العالم الإسلامي من تركيا إلى إندونيسيا: شعبية أميركا في الحضيض
الجدل المحتدم في شأن التصورات الممكنة والمحتملة لهيكل النظام الدولي، الذي بات يرزح تحت ثقل الاستخدام المتزايد لحق النقض "الفيتو"، من قِبَل الأعضاء الدائمين، لاسيما المتخاصمين منهم، حيث استخدمته واشنطن منذ عام 2020 ما لا يقلّ عن ست مرات (العدد الأكبر منها جاء في معرض الدفاع عن إسرائيل)، وهو عدد مماثل لـ"فيتوات" بكين خلال الفترة نفسها، لهُوَ أمر لا يمكن فصله عن مترتّبات الحرب على غزة، بما ظهّرته من مواقف تنهل "من خارج صندوق" المواقف الغربية. فعلى مستوى الدول الإسلامية، التي تحتلّ فيها القضية الفلسطينية مكانة مميزة على المستوى الشعبي، لم يتورّع عدد من القادة والرؤساء، ومن بينهم الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، عن انتقاد السياسات الغربية الداعمة لإسرائيل في غير مناسبة.
تلك المواقف يدرجها مراقبون غربيون في خانة "تضاؤل الرصيد الغربي في تركيا"، وهو ما تؤيده استطلاعات الرأي، سواء قبل أحداث السابع من أكتوبر، أو بعدها. ففي استطلاع للرأي أجري قبل أيام من تلك الأحداث، ونشرته مجلة "ذي إيكونوميست"، تبيّن أن نسبة لا تتعدّى الـ12% فقط من الأتراك ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها "دولة صديقة". وفي استطلاع آخر بعد عملية "طوفان الأقصى"، أظهر نحو 76% من الأتراك تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقارنة بنحو 5% فقط أعلنوا تأييدهم لإسرائيل. وتأسيساً على ذلك، تذهب "إيكونوميست" إلى أنّ حجم انتقاد المعايير المزدوجة للغرب في أوساط الشعب التركي بلغ "مستويات غير مسبوقة". وتنقل المجلة البريطانية عن أحد الديبلوماسيين الغربيين، قوله إنه "كان من الصعب للغاية قبل (حرب) غزة التباحث في ملف حقوق الإنسان (مع أنقرة)، بالنظر إلى أنّ إردوغان غير متسامح مع الانتقادات الخارجية، فيما سيغدو الأمر أكثر صعوبة بشكل كبير" بسبب هذه الحرب.
وتشير المجلة إلى أنّ ثمة "مشاعر (معادية للغرب) مشابهة في بلدان أخرى من كتلة الجنوب العالمي"، من بينها إندونيسيا. ففي مقالة نشرها الرئيس الإندونيسي الجديد، برابوو سوبيانتو، في "إيكونوميست"، في نيسان الماضي، كان بالغ الصراحة في انتقاده لازدواجية المعايير لدى القوى الكبرى الغربية في مقاربة حربَي غزة وأوكرانيا، حين طرح تساؤلاً جوهرياً: "كيف يمكن تفسير أن يحظى أمر كتدمير مدينة غزة بإدانة أقل ممّا حظي به أمر مشابه كتدمير مدينة ماريوبول (الأوكرانية)؟ وكيف يمكن تفسير أن ينال قتل المدنيين الفلسطينيين إدانة أقل ممّا ناله قتل المدنيين الأوكرانيين؟".
الجنوب العالمي منقسم... حتى "بريكس"؟
وبصرف النظر عمّا يثيره مصطلح "بلدان الجنوب العالمي" من إشكالات تحتّم في كثير من الأحيان التعامل معها كتكتلّ واحد، على خلفية تقارب مواقف العديد منها، وربما تطابقها في كثير من القضايا، إلا أنه لا يمكن إغفال حجم التباينات في ما بينها على أكثر من صعيد، على غرار التغير المناخي، وغيرها. فمع بدء الحرب على غزة، توقّف مراقبون غربيون عند ما وصفوه بـ"خروج هند-مودي، ذات العلاقات الوطيدة بتل أبيب، على إجماع كتلة دول عدم الانحياز" تجاه القضية الفلسطينية، حين رفضت، في تشرين الأول الماضي، التوقيع على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، وخصوصاً أن الهند تُعدّ أحد أقطاب تجمّع "بريكس"، وإنْ عادت لتعطي موافقتها على قرار لاحق حول القطاع، حمل الرقم 2720، امتنعت واشنطن عن التصويت عليه. أما البرازيل، العضو الآخر في "بريكس"، والتي تستعدّ لاستضافة قمة "COP30" العام المقبل، فقد اتّخذ رئيسها، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، موقفاً أكثر صرامة مما ذهب إليه مودي، حيث شبّه الهجوم الإسرائيلي على غزة بـ"الهولوكوست". وبحسب محللين، فإن موقف البرازيل حول غزة يكسبها أفضلية في الصراع المكتوم الدائر على زعامة "الجنوب العالمي" بين عدد من أقطاب الكتلة المذكورة، ومنهم الصين والهند، بخاصة في أوساط "مجموعة الـ 77"، والدول العربية، وإن كانت الأخيرة تقدّم نفسها كتجمع متمايز عن التكتلات الباقية.
"الجنوب العالمي" والنظام الدولي: لا ثقة!
بالنسبة إلى مجلة "فورين أفيرز"، فإن "الحرب في غزة شكلت الاختبار التالي بعد حرب أوكرانيا لمدى إدراك القادة الغربيين حقاً لأهمية مواجهة اتهامهم بالنفاق". على أن المجلة تعتقد أنّ "هؤلاء القادة أخفقوا في هذا الخصوص، وهو ما يدل عليه أن المسؤولين والمواطنين على حد سواء في مختلف أنحاء أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، يرون أن الولايات المتحدة وبعض حلفائها في أوروبا أعطوا الضوء الأخضر لإسرائيل لتدمير غزة على نطاق واسع"، معتبرة أنّ "التصور السائد لدى هؤلاء في شأن المعايير المزدوجة (الغربية) أصبح أقوى من أي وقت مضى". وتضيف المجلة أنّ "هذا النمط من السلوكيات ترتّبت عليه تكلفة باهظة" بالنسبة إلى البلدان الغربية. وتنقل عن مصدر ديبلوماسي في "مجموعة السبع"، قوله: "لقد خسرنا المعركة (لكسب تأييد) الجنوب العالمي... فقد ذهبت جهودنا التي قمنا بها مع بلدان الجنوب العالمي حول (قضية) أوكرانيا سدى. انسوا أمر قواعد (القانون الدولي)، انسوا أمر (احترام مبادئ) النظام العالمي. لن يستمعوا إلينا مرة أخرى".
هذه الموجة من تراجع الثقة بالنظام العالمي، وهيكله المؤسسي، في بلدان "الجنوب العالمي"، تعكسه نتائج استطلاع للرأي أجراه "مؤتمر ميونخ للأمن" في تموز الماضي، حيث أظهرت عينة من المستطلعة آراؤهم في عدد من تلك البلدان، كالسعودية (51%) وباكستان (76%) ودول أخرى، وجود أغلبية أعربت عن عدم ثقتها بالمنظمات الدولية المتعدّدة الأطراف، لاسيما أجهزة الأمم المتحدة، وكبريات المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وتفضيلها صيغ التعاون الثنائي مع الدول الأخرى كأسلوب أكثر فاعلية. ولدى سؤال المستطلعين، الذين تجاوز عددهم الـ9000، عن آرائهم في مدى التزام القوى الكبرى الغربية المحسوبة على "حلف الديموقراطيات"، باحترام قواعد "الشرعية الدولية"، ومقارنته بمدى التزام القوى الكبرى المحسوبة على "حلف الدول الاستبدادية"، أظهرت نتائج الاستطلاع، وخصوصاً في إندونيسيا والسعودية وتركيا وباكستان، أنّ نسبة من يرون أن البلدان الأوروبية، والولايات المتحدة تنتهك القواعد الدولية المتعارف عليها بشكل متكرّر، تجاوزت نسبة من يحملون القناعة نفسها حيال الصين وروسيا.

