ مارس الماضي. ووفق روسيا، فإن تفتيش المركبات الأوكرانية ضروري لأسباب أمنية، تخوفاً من قيام راديكاليين أوكران بعملٍ أمني على جسر القرم الذي افتتحته روسيا قبل بضعة أشهر. لكن كييف تتهم موسكو بأنها تحاول الإضرار باقتصادها و«احتلال» بحر آزوف.

ردّ الفعل الأوكراني
قابلت أوكرانيا حادثة مضيق كيرتش بغضب شديد، فيما وضعها الرئيس الأوكراني بخانة العدوان على بلاده. وفي وقتٍ متأخر مساء أمس، تجمّع حوالى 150 شخصاً أمام السفارة الروسية في كييف، وأحرقوا سيارةً تابعةً للسفارة بعدما رشقوا مبنى السفارة بمواد حارقة.
الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، وصف الخطوات الروسية بأنها «مجنونة»، وأعلن عقد اجتماعٍ طارئ للبرلمان اليوم بهدف درس إمكانية إعلان القانون العرفي في البلاد الذي يحتاج إلى موافقة البرلمان بعد إصداره بمرسوم رئاسي. وفيما شدّد الرئيس الأوكراني على أن ذلك ليس «إعلاناً للحرب»، أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية عن وضع الجيش في وضعية قتالية كاملة على خلفية الأحداث.
يذكر أن القانون العرفي، أو حالة الطوارئ، التي تمتدّ لمدة 60 يوماً، قد تثير حفيظة بعض الدوائر في أوكرانيا نظراً إلى أنها تقيّد الحريات المدنية وتمنح سلطات أكبر لمؤسسات الدولة قبيل الانتخابات المقبلة التي تشير استطلاعات الرأي إلى أن بوروشينكو سيخسرها.

الموقف الروسي
بعد ردّها على الانتهاك الأوكراني لمياهها الإقليمية باحتجاز ثلاث سفن وطواقمها وعدم الإفراج عنهم حتى الآن، تزامناً مع فتح قضية جنائية في شأن الانتهاك الأوكراني، ذكر الإعلام الروسي‭ ‬أن ديبلوماسياً أوكرانياً شوهد يدخل مبنى وزارة الخارجية الروسية اليوم، وذلك بعد ساعات من تعهد موسكو باستدعاء ممثل لأوكرانيا لبحث حادث مضيق كيرتش.
من جهته، اعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن التحركات الأوكرانية «أساليب خطيرة، شكّلت تهديدات وأخطاراً على حركة عبور السفن الطبيعية في هذا الممر البحري».
وأشار لافروف إلى أن كييف انتهكت «أحكاماً رئيسة نصّ عليها القانون الدولي، ليس فقط البحري»، لكن أيضاً «ميثاق الأمم المتحدة الذي يضمّ اتفاق 1982 حول قانون البحار ونصوص أخرى من القانون الدولي».
وتعليقاً على عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً طلبته كلّ من روسيا وأوكرانيا، قال لافروف: «ليس لدينا أي أوهام، باعتبار أن الغرب اتخذ موقف دعم أعمى للرئيس بوروشينكو ونظامه». ودعا الدول الغربية «الداعمة لكييف إلى تهدئة أولئك الذين يحاولون تسجيل نقاط سياسية بفضل هستيريا عسكرية»، قبل أربعة أشهر من الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا.

أبرز المواقف الدولية
جاءت المواقف الدولية داعمة بشكل واضح للجانب الأوكراني. وحثّ سفراء دول الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن الدولي روسيا على «إعادة حرية الملاحة» في مضيق كيرتش. وعبّر سفراء فرنسا وبريطانيا والسويد وبولندا وهولندا الذين يقومون بجولة في الصين، في بيان مشترك، عن «مخاوفهم من تفاقم التوتّر الأخير في بحر آزوف ومضيق كيرتش»، وحثّوا روسيا على إطلاق سراح البحّارة الأوكرانيين المعتقلين وإعادة السفن المحتجزة.
وبعدما عبّروا عن «قلقهم العميق للتصعيد الأخير في بحر آزوف ومضيق كيرتش»، دعا الديبلوماسيون «روسيا إلى ضمان الوصول بحرية إلى الموانئ الأوكرانية في بحر آزوف وإعادة حرية حركة الملاحة في مضيق كيرتش» و«التحلي بأكبر قدر من ضبط النفس للسماح بخفض حدة التوتر على الفور».
من جهته، اعتبر وزير الخارجية الألماني، هيكو ماس، أن إعاقة روسيا الملاحة في بحر آزوف «غير مقبولة»، واصفاً التطورات بـ«المقلقة»، وداعياً روسيا وأوكرانيا إلى «خفض التصعيد».
ودان عدد من حلفاء أوكرانيا، لا سيما كندا وليتوانيا، «الاعتداء» الروسي ضدّ كييف، فيما دعت الصين موسكو وكييف إلى «تسوية خلافاتهما عبر حوار ومشاورات».
بدورها، أكّدت فرنسا أنّها لا ترى «مبرراً ظاهراً في استخدام روسيا القوة»، داعية موسكو إلى «إطلاق سراح البحارة الأوكرانيين الموقوفين وإعادة السفن المحتجزة».