يخالف واقع الغاز الإسرائيلي، في حدوده وحقيقته الفعلية، معظم روايات تل أبيب المُعلنة عنه، منذ أن نجحت الشركات الأميركية في اكتشافه قبالة شواطئ فلسطين المحتلة. في حدّ أدنى، وصلت المبالغات إلى درجة المسارعة إلى استباق نتائج مشاريع الغاز، وحتى الأمنيات حوله. الغاز مورد اقتصادي يُعتدّ به، ومن شأنه توفير عائدات مالية كانت تُصرف على تأمين الطاقة في إسرائيل، وقد تصل فوائده إلى ما يزيد على ذلك. لكن ما بين الواقع والتطلّعات، إن لم نقل الأمنيات، مقدمات ومسارات مليئة بالتعقيدات واللايقين وتداخل المصالح الدولية والإقليمية، يصعب تحديدها وضبطها، إلا في ما يتعلق بالعرب الذين باتوا هم أنفسهم جهة إنقاذ أي تعثر «غازيّ» إسرائيلي. «مبالغة الغاز» عينة من واقع متجذر في الوعي الجمعي للإسرائيليين، فرادى ومسؤولين ومؤسسات، يتسبّب في كثير من الأحيان باتحاد الأمنيات مع الخطط والتطلّعات، إلى الحدّ الذي لا يمكن معه فصلها، فتأتي رواية الإنجازات مليئة بالأمنيات، سواءً أتت النتيجة المرجوة كما يُرسم لها ابتداءً، أم استعصت لاحقاً. هذه هي حالة إسرائيل في أكثر من اتجاه وملف سياسي وأمني واقتصادي، وكذلك في ما يرتبط بالعلاقات مع الدول والسياسة الخارجية، وبطبيعة الحال ملف الغاز والنفط. موضوع هذه المقاربة: الحديث عن النتيجة يسبق الخطط، فيما الخطط تسبق التفكير فيها.

قبل مدة، «طنطنت» وسائل الإعلام العبرية بالتوقيع على اتفاقية طموحة جداً بين إسرائيل ودول أوروبية ثلاث هي قبرص واليونان وإيطاليا، مع دعم من الاتحاد الأوروبي، تتعلّق بمدّ أنبوب تحت ـــ مائي من الآبار الغازية الإسرائيلية باتجاه أوروبا عبر هذه الدول. في حينه، تحدثت تل أبيب عن إنجاز غير مسبوق سيفسح في المجال أمام مستقبل زاهر جداً لم يكن محلّ تخيّل في الماضي، وتحديداً في ما يرتبط بإمداد شرق القارة الأوروبية بالغاز، حيث تصطفّ هذه الدول لإبرام العقود مع إسرائيل. شارك في هذه الرواية وزير الطاقة، يوفال شتاينتس، الذي أكد دوره في التوصل إلى «الاتفاق غير المسبوق»، وقال في حينه إن أنبوب الغاز البحري سيربط غاز إسرائيل بدول البلقان ووسط أوروبا. ونقلت «القناة الـ13»، في بداية نشرتها الإخبارية المركزية (24/ 11/ 2018)، عن شتاينتس قوله إنه «على مدى عشرات السنوات، نشكو من التأثير العربي على أوروبا في مجال النفط والغاز. تصدير غاز إسرائيلي إلى أوروبا سيؤدي إلى التعديل بصورة معينة، ويشكّل ثقلاً مضاداً للقوة العربية في مجال الطاقة».
مرّت أيام على «الاحتفال» الإسرائيلي، إلى أن كشفت صحيفة «معاريف» في تقرير لها (1/ 12/ 2018) أن اتفاقية الأنبوب باتجاه أوروبا مجرد خبر كاذب (fake news)، مشيرة إلى أن توصيف شتاينتس بوزير للطاقة هو الحقيقة الوحيدة في الخبر، أما الباقي فكذب بالكامل: «ليس ولن يكون هناك في المستقبل القريب أي اتفاق لمدّ أنبوب غاز بين إسرائيل وأوروبا. لم يُوقَّع أي اتفاق كهذا، ولن يبدأ أحد بمدّ الأنبوب في الأشهر القريبة ولا في السنوات القريبة. احتمال أن يتدفق غاز إسرائيلي في موعد ما إلى أوروبا قائم من ناحية نظرية، لكن أرجحيته عملياً منخفضة جداً». في بحث صدر أخيراً في واشنطن تحت عنوان «خيبة أمل إسرائيلية على صعيد الغاز» (معهد واشنطن)، ورد أن قطاع الغاز الإسرائيلي يعاني من بطء وتيرة التطوير، والناتج عموماً من بيئته التنظيمية وانخفاض أسعار الغاز عالمياً، وكذلك تقلّص ومحدودية الإقبال لدى الشركات العالمية الكبرى على الاستثمار في إسرائيل. البحث وجد أن المناقصات التي تُطرح تباعاً تنجح فقط في استجلاب شركات متواضعة، من دون خبرات فعلية، وبطريقة يتغلب فيها العامل السياسي على الاقتصادي، كما هو الحال لدى الشركات الهندية الرسمية التي مُنحت أخيراً تراخيص للتنقيب.

الأردن ومصر هما أفضل شريكين لإسرائيل في مجال الغاز


بتاريخ 4/ 11/ 2018، ذكرت صحيفة «غلوبس» الاقتصادية العبرية أن وزارة الطاقة عمدت، بعد عامين على فشل المحاولة الأولى، إلى الإعلان من جديد عن بدء عملية تنافسية بين الشركات لمنح تراخيص تنقيب عن الغاز. وشددت على أن «العملية التنافسية الأولى التي نشرت قبل سنتين تميّزت بنتائج سيئة، إذ تقدّمت عملياً شركتان للمناقصة، إحداهما إنرجين اليونانية التي تنشط في الأساس في إسرائيل مع خبرة محدودة للغاية، إضافة إلى شركة هندية أخرى لا يبدو أنها ستباشر التنفيذ لأن السوق الإسرائيلي بات مشبعاً بالعقود». على ضوء هذا التقرير وتقارير أخرى، يتبين ضعف الإقبال على المناقصات لدى الشركات الوازنة، وصعوبة التسويق خارج إسرائيل، وهي أهم العقبات التي تحول دون دخول الشركات الكبرى.
لكن من المنقذ للغاز الإسرائيلي؟ بطبيعة الحال، وكما هو الواقع في الميادين الأخرى، دول «عرب الاعتدال»، وتحديداً الأردن ومصر، من خلال العقود المبرمة وتلك التي يُعمل عليها، والتي جعلت من إنتاج الغاز الإسرائيلي أكثر من مجدٍ، ليس اقتصادياً وحسب، بل أيضاً في ربط اقتصاديات دول المنطقة به. «معهد واشنطن» يرى أن الأردن ومصر هما أفضل شريكين لإسرائيل، وينقل عن «وول ستريت جورنال» أن فائدة إسرائيل من مصر مضاعفة، وذات أبعاد سياسية تتجاوز كل المبادرات السياسية التي يُعمل عليها بين إسرائيل ودول «الاعتدال» العربي؛ إذ «أبلغ وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، المراسلين الصحافيين، أنه مهتم بغاز البحر الأبيض المتوسط لاستبدال النفط كوقود لتوليد الطاقة، ما يشير إلى أنه ربما قد ينتهي المطاف بالغاز الإسرائيلي في يوم من الأيام في السعودية عبر مصنع مصري للغاز الطبيعي المسال».
الفائدة الاقتصادية للغاز الإسرائيلي في عرض المتوسط لا جدال فيها، وتحديداً في ما يتعلق بالسوق الإسرائيلية نفسها. أما ما يزيد على ذلك، وتحديداً لدى الحديث عن السوق الأوروبية، فثمة مبالغة واضحة متأتية من طبيعة هذا القطاع وظروفه التي تحدّ من إمكاناته. لكن من ناحية عملية، يتكفل «الاعتدال العربي» بما يتعذّر على هذا القطاع تأمينه، عبر عقود ومشاريع أقلّ ما يقال فيها إنها مدعاة مساءلة، وتحديداً في تفضيل الآخر على الذات، كما هو الحال في «العلاقة الغازية» بين مصر وإسرائيل، أو تلك القائمة على التبعية مع الأردن. ومما يبدو من التقارير المنشورة في الغرب، فإن السعودية كذلك لا تحتاج بالمطلق إلى أي مورد طاقة لسنوات طويلة جداً.
في الوقت نفسه، تُعدّ المبالغة الإسرائيلية في هذا القطاع (الأنبوب الأوروبي) مطلوبة لذاتها في تل أبيب، ضمن مبالغات لا تستثني ـــ كما يتضح ـــ أي مجال واتجاه، بهدف إفهام المنطقة والمريدين من الحكام العرب، وربما أيضاً وعي الشعوب العربية، أن الاقتدار الإسرائيلي ومستوياته وتشعباته تجعل من إسرائيل قدراً للمنطقة ومعبراً لتطورها، وليست مجرد واقع يجري القبول به ضمن خيارات تسووية، أو مجرد بوابة لتحسين العلاقات مع أميركا والغرب.



نتنياهو: الغاز جزء من «عظمتنا الاستراتيجية»
شدد رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، على أهمية استكمال إقامة منصة الغاز في منشأة حقل «ليفيتان» في مياه البحر المتوسط، والبدء بضخّ الغاز منها، لافتاً في احتفال تدشين، حرص على تظهيره إعلامياً، على أن الغاز يشكل عنصراً حاسماً في «العظمة الاستراتيجية لدولة إسرائيل». وقال نتنياهو إن «ثلثي العائدات المالية للغاز الذي سيتم استخراجه من هذه المنشأة، سيُحوّل مباشرة إلى خزانة المالية العامة، التي ستستخدمه في مجالات التعليم والرفاه الاجتماعي وتمويل احتياجات حيوية». وجاءت تصريحات نتنياهو خلال مراسم أقيمت أمس، لمناسبة تركيب الجزء السفلي من منصّة الغاز التابعة لحقل «ليفيتان»، في احتفال عُدّ جزءاً لا يتجزأ من المعركة الانتخابية، المقرر خوضها في التاسع من نيسان/ أبريل المقبل.
(الأخبار)