وتقاطعت هذه المزاعم مع تصريحات كان أدلى بها الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الخميس الماضي، من مقر «حلف شمال الأطلسي» في بروكسيل، بشأن إطلاعه على معلومات استخباريّة تتعلق بترتيبات لنقل 10 آلاف جندي كوريّ شماليّ إلى روسيا، تحضيراً لنشرهم على امتداد جبهة القتال المحتدمة شرقي أوكرانيا. وحذّر زيلينسكي - الذي يتلقى نظامه دعماً عسكرياً ومالياً متعاظماً من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ودول عربيّة - من أن تورُط دولة ثالثة في الأعمال العدائية ضد بلاده، يمكن أن يحول الصراع هناك إلى «حرب عالمية ثالثة». وكانت وكالة الاستخبارات الكوريّة الجنوبيّة قد نشرت، على موقعها الإلكترونيّ، صوراً قالت إنها لتحركات استثنائيّة للبحريّة الروسيّة في محيط ميناء رئيس في كوريا الشماليّة، وكذلك حشودٍ لقوات كوريّة شماليّة وصلت إلى مدينتين شرقي روسيا، لكن خبراء يقولون إن كثيراً مما يرشح عن الوكالة يمكن وصفه بالبروباغاندا، وينبغي التعامل معه دائماً بحذر، وهو ما حدا بالأمين العام لـ«الناتو»، الهولنديّ مارك روته، إلى القول «إن الحلف ليست لديه معلومات محددة حول هذا الأمر بعد، وإنّ موقفنا الرسمي في هذه اللحظة هو أنه لا يمكننا تأكيد التقارير التي قالت إن الكوريين الشماليين ينشطون كقوات تشارك في المجهود الحربي (الروسيّ في أوكرانيا)، لكنني أعلم أن هذا قد يتغير».
ومن جهته، أعلن الجيش الأميركيّ أنّه لم يحصل على ما يؤكد الادعاءات الأوكرانية / الكوريّة الجنوبيّة، رغم معرفته الأكيدة بوجود مهندسين وخبراء عسكريين كوريين شماليين في روسيا وعلى الجبهة مع أوكرانيا لأغراض المراقبة وتبادل المعرفة والخبرات، إضافة إلى أطقم محدودة تتولى تشغيل قواعد إطلاق الصواريخ الباليستيّة الكوريّة الشماليّة وصيانتها التي اشترتها موسكو. وقال السكرتير الصحافي لوزارة الدّفاع الأميركيّة، بات رايدر، للصحافيين (الخميس الماضي)، «إن الولايات المتحدة لا تستطيع تأكيد أو نفي التقارير المتداولة في الإعلام حول إرسال قوات كورية شمالية إلى روسيا». وفي المقابل، نفى ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم مكتب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، المزاعم حول نقل قوات كوريّة شمالية إلى روسيا، ووصفها، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، بـ«الأخبار المزورة»، فيما تجاهلتها وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية بشكل كليّ.
وسبق أن صاغ بوتين وزعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، في حزيران الماضي، ما سماه البلدان اتفاق بيونغ يانغ لشراكة استراتيجيّة جديدة بينهما. ولم يكشف الحليفان عن تفاصيل هذه الشراكة، التي تضمنت بند دفاع مشترك ينص على تبادل الدعم العسكريّ عند تعرّض أيّ من البلدين لعدوان، لكن التوقعات الغربيّة تركزت حينها على تعظيم العلاقات في مجال التصنيع الحربي، بحيث تنقل روسيا أحدث التكنولوجيات المتعلقة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، وأنظمة الدفاع أرض - جو إلى كوريا، فيما تتولى مصانع الأخيرة تزويد الجيش الروسيّ بالصواريخ، والقذائف، والذخيرة، والمسيرات. وعزّز البلدان علاقاتهما بشكل نوعيّ، في العامين الماضيين، ووسعا من مجالات التعاون العسكريّ والاقتصادي في مواجهة العداء المستحكم لهما من الغرب، وذلك رغم ما يقال عن تحفظات من بكين، التي تخشى من تهور بيونغ يانغ في إثارة نزاع مع كوريا الجنوبية واليابان - المحميتين من الجيش الأميركي - في وقت غير مناسب للصين.
ومن المؤكد، وفقاً لمعلومات حلف «الناتو»، أن آلاف الحاويات المحملة بقذائف المدفعيّة وآلاف الصواريخ الباليستيّة تنتقل بشكل منتظم من مصانع الجيش الكوريّ الشماليّ إلى روسيا، وهي تستعمل بشكل مكثف في الهجمات على الجيش الأوكراني وضدّ محطات الطاقة ومراكز الاتصالات. وتمتلك كوريا واحداً من أفضل جيوش العالم تدريباً، ويتجاوز تعداده أكثر من مليون وربع مليون جندي، لكنه لم يختبر في صراعات واسعة النطاق منذ الحرب الأميركيّة على كوريا في الخمسينيات، ويشكك كثيرون في كفاءة تسليحه، رغم ريادة عالميّة مشهود له بها في هندسة الصواريخ. ودعمت وحدات كوريّة مقاتلة الفيتناميين في مواجهتهم للعدوان الأميركيّ، كما أرسلت طيارين حربيين إلى مصر في حرب أكتوبر 1973 للقتال مع القوات العربيّة ضد العدو الإسرائيلي، وكذلك خبراء صواريخ وعدداً محدوداً من ضباط القوات الخاصة لمساندة الجيش السوريّ في ذروة العدوان الغربي على سوريا عام 2016.
ومن ناحية عمليّة، فإن مشاركة محتملة لقوات كورية شماليّة في الحرب الأوكرانية قد تكون بمثابة فرصة أمام الجيش الكوريّ لاكتساب خبرات متقدمة في نظم الحرب الحديثة، كما معاينة تقنيات الدفاع والهجوم التي يعتمدها الغرب في مواجهة النهج الشرقيّ في القتال، بينما سيجد الجيش الروسيّ في المقاتلين الكوريين الأشداء تعزيزاً مفيداً لقواته التي تقاتل على خط جبهة يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر. ولن يكون مستغرباً أيضاً أن تستعين روسيا بمهندسي معمار وعمال بناء وفنيين وتقنيين وضباط استخبارات عسكريّة من كوريا الشماليّة في إقليم دونيتسك.
ويفرض الغرب بقيادة الولايات المتحدة، ومنذ عقود طويلة، حصاراً خانقاً على كوريا الشماليّة، فيما تتعرض الدول التي توظّف عمالاً كوريين شماليين أو تنخرط في بيع الأسلحة أو التجارة مع حكومة بيونغ يانغ لعقوبات.
وفي المقابل، كانت موسكو في العهد السوفياتي قد دعمت نضال الكوريين في حرب التحرير 1950 - 1953، وساعدت في منع اجتياح الجيش الأميركي للشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكوريّة، حيث أعلن تالياً قيام جمهورية كوريا الديموقراطيّة التي تتبنى نهجاً شيوعياً، في حين بقي الشطر الجنوبي خاضعاً للحماية الأميركيّة، وعارضت الولايات المتحدة كل محاولات توحيده مع نظيره.

