وَقَع تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان، الصادر بتاريخ 28 آب/ أغسطس 2018، حول حالة حقوق الإنسان في اليمن، كالصفعة على الوسطين السياسي والإعلامي التابعَين لدول العدوان. وستبقى ارتدادات هذا التقرير تشكّل عامل إزعاج شديد لأصحاب القرار الخليجي لفترات لاحقة، بغض النظر عن مدى فاعلية الوثيقة الجديدة وقدرتها على ردع «التحالف»، أو إجباره على اتباع القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين زمن الحرب، وإن كان أحد من المطلعين لا يرجّح أن تحدث تلك الوثيقة، وما سيتبعها من جلسات في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، تغييراً في النهج الحاكم في اليمن.

الانزعاج السعودي ــــ الإماراتي مما تضمّنه تقرير فريق الخبراء المعنيّ باليمن، يمكن تلخيص أسبابه بما يأتي:
أولاً: يُحمِّل التقرير كلاً من السعودية والإمارات مسؤولية مباشرة عن المجازر التي ارتُكبَت بحق المدنيين، والتسبّب في تجويع الشعب اليمني عن طريق إغلاق المرافق الجوية والبحرية والبرية، واغتصاب المعتقلين في السجون السرية وغير السرية، فيما يقذف «التحالف» على الدوام مسؤولية ما يجري على الأطراف المحلية اليمنية، ويبرّر تدخّله بالذريعة التي أصبحت معروفة، وهي مدّ يد العون لما تسمى «الشرعية» حتى تبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية.
ثانياً: ورد في التقرير اسما كلّ من ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وولي عهد الإمارات محمد بن زايد، بالإضافة إلى أسماء عدد لا بأس به من قادة حربهما، على أنهم من أطراف النزاع، المُتسبّب بالكارثة التي تلحق بالشعب اليمني. وهذا يشوّه الصورة التي عمل عليها الرجلان طوال السنوات الماضية في تلميع اسميهما باعتبارهما من دعاة «الحداثة والانفتاح والإصلاح والتغيير» في الخليج. وقد يرى البعض في التقرير تلميحاً إلى احتمال ملاحقة الرجلين قانونياً في المستقبل، ولا سيما أن الوثيقة الأممية تصف الجرائم التي تسبّبت بها قواتهما بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب، ما يعني أن مرحلة من الابتزاز السياسي والاقتصادي والمالي ستخضع لها كل من الرياض وأبو ظبي، بعد فشل منظومة العلاقات العامة القائمة على دبلوماسية المال، والتي تُعتمَد من قِبَل الجانبين السعودي والإماراتي في المحافل الدولية والمؤسسات الإنسانية.
ثالثاً: يضيف التقرير عقدة (لم تكن في الحسبان) إلى مجموع العقد في العلاقات الخارجية السعودية مع الدول العربية والإسلامية، ولا سيما قطر وتركيا، كما يُمثّل خسارة جديدة إلى جانب الخسائر المتتالية في الإقليم. ومن شأن الوثيقة الأممية الجديدة، أيضاً، تعزيز سياسة كبريات الدول الإسلامية، وخصوصاً منها باكستان وماليزيا، في النأي بنفسها عن تورط السعودية والإمارات في اليمن، والإلحاح على أن هذه الحرب عبثية ولا نفع من استمرارها.
رابعاً: لم يَرِد اسم إيران في التقرير بتاتاً، وبذلك سقطت الذرائع الخليجية القائمة على أن التدخل السعودي ــــ الإماراتي جاء كردّ فعل على التدخل الإيراني، ومن أجل منع تهريب السلاح إلى موانئ اليمن.
خامساً: أسقط التقرير المنهجية الإعلامية الفاشلة لمنظومة الخليج الضخمة، والقائمة على تشويه الحقائق والتزييف والحرب النفسية، ووَضَعها في موقف حرج للغاية، بعدما ملأت الفضاء بادعاءات «نظافة» الحرب، والحرص على الشعب اليمني، وشيطنة الخصم.
سادساً: لم يُحمِّل التقرير واشنطن أي مسؤولية عن المجازر، بينما هي شريكة أساسية في الحرب بحسب اعترافها (دعم استخباري، دعم لوجستي، تزويد طائرات العدوان بالوقود جواً). وهي شراكة عاودت الإدارة الأميركية، بعد نشر الوثيقة الأممية، تبنّيها والتشديد عليها، مُحاوِلةً في الوقت نفسه نفض يدها من الانتهاكات السعودية والإماراتية، ومن تحمل تبعاتها القانونية (إن حدثت).
سابعاً: لا يضع الخبراء صدور التقرير في إطار «صحوة ضمير» لدى الأمم المتحدة ومؤسساتها، ولا يعتبرونه مؤشراً إلى تحرّر المنظمة الدولية من ابتزاز القوى المُهيمِنة على العالم، ولا سيما الولايات المتحدة والغرب، بل يدرجونه ضمن العمل الجاري على تشديد الطوق حول رقبة النظامين السعودي والإماراتي، لتسهيل عملية ابتزازهما، واستغلال حاجتهما إلى الغرب من أجل التخلص من التبعات القانونية للتقرير، وما يمكن أن يَليَه في المستقبل.